أدب أندلسي صلاح فضل - يا صاحبي

ثم يمضي الوشاح الأندلسي ابن عبادة الملقي في نقلة دلالية مدهشة فيقول في المقطع الرابع:
“إن أنس يا صاحبي/ لا أنس يوم قلت له
أخضع كالطالب/ أعياه حلّ المسألة
فردّ كالغاضب/ بمنطق.. ما أجمله
يرنو إلى جانبي/ بناظر.. ما أقتله
كما رنت أم مريم/ حوراء تزجي/ للمغيب/ في مرتِ
غُزيِّلاً داهشا/ أحوى ربيب/ يقرو خضيب/ النبتِ”

فيصور حالة من وجد العشاق، وتعلق ذواكرهم بلحظات تستعصي على النسيان، لا لما قالوه أو قيل لهم فيها، ولكن لاستحضارهم مجمل اللفتات والمشاعر المرتبطة بالموقف، فهولا ينسى يوم أن قال لحبيبه إنه يخضع له كما يسلّم التلميذ لأستاذه عندما يستعصي عليه حل مسألة، فيرمقه الحبيب بدلال غاضب، وطريقة نطق بديعة، ونظرة حانية قاتلة، مثل نظرة الظبية الأم الرؤوم، الحوراء، وهي تسوق أمامها في أحد المروج غزالها الشادن الصغير المندهش، وقد أخذ يتتبع النبات المخضب ليرعاه. والطريف أننا لا نعرف في نهاية الأمر ماذا قال لحبيبه وبم رد عليه، بقدر ما تتجسد لنا صورته في هذا المقطع السردي الرقيق المفعم بالشجن والإثارة. ثم نأتي للقفل وهو:
“وغادة لم تزل/ تشكو لمن لا ينصفُ
يا ويح من يتصلْ/ بحبل من لا يسعفُ
لما رأته يطل/ وهي غراما تكلف
غنّت وما للأمل/ إلا إليه المصرفُ
مو سيدى ابراهيم/ يا نؤامن دلج/ فانت ميب/ ذي نُختِ
إن شنون كارش/ يريمى تيب/ غرمي أوب/ أفرتِ”

وبقدر ما تبدو لنا الأشطر الأولى جلية المعنى في تغزلها بتلك الغادة التي تشكو لمن لا ينصفها، وويل للشجي من الخلّي، ولمن يتعلق بمن لا يسعفه، لكنها لا تملك إلا أن تناشده وهو يطل عليها، مغرمة به، ليس لها من من أمل سواه، لتلقي على سمعه هذه الأشطر الأعجمية والرومانثية التي جاءت في الخرجة، وكتبت بحروف عربية، وحل شفرتها العلامة جارثيا جوميث بمهارة، لأنها تنتمي للغة قديمة مختلفة عن الإسبانية الحديثة وترجمتها هي:
“ ياسيدي ابراهيم
أيها الرجل العذب
تعال إليّ/ بليل
وإن لا، إذا لم ترد
سآتي أنا إليك، لكن قل لي
أين ومتى/ يمكن أن أراك”

ويؤكد الباحثون أن هذا الجزء مأخوذ من أغنية كانت متداولة باللغة الرومانسية، بنيت عليها الموشحة، ونظمت غصونها وأقفالها كي تتوافق معها إيقاعها وتقفية، على اختلاف اللغة وتباين الأنغام، ويصر جارثيا جوميث على أن الموشحات قد انحازت إلى العروض الإسباني وخرجت عن العروض العربي لهذا التوافق الإيقاعي.


صلاح فضل





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى