كرة القدم د. حسن مدن - كرة القدم صانعة الفرح

كما في كل مونديال، نكون إزاء حدث عالمي يستأثر باهتمام الملايين ومتابعتهم، في كل بقاع الأرض، ولا تفلح الأحداث السياسية، مهما كانت سخونتها، بل وحتى الحروب، في صرف الأنظار عن متابعة ما يجري على الملاعب، حيث تظهر كرة القدم تجربةً جمالية، تحقق الفرجة، والمتعة التي تتولّد من لحظة غير متوقعة: تمريرة تفكّ اشتباكاً، أو مهارة فردية تقلب إيقاع مباراة، أو هدف يأتي كخاتمة حاسمة.
في صورةٍ من الصور، تبدو كرة القدم الحديثة أقرب إلى مسرح عالمي مفتوح، تتحوّل فيه الملاعب إلى فضاءات للفرجة الجماعية لفنٍ من الأداء الذي يكتب نفسه أمام الجمهور، فلم ترتبط لعبة بالفرجة كما ارتبطت بها كرة القدم، التي حوّلتها شاشات التلفزيون، ثمّ المنصات الرقمية، إلى أكبر مسرح بصري في التاريخ يشاهد في كل بقاع الأرض في اللحظة نفسها، في تجربة جماعية عابرة للغات والحدود، لكنّها، في الوقت نفسه، خاضعة لاقتصاد هائل من البث والإعلانات والرعايات. فالرياضة ليست بريئة تماماً، فحولها تتشابك مصالح الإعلام، والشركات، والسياسة، وتُستخدم أحياناً أداة للتأثير أو التلهي، كذلك تترك خلافات الحكومات أثرها أيضاً على سير الأمور.
وعلى الرغم من هذا، تبدو كرة القدم أكثر أشكال العولمة "براءةً"، لأنّها توحّد العالم طوعاً، حيث يستطيع المشجع في أي مكان أن يفرح لفوز فريق من أميركا اللاتينية أو لفريق أوروبي، أو أفريقي بدافع الانتماء الوطني والقومي، أو حتى وحدة الجغرافيا والتاريخ أحياناً، وبدافع الإعجاب الخالص بالمهارة أحياناً أخرى.
وما أعجب أن تُعلَّق قلوب الملايين على كرة لا يتجاوز قطرها بضعة سنتيمترات، فإذا استقرّت في الشباك انفجرت المدن بالهتاف، وارتفعت الأعلام كأنّها طيور أُطلقت دفعة واحدة في السماء. هدف واحد قد يبدّل مزاج شعب، ويؤجل أحزانه، ويمنحه لليلة واحدة شعوراً نادراً بالانتصار، في لحظة شعورية جماعية يشعر فيها الناس بأنّهم يشتركون في نبضة واحدة، فالجميع، في المقاهي والبيوت والشوارع، أمام الشاشات الكبيرة والصغيرة، ينتظرون تلك اللحظة التي تعبر فيها الكرة خط المرمى. وحين يحدُث هذا نشعر وكأنّ الزمن نفسه توقف لثوانٍ قبل أن ينفجر بالتصفيق والصراخ والضحك والدموع.
سرّ كرة القدم أنها تمنح الناس ما تفتقده حياتهم اليومية كثيراً: إحساس المشاركة، فهدف يحققه المنتخب الذي نحبّه يتحوّل إلى فرح عام لا يسأل عن طبقة أو مهنة أو مدينة أو رأي سياسي. فالجميع يجدون أنفسهم فجأة في صفٍّ واحد. هدف يهزّ الشباك لا يُغيّر العالم، لكنّه يغير شيئاً في النفوس، يُذكّر الناس بأنّ الفرح ممكن، وبأنّ الملايين يستطيعون، ولو لدقائق معدودة، أن يصبحوا قلباً واحداً يخفق باسم فريق واحد ووطن واحد وأمل واحد.
هذا ما رأيناه وعشنا أجواءه في عالمنا العربي أخيراً، فحين ينجح منتخب عربي كما حدث مع تأهل منتخبي مصر والمغرب لدور الـ16 في المونديال الحالي المقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يشعر كثيرون أنّ الإنجاز يتجاوز حدود الدولة الواحدة، ويصبح عربيّاً وكأنّ الهدف سُجل في مرمى الإحباط نفسه، لا في مرمى فريق منافس فقط، ليس فقط لأنه يشعل الشعور بالهوية المشتركة، وإنما أيضاً لأنّ الناس يرون في هذا النجاح صورة لقدرة الحلم العربي على الظهور مجدّداً وسط عالم شديد المنافسة، فضلاً عن أنّهم يحتاجون مناسبات يشعرون فيها بأنهم قادرون على الفرح معاً، وأن بينهم ما هو أقوى من الخلافات اليومية، وهو ما نجحت الكرة، على بساطتها، في صنعه، وليس أدلّ على هذا من مظاهر الفرح بتأهل مصر عند أهالي قطاع غزّة المنكوبة من جرائم المحتل، فرغم قسوة معاناتهم وجدوا فسحة للفرح يحتاجونها.
من المفارقات أنّ كرة القدم بمقدار ما تُعلمنا قيمة الفرح وحاجتنا إليه، تظهر أيضاً هشاشته؛ فالمباراة تنتهي، والهتافات تخفت، وتختفي الحشود المبتهجة من الشوارع، وتعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، غير أنّ أثر تلك اللحظات يبقى في الذاكرة، محفوظة في الفيديوهات التي وثقتها تعبيراً عن البهجة، وربما السلوى أيضأً.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى