شهادات خاصة عبدالسلام المساوي - 🖊️محمد السرغيني.. الشاعر الذي لا يشبه إلا نفسه

يصعب على من عرف محمد السرغيني أستاذاً وشاعراً وإنساناً أن يكتب عنه بعد الرحيل ببرودة الناقد، أو أن يستسلم بسهولة إلى لغة الرثاء التي تقول إن شاعراً رحل وخلف وراءه دواوين وكتباً ودراسات. فبعض الراحلين لا يغادرون حياتنا حين يغادرونها؛ يظلون مقيمين في الذاكرة، في نبرة صوت، وفي جملة عابرة، وفي درس قديم، وفي سؤال ظل مفتوحاً منذ سنوات الشباب. ومحمد السرغيني واحد من هؤلاء الذين لا يكفي أن نقول عنهم إنهم رحلوا، لأن جزءاً من حضورهم يستمر في تلامذتهم، وفي قرائهم، وفي الأثر الذي تركوه في الثقافة والجامعة والشعر.
ومرور أربعين يوماً على رحيله لا يعني أن الغياب أصبح قابلاً للتصالح معه؛ فما يزال وقع الفقد طرياً، وما تزال صورته، بصوته وحضوره وطريقته في الحديث والنظر إلى الأشياء، أقرب إلى الذاكرة من أن تتحول إلى مجرد ذكرى. ولعل الكتابة في هذه المناسبة لا تستطيع أن تكون رثاءً مكتفياً بالبكاء، ولا دراسة نقدية باردة، وإنما هي محاولة لاستعادة رجل ترك، إلى جانب إرثه الأدبي والشعري، إرثاً إنسانياً وعلمياً لا يقل قيمة: أجيالاً من الطلبة الذين جلسوا إلى دروسه، وتلقوا عنه المعرفة، واكتشفوا على يديه طرائق أخرى في قراءة النص والحياة، وكثيرين ممن أشرف على بحوثهم ورسائلهم وأطروحاتهم، ورافق بداياتهم العلمية والإبداعية. وأنا واحد من هؤلاء.
لقد كان محمد السرغيني في حياة أجيال من طلبة الأدب العربي الحديث أكثر من اسم في لائحة الأساتذة؛ كان شخصية علمية وشعرية وفكرية يصعب فصل بعضها عن بعض. فمن قاعة الدرس إلى جلسات الحوار، ومن الإشراف الأكاديمي إلى الحديث العابر، كان يترك فيمن حوله شيئاً من أثره، لا بالوعظ أو التلقين، وإنما بذلك الحضور الذي يجعل المعرفة تجربة، والشعر طريقة في النظر إلى العالم. ولذلك لم يكن أثره مقصوراً على ما تلقيناه منه في المدرج الجامعي، بل امتد إلى ما أصبحنا عليه في علاقتنا بالقراءة والكتابة والسؤال.
وأنا، حين أستعيد علاقتي به اليوم، أجدني أمام أستاذ لم تنته دروسه بانتهاء سنوات الدراسة، بل ظلت تتسع داخل التجربة نفسها. فقد بدأت علاقتي به في الجامعة، لقاء الطالب بالأستاذ، ثم تواصلت في الدراسات العليا، حيث أشرف على أبحاثي وأطروحتي، وكنت أتعلم منه في الدرس الجامعي كما أتعلم منه في الجلسات الخاصة التي كانت تتحول، على نحو تلقائي، إلى امتداد آخر لفضاء كلية الآداب بظهر المهراز. ولعل ما تعلمته في تلك اللقاءات الشخصية كان، في جوانب كثيرة، أعمق وأبقى من كثير مما يمكن أن تختزنه المقررات والمحاضرات.
ومن هنا فإن الكتابة عنه في ذكراه الأربعينية تستعيد في داخلي رهبة الطالب وهو يقف أمام أستاذه، وتستعيد في الوقت نفسه ألم الفقد الطازج الذي يرافق غيابه. أربعون يوماً فقط تفصلنا عن رحيله، لكنها كانت كافية لكي نشعر بحجم الفراغ الذي تركه، لا في الشعر وحده، وإنما في الجامعة وفي المشهد الثقافي المغربي أيضاً. فقد كان السرغيني شاعراً وأستاذاً وباحثاً ومثقفاً، وكان من أولئك الذين لا يكتفون بتدريس المعرفة، بل يسهمون في تكوين أجيال كاملة من القراء والباحثين والكتاب.
ومن هذه الزاوية تأتي هذه الشهادة التي أستعيد فيها بعضاً من علاقتي بالأستاذ محمد السرغيني، لا بقصد استنفاد الحديث عن تجربته الشعرية أو الادعاء بالإحاطة بمشروعه، وإنما لأرد شيئاً من الجميل إلى رجل كان له أثر عميق في تكويني، وأتيح لي أن أكون واحداً من طلبته الذين درسوا على يديه، ثم واصلوا معه دراساتهم العليا، وأشرف على أبحاثهم وأطروحاتهم، ومنحهم من وقته ومعرفته وتشجيعه ما لا تختزنه المقررات الجامعية.
وأجدني، في هذه المناسبة، مديناً بالشكر والامتنان للشاعر والصديق محمد بشكار، المشرف على هذا الملحق الثقافي لجريدة العلم، الذي دعاني إلى المشاركة في هذا الملف الخاص بالذكرى الأربعينية لرحيل محمد السرغيني، باعتباري واحداً من طلبته ومن المقربين منه. وقد أتاحت لي هذه الدعوة فرصة العودة إلى زمن قريب، وإلى صور وأحاديث ووقائع ما تزال حاضرة في الذاكرة، وإلى علاقة إنسانية وعلمية لم يكن فيها الأستاذ مجرد أستاذ، ولا الطالب مجرد طالب. ولعل أجمل ما في هذه الدعوة أنها أعادتني، ولو للحظات، إلى ذلك الزمن الذي كان فيه السرغيني حاضراً بيننا، وإلى تلك العلاقة التي لا تنتهي بانتهاء الدراسة، لأن بعض الأساتذة يواصلون تدريسنا حتى بعد أن نغادر مدرجاتهم؛ نكتشف، مع مرور الوقت، أن دروسهم الحقيقية لم تكن دائماً تلك التي كانت مكتوبة على السبورة أو في دفاتر المحاضرات، وإنما كانت في الطريقة التي علمونا بها أن نقرأ، وأن نشك، وأن نسأل، وأن ننظر إلى الأدب باعتباره حياة أخرى للإنسان.
بعد مرور هذه السنوات الطوال على لقائي بالشاعر محمد السرغيني، لقاء الطالب بالأستاذ، أستطيع أن أقول إنني وجدت في بستانه الخصيب كثيراً مما كنت أبحث عنه، وربما وجدت فيه ما لم أكن أعرف أنني أبحث عنه أصلاً. فقد لازمت محاضراته خلال سنوات السلكين الأول والثاني من التعليم الجامعي، ثم واصلت معه دراساتي العليا، مسترشداً بما كان يصدر عنه من قول أو سلوك، في دروسه الأكاديمية، كما في جلساته الخاصة، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تسجلها المقررات، لكنها تظل، مع مرور الزمن، أكثر رسوخاً في ذاكرة التلميذ من كثير مما تحفظه الكتب.
كان محمد السرغيني أستاذاً لا يشبه الأساتذة المعتادين. ولم تكن دروسه في مناهج تحليل النصوص الأدبية وسيميولوجيا الأشكال الرمزية مجرد محاضرات تستوفي موضوعاتها وتنتهي بانتهاء الحصة، بل كانت مغامرات في التفكير، وتمارين على زحزحة المألوف، ومحاولات لاكتشاف ما تخفيه النصوص وراء ما تقوله مباشرة. كان يضعنا أمام اللغة لا باعتبارها أداة جاهزة للتعبير، وإنما باعتبارها كائناً حياً، تتعدد طبقاته، وتتغير دلالاته، وتظل قابلة لإعادة الاكتشاف كلما تغيرت زاوية النظر إليها.
ولم تكن المعرفة عنده منفصلة عن القلق الذي يولدها. فقد كان الدرس الأكاديمي مناسبة لمساءلة النظريات والمناهج، لا للاستسلام لها، وكان يحرضنا على أن نقرأ النصوص بأعيننا، لا بأعين الكتب وحدها. ولعل هذا ما جعل حضوره في قاعة الدرس يتجاوز حدود الأستاذ الجامعي، ليغدو حضوراً فكرياً وتربوياً يوقظ في الطالب الرغبة في أن يكون قارئاً مستقلاً، لا مجرد مستوعب لمعارف الآخرين.
وكانت الجلسات الخاصة التي كانت تتاح لي بفضل إشرافه على بحوثي، أو تلك التي كان يتيحها لمن يتوسم فيهم قابلية للإنصات والحوار، امتداداً طبيعياً لدروسه الأكاديمية، وإن في فضاء أكثر حرية وأقل خضوعاً للضوابط الرسمية. تبدأ الجلسة عادية، ثم لا تلبث أن تتحول إلى ندوة مفتوحة، تذهب في كل الاتجاهات والموضوعات، قبل أن يعود الشعر دائماً ليكون الكابح الذي يرد الأستاذ والمتحلقين حوله إلى صميم المسألة.
وكان فناء مقهى دينا، القريب من إقامة الأستاذ، وقبله مقاهٍ أخرى، شاهداً على هذا الامتداد العلمي غير الرسمي لمدرجات كلية الآداب بظهر المهراز في فاس. هناك، حيث تتخفف الأفكار من ثقل المكان الأكاديمي، كانت الآراء والمواقف التي قد يعسر طرحها أمام جمهور الطلاب تجد مجالاً أرحب للتداول والنقاش. لم تكن تلك الجلسات استراحة من الدرس، بل كانت درساً آخر، أكثر حميمية، وأشد التصاقاً بالحياة، تتداخل فيه الثقافة بالسياسة، والأدب بالتاريخ، والتجربة الشخصية بأسئلة المعرفة، ويظل الشعر، في النهاية، مركز الجاذبية الذي يعيد للأحاديث توازنها.
وأشهد اليوم أن ما تعلمته من الأستاذ في تلك الجلسات الخاصة يتجاوز بكثير محتويات الدروس الأكاديمية التي كان يلقيها. فقد فتح لي نافذة على عوالم الشعر وعلاقته بالحياة، وأرشدني، في بداية الطريق، إلى النبش في عالم الشاعر الراحل أمل دنقل، منبهاً إلى أهمية مشروعه الشعري، وإلى أن رحيله المبكر لم يضع حداً لفاعلية ذلك المشروع، بل جعله مفتوحاً على قراءات وأسئلة لا تنتهي. ثم قادني إلى اختيار موضوع الموت في الشعر العربي المعاصر، مؤكداً أن الموت من أخطر الموضوعات التي واجهتها الفنون جميعاً، لأنه يضع الإنسان أمام حدوده القصوى، ويجعل اللغة في مواجهة ما يتعذر قوله.
لم تكن هذه التوجيهات مجرد اقتراحات لموضوعات بحثية، بل كانت، في جوهرها، دروساً في كيفية النظر إلى الأدب باعتباره معرفة بالإنسان، ومغامرة في اختبار المجهول. لقد كان يدفعنا إلى اختيار الموضوعات التي لا تستنفدها الإجابات السريعة، وإلى تحويل السؤال إلى مشروع قراءة، والقلق إلى معرفة، والانبهار الأول إلى بحث لا يكتفي بسطح الأشياء.
وخلال تلك الرحلة في دوحته الغناء، كنت أنصت إلى كلامه غير الرسمي عن الشعر، فأكتشف شيئاً فشيئاً ملامح تصوره للكتابة الشعرية. كان يرى، كما فهمت من أحاديثه، أن الغنائية حين تتحول إلى انفعال تلقائي واسترسال في البكاء، قد تصبح عطباً يصيب الشعراء غير المدربين على العيش في عالم لم يعد مقتنعاً بالبكاء. ولم يكن ذلك رفضاً للوجدان، ولا إنكاراً للتجربة العاطفية، وإنما كان دعوة إلى تجاوز الانفعال الخام، وتحويله، عبر المعرفة والتشكيل الفني، إلى تجربة قادرة على مقاومة الابتذال.
وكان يؤكد أن المعرفة المهضومة تضاهي التجربة الواقعية في المعيش، وأن الشاعر لا يتشكل بما عاشه وحده، وإنما كذلك بما قرأه واستوعبه وأعاد تأويله، ثم أدخله في نسيج تجربته الخاصة. فالتجربة الشعرية لا تبدأ بالضرورة من حادثة عاشها الشاعر، بل قد تبدأ من فكرة قرأها، أو صورة استقرت في ذاكرته، أو سؤال ظل يطارده، ثم لا تلبث أن تتحول، بفعل المخيلة واللغة، إلى تجربة شخصية لا يمكن ردها إلى أصل واحد.
لم يكن التجديد عنده مجرد استبدال شكل بآخر، أو هدم سطحي للقوالب الموروثة، بل كان فعلاً عميقاً في صميم اللغة، يقوم على حسن تدبير المرجعيات، ومزجها بالتجربة الذاتية، وإعادة إنتاجها ضمن رؤية خاصة.. فالموروث الثقافي، في نصوصه، لا يظهر بوصفه مخزوناً للزينة أو شاهداً على سعة الاطلاع، وإنما يتحول إلى مادة حية للتفكير والتأويل، وإلى طاقة تستمد منها القصيدة قدرتها على مساءلة الحاضر. إنه لا يستدعي المرجعيات لكي يثبت معرفته بها، بل لكي يعيد اختبارها، ويضعها في سياقات جديدة، ويمنحها إمكانات لم تكن ظاهرة في منابعها الأولى. وفي هذا التفاعل الخلاق بين المرجع والتجربة تتشكل إحدى الخصائص الأساسية لشعره.
إن نصوصه تحمل معرفة إنسانية واسعة، لكنها لا تقدمها في صورتها المدرسية أو التقريرية، إذ تخضعها لعمل شعري يعيد ترتيبها، ويغير علاقاتها، ويمنحها دلالات جديدة. ولهذا فإن شعره لا يستسلم للقراءة السريعة، ولا يتيح للمتلقي أن يكتفي بالانطباع الأول. إنه شعر يطالب قارئه بقدر من المشاركة، ويجعله طرفاً في إنتاج المعنى، لا مستهلكاً لمعنى جاهز. أما وجدانه، فلا ينهض على الشكوى المباشرة أو على استدرار التعاطف، بل يتخذ من الفكر والسخرية وسيلتين لصياغة الألم، وتحويله إلى موقف من العالم. ولذلك فإن غياب البكاء الظاهر عن كثير من نصوصه لا يعني غياب الوجدان، بل قد يدل على أن الوجدان فيها قد بلغ درجة من التشكيل الفني لا يعود معها قابلاً للظهور في صورته الأولى. فالحزن، حين يدخل مختبر اللغة والفكر، لا يختفي بالضرورة، وإنما يتغير شكله، ويتحول إلى سؤال أو مفارقة أو سخرية أو رؤية نقدية للعالم.
لم يكن الأستاذ ينظر إلى الشعر باعتباره مرآة مباشرة للحياة، ولا يختزل التجربة الشعرية في الوقائع التي عاشها الشاعر، أو في الموضوعات التي يتوقع المتلقي أن يجدها في قصيدته. إن التجربة عنده لا تكتمل إلا حين تذوب في اللغة، وتمتزج بما راكمه الشاعر من قراءات ومعارف، ثم تخرج في صورة جديدة لا يمكن ردها إلى مصدر واحد أو حادثة بعينها. من هنا يمكن فهم ذلك التوتر الخلاق بين الذات والمقروء في شعره. فمحمد السرغيني، وهو المطلع الواسع على ثقافات العالم والعارف بعدد من اللغات، لم يكن يستعمل المعرفة استعراضاً، وإنما كان يجعلها جزءاً من البنية العميقة لتجربته. وكانت قدرته على تطويع الإحساس العادي والارتقاء به إلى مستوى الحدس الشعري الحاد سبباً في أن يتراجع البكاء المباشر في نصوصه، وأن يحل محله فكر نافذ، وسخرية واسعة، ونظرة لا تتردد في مساءلة الأشياء والأفكار واليقينيات.
لقد كان شعره، في هذا المعنى، أقل انشغالاً بإظهار الألم من تفكيك شروطه، وأقل ميلاً إلى التعبير عن الحزن من تحويله إلى معرفة. وهذا ما يمنح نصوصه تلك المسافة النقدية التي تفصلها عن الاعترافية المباشرة، وتتيح لها أن تتجاوز حدود التجربة الفردية نحو أسئلة أوسع تتصل باللغة والوجود والذاكرة.
كثيراً ما كان الأستاذ يحدثنا عن خمسينيات القرن الماضي، وعن إقامته الدراسية في العراق، وعن صداقاته مع رواد الشعر العربي المعاصر، مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، وعن النقاشات التي كان يخوضها هناك. كان الشعر العربي يومها يعيش منعطفاً حاسماً، بدأ فيه الخروج من جلده القديم، بحثاً عن أشكال ورؤى جديدة، سرعان ما أصبحت عنواناً لمرحلة شعرية أبهرت شباب ذلك الزمن. غير أن محمد السرغيني، على الرغم من انخراطه في ذلك المناخ الثقافي، لم يطل إقامته الفنية في هذه المرحلة، أو لعله لم يكن راضياً تمام الرضى عن بعض ما كتبه خلالها. ويؤيد هذا الانطباع، في حدود ما أتذكر، أنه حين فكر في إصدار ديوانه الأول «ويكون إحراق أسمائه الآتية» في منتصف الثمانينيات، استبعد منه نصوصاً سابقة. وقد يكون هذا الاستبعاد دليلاً على حس نقدي صارم تجاه تجربته، وعلى أن الشاعر لم يكن ينظر إلى ما يكتبه باعتباره منجزاً نهائياً، بل كان يراجع بداياته ويعيد النظر فيها وفق ما استقر لديه من رؤية فنية.
لقد انتهى به الأمر إلى أن يصبح صوتاً شعرياً لا يشبه، في فرادته، أياً من الشعراء المغاربة والعرب. قد يختلف معه بعض المتلقين، وقد ينصرف آخرون عن قراءة أعماله لأنهم لا يجدون فيها ما ألفوه من عاطفة مباشرة أو صور مألوفة، ولا يجدون الشاعر الذي يتمرن على الحب بالمجاز، أو يهجو زملاءه بما تيسر من استعارات وكنايات وتشبيهات. لكن من يمعن النظر في نصوصه، ويمنحها الوقت الذي تتطلبه، قد يجد أمامه شاعراً يتعامل مع اللغة بوصفها مادة للتفكير والمغامرة، ويقايض اللفظ بالمعنى، ويجعل من السخرية أداة للكشف، لا مجرد موقف عابر من الأشياء.
أذكر أنني زرته ذات صباح في مكتبه بكلية الآداب بظهر المهراز، وكان قد عُيّن نائباً للعميد. وجدته يومها ضائقاً بالمنصب الذي بدأ يستنزف وقته، ويدخله في تفاصيل اليومي، ويحرمه مما يحب وما اعتاد عليه من قراءة وكتابة. كنت أحمل في يد فصلاً من رسالتي عن أمل دنقل، التي كنت أعدها تحت إشرافه، وفي اليد الأخرى ديوان «خطاب إلى قريتي»، وقد خرج من المطبعة لتوّه. كان ذلك في أواخر سنة 1986. استقبلني، كعادته، باشّاً ضاحكاً، وأخذ يختلق موضوعاً هنا وآخر هناك، ليداري ارتباك الطالب أمام أستاذه. ولما تبين له سبب الزيارة، وضع فصل الرسالة جانباً، وأخذ ديوان بداياتي، وجعله موضوعاً أساساً للدردشة والتبريك والتشجيع. كنت يومها غارقاً في زهو الشباب، ممتلئاً بأوهام الكتابة وأحلامها، فنسيت أن الأستاذ الذي كنت أقدم له ديواني لم يكن قد جمع شعره في كتاب حتى ذلك الوقت، وهو الذي كان قد قطع شوطاً بعيداً في ريادة الشعر المغربي المعاصر. ولم ألبث أن شعرت بشيء من الحرج، وساورتني هواجس من قبيل أن أكون قد تجاسرت، لا بإهدائه الديوان، وإنما بالإسراع إلى الطبع والنشر.
لم يترك الأستاذ للحرج مجالاً ليستقر؛ فقد استقبل التجربة الناشئة بما كان يملكه من سخاء تربوي، وبذلك النوع من التشجيع الذي لا يلغي النقد، ولا يحوّل الأستاذ إلى مجامل، وإنما يمنح المبتدئ الثقة الضرورية لكي يواصل الطريق. وما زلت أذكر أن قيمة تلك الزيارة لم تكن في الكلمات التي قيلت عن الديوان وحده، بل في الطريقة التي جعل بها الأستاذ من فرح الطالب بعمله مناسبة لفتح أفق جديد أمامه. وأستعيد هذه الحادثة اليوم، بعد مرور عقود عليها، لأشهد بأن محمد السرغيني ظل سنداً للشباب المبتدئين في عالم الكتابة. كان كثيرون منهم يطرقون باب بيته العامر بفاس، يلتمسون العون والمشورة، ويرغبون في الحصول على اعترافه بتجاربهم الإبداعية، أو يطلبون منه كتابة مقدمات لدواوينهم. وكان يستقبلهم بكرم العالم الذي لا يرى في المعرفة ملكية خاصة، وبحرص المربي الذي يعرف أن الموهبة في بدايتها تحتاج إلى من يصغي إليها، ويأخذ بيدها في دروب الإبداع المعتمة.
ومن عرف الأستاذ عن قرب، عرف أنه كان متابعاً دقيقاً للمشهد الأدبي المغربي، لا يكتفي بما رسخ من أسماء وتجارب، بل يحرص على معرفة ما يستجد في الكتابة، وما يظهر من أصوات جديدة. وقد كان، في مناسبات عديدة، يطلب مني تمكينه من بعض إصدارات الشباب الذين لم يتيسر له العثور على كتبهم، حتى يظل على اتصال بما يجدّ ويطرأ في المشهد الأدبي. وكان هذا الحرص امتداداً لإيمانه بأن التجديد ليس ترفاً، وأن كل جيل جديد يأتي بأسئلته وأشكاله ومخيلته، وأن على النقد والتعليم أن يصغيا إلى هذه التحولات، بدل أن يكتفيا بتكرار ما استقر من أحكام.
ألم يكن هو، في الأصل، خريج القرويين الذي غادر عباءة التقليد، وانفتح على نور الحداثة، ثم مضى في مشروعه الشعري إلى حد مساءلة كثير من المسلّمات والتعريفات التي صاغها القدماء والمحدثون للشعر؟ لقد كان تجديده لا يقوم على القطيعة السهلة مع التراث، وإنما على إعادة النظر في طرائق التعامل معه، وعلى تحرير اللغة من الاستعمالات التي تحولت إلى قوالب، وعلى منح القصيدة قدرة جديدة على إنتاج الدلالة.
هذه شهادتي عن الأستاذ الشاعر محمد السرغيني. أكتبها اليوم بذاكرة الطالب الذي ظل، رغم مرور السنين، يشعر بأن بعض الأساتذة لا ينتهون بانتهاء الدرس، ولا يغيبون حين يغادرون قاعة المحاضرات. إنهم يستقرون في طريقة نظرنا إلى العالم، وفي الأسئلة التي نواصل طرحها على أنفسنا، وفي قدرتنا على ألا نطمئن تماماً إلى الإجابات الجاهزة. وإذا كان الرحيل قد وضع حداً لحياة الشاعر، فإنه لم يضع حداً لمشروعه، ولا للأسئلة التي أثارها شعره حول اللغة والحداثة والمعرفة والتجربة. فالأعمال الكبرى لا تنتهي عند حدود صاحبها، وإنما تبدأ، بعده، في ذاكرة القراء، وفي جهود النقاد، وفي ما تفتحه من إمكانات للكتابة الجديدة.
رحم الله أستاذي محمد السرغيني رحمة واسعة، وأبقى أثره في ذاكرة تلامذته ومحبيه، وفي الشعر المغربي والعربي، وفي كل من تعلم منه أن الكتابة ليست تكراراً لما قيل، وأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى سؤال، وأن الشاعر الحقيقي هو من يفتح للغة أبواباً لم نكن نعرف أنها موجودة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى