محمد عز الدين التازي - وهـم وطـن

محمد عز الدين التازي.png

لم أهلع، أو ربما كان قد أخذني الهلع إلى حيث لا أعلم، فغابت عني صور الأشياء والمرئيات ونسيت زماني ومكاني ولم أنس زكريا، الذي ظل وحده معي في كل هذا السديم.

وحينما تأكدت من أنني لم أعد هلعا، رأيت كنزة أمامي وهي تضحك وتحرك بأناملها المصبوغة الأصابع بطلاء فضي نظارتها السوداء ثم ترفعها لتجعلها تحط على الجبين. ولما رأيتها تضحك لم أعرف ما هي مناسبة ذلك الضحك الذي أظهر ضرسها الداخلي وهو يلتمع، في غور فمها، فلم أتفطن إلى أنها قد اصطنعت عكرا فضيا على شفتيها إلا بعد حين، فقد أخذني غور الفم، نحو لمعان الضرس، وعرفت أنه معوض من البلاتين.

لم أدرك أن كنزة ربما تكون هي إحدى الجارات، أو امرأة أبي، أو هي امرأة أب زكريا، الذي أنا أبوه، أي أنها ربما تكون امرأتي وقد تجلت على هذه الصورة، وهي ترتدي جلبابا رمانيا وشعرها مصفوف وأظافرها المطلية بذلك البريق الفضي، وشفتاها فضيتان، واحترت هل يمكن أن يقبل الرجل امرأة شفتاها على هذه الحال ثم قلت لنفسي إنهما شفتان ليستا للتقبيل، الحلال طبعا، ولكنهما للنظر.

وظننت أنني لا أعرف كنزة إلا خارجة من حانة المطار، صدفة وقد استهواها خبر سقوط طائرة، فجاءت تبحث عن حظها في هذا المجهول. وفي تلك اللحظة لم أعد أخشى على شيء، فقد كانت امرأتي تنام في بئر عميقة كأنها نسيان متبادل لا يمكن أن تبعثه آهات أم كلثوم أو ما عودت عينيها على رؤيته أو تباريح عبد الوهاب وهو يرى الحبيب يرق. فللزواج أحكام شرعية والحديث عنه يحتاج إلى الفصاحة التي أفتقدها الآن، لأني أصبحت، قبل حادث سقوط الطائرة، مذعورا من هول الحقوق النسائية، حتى وإن كانت الليلة مع امرأة ما زالت تساوي دخل يوم موظف بسيط مثلي وحشا لله، أن أفعلها، أو أن أساوي بين امرأة شرعية وبين بغي قادتها الظروف لأن تمارس أقدم مهنة في العالم، حتى وإن كانت "شمخة" في ملحمة البابليين، وهي تظهر في المنام، هي أعز ما يطلب.

وما علينا، فقد انطلق زكريا قبل لحظات للعب في البراري، وقال إنه يريد أن يصطاد قنفذا أو أن يطلق كلبه وراء أرنب، وبقيت أنا أواجه ضحكات كنزة وأنظر إلى الغور الذي يستقر فيه الضرس البلاتيني في أعماق فمها، حتى إن لم أنظر، وأحنيت نظراتي، فذلك اللمعان يجعلني أرى نفس الضرس، في غور فم امرأة التقيتها في القطار، أو واحدة من زميلات العمل في الإدارة، أو عابرة سبيل، وما كان ذلك من شأني، لكي أضعه في الاهتمام، لكني في هذه اللحظة، قد أخذت أشم روائح المواد الطبيعة التي يستعملها أطباء الأسنان، وأسمع أصوات الثقابات والخراطات، وأرى أناسا يمضمضون الماء في أفواههم ويبصقون ما قد يتبدى لهم خيوط من دم وأتربة سوداء وربما قطع زيتون ولوز صغيرة كانوا قد مضغوها فاختفت بقاياها في تجاويف أضراسهم المنخورة. فكيف تضحك كنزة والطائرة ما تزال جاثمة فوق سطح البيت، مهددة بانهياره، والركاب ما يزالون أسارى رعبهم وانتظارهم للنجاة؟

ومن أين جاءت، وأنا من سماها كنزة فهي لم تقل شيئا عن اسمها وبدت في خاطري، كأنها قريبة أو بعيدة عارفة وغير عارفة بشيء؟

وهل علينا أن نظل، أنا وهي، هي تضحك وتنظر إلي وأنا أشم رائحة المستحضرات الطبية من فمها، وأتطلع إلى ضرسها البلاتيني والناس محاصرون فوق سطح البيت، وخزان الطائرة ربما ينفجر، وتندلع النيران، لم نكن أنا وهي في مكان معين، ربما كنا في الصالة التحتية، الفارغة من الأثاث، أو واقفين على الأدراج، أو ماضين في خطوات قصيرة تحكمها أمتار معدودة داخل هذا البناء، الذي تجثم على سطحه طائرة وقعت بكل ركابها، وطاقمها، إن لم يكن الربان والطاقم قد قفزوا بمظلات احتياطية، لا أعرف، وكنت أحب أن أصعد إلى السطح لأرى، أو أساعد على فتح الأبواب، أو أفعل أي شيء ممكن، ولكن زكريا وهو يخرج لاصطياد قنفذ أو أرنب كان قد قال لي أن رجال المطافئ، وخبراء الإنقاذ ومعهم السلطات المحلية، سوف يهبون لمكان الحادث، وأنه يتلهى باصطياد قنفذ أو أرنب ريثما يراهم في هبوبهم نحو عين المكان. ولما كان يقول ذلك وهو يخرج، رأيت كنزة تنظر إليه نظرة توبيخ، وكأنها أمه أو أخته الكبيرة، وتنظر إلي نظرة إشفاق، فأخذت تناغيني وهي تضع سبابتها على أرنبة أنفي وتقول ضاحكة: كغ غ غ غ غ…

وتضحك وضرسها البلاتيني باد وأنا أشم من فمها، ومن فمي، رائحة المستحضر الطبي الذي يستعمله أطباء الأسنان، وازداد عبوسي ولكنها ظلت تقهقه في ضحكها وأن أباعد ما بين أنفي وسبابتها، وأتحاشى هذا الاستصغار من امرأة ما كان بإمكاني أن أستصغرها أو أن أجعل لها مكانة في عين أو قلبي، لكنها بدت وكأنها لا تصدق هول الكارثة، لأنها معذورة، فما رأت، ما رأيت من هول أنا وزكريا، وما كانت معنا ونحن نتتبع مشاهد المأساة، بدءا من حوم الطائرة، واقترابها من المطار، وحتى ميلانها على جناح واحد نحو الأرض، وارتفاعاتها وهبوطاتها الحمقاء، وابتعادها وقربها، وعودتها ثقيلة الحركة، لتسقط، أمام ناظرينا، وعلى بعد متر واحد، حتى أوسعنا لها لكي تجد مستقرا لذلك السقوط.

وبالطبع، فمن غير المعقول، أن تسقط، أو تحط، طائرة بكل ركابها فوق سطح منزل، وهذا ما أزال عني شيئا من حالة الهلع، وجعلني أتردد في الصعود إلى السطح، فلو فعلت ولم أجد الطائرة بركابها لظنت أني مقبل على حافة الجنون. ولكن كنزة ظلت تقول لي توضأ وصل، لكي ترتاح، أو هاك كأسا من هذه القارورة، إذا كان سوف يريحك، وإذا لم يعجبك هذا ولا ذاك، فاشرب كأس ماء واغمض عينيك، وسأخلع عنك ثيابك وأدخلك في حضني، وضحكت وأظهرت لي ضرسها البلاتينية، وكأنها تتعمد ذلك الإظهار، وتتعمد إفاحة تلك الرائحة من فمها وكأنها أيضا، عائدة للتو من عيادة لطب الأسنان، فرأيت نفسي أبصق دما، مخثرا ربما، أو هو على شكل خيوط حمراء، وأمضمض، وفي أذني أصوات الخراطات والثقابات، والكشاف الضوئي يتسلط على فمي وأنا أغمض عيني.

وخشيت أن يتفجر خزان البنزين، وتندلع النيران، أو ينهد البيت تحت وطأة ثقل طائرة تجثم بكل ركابها فوق سطح البيت. وخجلت من هذه الأنانية، فعدت أرى المشهد من جديد، مشهد طائرة تلوح في الأفق، وهديرها مسموع، وزكريا يشير لها بسبابته، فرحا، بمقدم طائرة إلى مطار قريب من حينا. ولكنها ارتجت في الحركة، ومالت واضطربت، وبدت عاجلة السقوط، ثم استوت وارتفعت ومضت بعيدا، وأنا وزكريا، نلاحظها بناظرينا، وقد نسي أن يأكل سندويتش التون والطماطم الذي أعددته له حتى فاجأتني كنزة، بالمناسبة، بأنها هي التي أعدت ذلك السندويتش لزكريا، وكأنها أمه أو امرأة أبيه، أو كأنها، وافدة علينا من فضول غير محتمل، فعجبت كيف كانت الطائرة قد اقتربت منا، أنا وزكريا، ونحن نقف فوق سطح البيت، فرأينا معا، وجوه الركاب، وسحناتهم، ورأيت رجلا يشبهني، تلمع ضرسه المعدنية وهو يبحلق في الفراغ، وامرأة كأنها كنزة، تفتح فمها لتظهر ضرسها البلاتيني، فلم أعد أرى الطائرة، وشممت روائح المواد الطبية التي يستعملها أطباء الأسنان، وتحول الأزيز إلى أصوات خراطات وثقابات، وأغشى عيني ضوء باهر، فلم أعد أرى أي شيء سوى أن يدي قد تشبثتا بحسد زكريا، وأنا أتحسس مكان وقوفه في الفراغ، وغابت الخرائط، والمواقع، والأشياء، وتفاصيل هذه المحن، والسهل والجبل، واتجاه المطار، والمنطقة الصناعية، وغاب عني موقع جسدي، من فرط الهلع.

لحظة احتراق أو تهشيم أو دخول في متاه، كما في الأفلام وتجارب طائرات الشبح، وهي لحظة لم تكن فيها أية بطولة لربان معين، يظهر وحده في الصورة، بل إن الركاب، بملامحهم المضطربة، ظلوا وحدهم يظهرون من النوافذ، بأضراسهم البلاتينية، وحتى الأطفال، كانوا يظهرون كذلك، منتظرين أن ينقدهم الربان، أو أن يخرجوا من الحصار، بعد أن صاروا محاصرين، داخل الطائرة، وفوق سطح بيت أعزل.

وما عاد بإمكاني أن أبعد عني سطوة حضور كنزة، وهي التي رأيتها في الوهم، ربما يخرج من باب المطار فظننتها امرأة من إياهن، ثم رأيتها من بين ركاب الطائرة، وهاهي تقرب سبابتها من أرنبة أنفي وأنا أكابر ولا أحب أن أصفعها حتى لا أدخل في حرب مع امرأة، وأنا أواجه حربا قاسية مع لحظة المأساة، حيث تسقط طائرة بكل ركابها فوق سطح البيت.

ولماذا إذن، يكون للأضراس كل هذا الالتماع، حتى وهي في غور الفم في آخر درجة من أضراس الفك لماذا أنا الموظف البسيط، قرأت صدفة، ملحمة كلكامش، ووجدت نفسي في أنكيدو، ولم أدرك، لغبائي، أن شخمة كان لها ضرس بلاتيني، يلمع وهي تضحك أمام ناظري وأنا أتحدى قوة جسدها وأستعد لها بشرب دن من الخمر لماذا؟

كنزة أو شخمة!
أنا وزكريا!
الطائرة: السقوط أو الحصار!
أم كلثوم ولس فاكر كان زمان!
ربيع العمر والخرائب كلها!
ريشات من جناح طائر!
المراصد الجوية!

ولقد تصورت تلك اللحظة، التي كنت أضم فيها زكريا إلى صدري، فلا أجد سوى الفراغ، ثم أنظر نحو الأرض الخلاء، فأراه يسير وراء ما قال إنه صيد أرانب أو قنافذ، يخب في برك الماء، ناظرا من حين لآخر نحو المدى، وكأنه يترقب وصول رجال السلطة، والمطافئ، وكل الجهات المعنية بالإنقاذ، ولكنه ظل يبتعد، كوعل في البراري، وقلبي معه، وسع ركاب الطائرة، وكان يبتعد وأنا أبتعد، حتى رأيت أناسا قادمين، بغير ملامح، بعدد الحصى والحجر، وظلوا يتقدمون، وأنا وزكريا نبتعد، وحتى دخلوا البيت، وصعدوا السطح، فخلعوا، وأنا أراهم الباب الخلفي للطائرة، وأخرجوا الأمتعة ورموا بالحقائب والصناديق من السطح إلى الخارج، ثم نزلوا لاستراقها ولم يفتحوا عن الركاب بابا، رغم حركات التوسل، وانفتاح الأفواه، وظهور الأضراس البلاتينية التي جعلتني أشم تلك الرائحة، وبقينا أنا وزكريا نبتعد، وشخمة، التي سميتها كنزة تشرب ذلك الدن، وتعطي الأوامر لأولئك الرعاع، من أجل تهريب أمتعة الركاب، وبأقصى سرعة، فالتحقت بزكريا، لكي نصطاد الأرانب والقنافذ، في البراري، والتحق بنا ركاب الطائرة، لكي يصطادوا معنا، وهجرنا البيت، تحسبا لانفجار محتمل، فنمنا في العراء، ولم نكتشف، بعد التعارف، أن الربان وطاقم الطائرة معنا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى