بسمة الشوّالي - أناهيد.. قصة قصيرة

“اِلْمِتْغَطّي بالَّيَّامْ عِرْيانْ”(1)


تأنّقت على كعب الزّهو الفضّيّ عبّادة شمس هيَف قدّها في انحناءات الهبوب، واكتملت بدرا بالنّضوج.
شده خيري في محاسنها تتحرّش به من تحت ثوب الزّمرّد الشّفيف كشمس تغازل الكون من وراء حجاب. ماء عينه رغت فيه الشّهوة فاعتكر، ولونه عند ظلال القسمات اكفهرّ. تثنّت تجلس قبالة مرآتها. تملّت وجهها الخارج حديثا من غرف التّجميل بفِصالة عالميّة المقاييس. غرز خيري صدأ قواطعه في زرقة شفته. عدّل وضع قميصه قاني النّوار داخل بنطال من الدّجينز الدّاكن. أخرج القميص من جديد وأسبله على البنطال. الآن لم يبق من وجهها القديم أدنى أثر، لن يتعرّف عليها أحد، أسرّ مائج الرّغبات. مسح بكفّ مندّاة على رأسه العاري حتى منتصف ربوته. غمغمت أناهيد بمقطع غنائيّ يؤطّر صوتها في لحظته. نشق مسحوقا أبيض على ظهر يده عميقا إلى الذّهلِ. رشف كلمات الأغنية سَكَرا حدَّ الثّمَل، خلّل مؤخّرة شعره الجعد المسترسل حتّى كتفيه بأصابع منفعلة. كفكف عرقه. وتقاطر على ثرائها شرِها يسوّي مرارا ثوبها المُسوّى، يمرّر على مساحة العري الفاره على ظهرها كفّه الولهى، يقترب منها يكاد من جمره يضمحلّ، يتباعد نهزة مضطربة ليروّض الكلب السّائب في دمه، يعود فيدنو قليلا مهفهفا أنفاسه على وجهها في انفعال محتقن، يستدرك من جديد مذاكرا في سرّه ما تمرّن طويلا على قوله، ثمّ يمعن في الدّنوّ الوجِل يكاد ينهش ربوة الكتف الألِق موشوشا:
“شتّان ما بين الكواكب و..”
تأوّدت غمزاتها. تمطّت ضحكتها. أشرق زهر الدّراق في روضة الوجنة. مجنت في مسايلها النّشوة. ومقاطع سلّمها العاطفيّ ارتجّت طربا تتطاير بها في سماء المباهاة كراقصة باليه تذرع ركح الخيال من أقصى الشّهرة إلى أقصاها على أطراف الأصابع الهيفاء.. شهق خيري في شوق نزِق ريح ثغرها الخليع، ثمّ زفر مُتمّا جملة الهمس المفتّت بين شفتيه كدُقاق الحصى يئزّ تحت القدم: “.. اﻠ.. بدر”.. عينك الجنّة وأنا الملقى على بابها تركله الأشواق فيصوّت، ويدوّم فيه الهوى فيُرجّع حتى دخلت حياتي.. أنت لي.. أتسمعين..؟
ألقت أناهيد السّمع المبتهج. اسمها يسبقها إلى الرّكح، يحلّي ماء الكلام على الشّفاه، يرقّص أرداف الخشب، يخلّع أعمدة اللّيل الرّخام، يُسكر الجمهور فيصخبون في النّداء، يهرجون بالفرح.. تقوم عن مرآتها، تتفحّص هيأتها من جديد وتخرج في خيلاء الكبر تجرّ ثوبا سافر التّرف ينحسر عن مقدّمة الجسد ويغطّي وجه بساط معتّق الحمرة يَمْهد تحت خطوها من مرتفع الرّبك حتى طرف الرّكح. تخوض الأصوات الضّاجّة بها، والأيادي الخاشعة إليها ملوّحة، مرسلة نسائم القبل الرّخاء.. وقاب لمسة منهم، تخرج كعادتها كلّ حفل عن نفسها تماما. يلبس جسدها المرمريّ اسمَها الحجر الماسيّ في طرف الرّواق الدّاخليّ المؤدّي إلى خارجها فتنسجم أضدادها الخفيّة، وتلتئم خدوشها الدّاخليّة، وتصير مرمى الأحضان المشرعة عليها نجمة تواضعت لعشّاقها على هيئة ساق عارية لا أكثر إلاّ بفكرة باذِخة الجنون لفستان انتهت مقدّمته عند الحدّ الأدنى من جيدها المتلألئ وأقصى أسفل الظهر الصّقيل، وصوت غنائيّ حدُّ ارتفاعه الطّربيّ ذروة الشّقّ الذي على ثوبها.. تغنّي الحبّ الزّاني ببنات الشّعر المحصنات فترتفع الآهات والمناديل والشّالات والأذرع تطوّح في أفضية الخواطر الشّبِقة. تذرّي الحزن المكوّم في بيادر النّفوس فيرقص الجمهور ألسُنا وأُذْنا ونهودا وشعورا وبطونا وخصورا ورغائب ثائرة عن محابسها.. يتفكّك، على حروف الغرام المنقّط على ساعة ماء الشّهوات، الجسد الواحد أجسادا صغرى يهتزّ كلّ منها على وزن شخصيّ ولحن جماعيّ يُرعِش أرداف اللّحم والحجر وخشب الآلات السّكرى ورؤوس العازفين المنزفة..
جُنّت الليلةُ حتى رمق العقل الأخير، وضعت بنات نعش(2) إزار السّواد وسفرن حدّ ذُرى الوله يتثنّين في سمائهنّ على تقاسيم الوجع وآهات الوتر وأحزان شاعر مهزوم.. تهتّك على الأرض الضّوء، تهستر من فرح حتى لا رجوع منه إلاّ بالغياب. مدّ ألسنةً نواهِم يلعقْن الجرح المخيط على صدر الظّلمة فيفْتِقْنه فينثال منه سَريّ من ماء الحياة أصله نهر أُرْدُنّ السّماء وفروعه قِيان يرششن قرنفلات النّور على الجمهور فيهتاجون، تمور أجوافهم من شبق، يستفحل فيهم الرّقص حتى يسقط عن الوعي آخر الورق فتتعرّى الأنفس ملء الأنفس، تتكاشف، تتراصف خياناتها تلو جراحاتها من تحت خيباتها مراقي إلى جنان الوهم تجري من تحتها أنهار الأماني، وتمهد على أرائكها الأجساد للأجساد..
تعالت أناهيد بالفرح. بلغت سدرة الألق المنتهى، حناجر الجمهور غدت لها المركبة، والأذرع المتطاولة روافع ناعمة. أبدعت تغنّي بصوت بارد، وجسد ناريّ ينثر أقباس الفتنة فتعشى الأبصار فلا يسمعون أتنشز أم تنشج أو تجهش بخيباتها الخافية.. تلقم شهواتهم بأغنية لهيب وجفن لعوب فيتضرّمون. وتوغل في مدح التّراب المضمّخ بالعرق، وقدسيّة الطّين اللاّزب على هيكل الرّوح الولهى فيثملون، وتصمت تريح صوتها وتستمرئ اصطفاق الأضلع على مدارج سماء واطئة تضجّ بالواقفين على “عرفات” الوهم أفواجا زِحام أفواج، بينما الأرض نمل معجبين يتدافعون على حواشي ثوبها، ونُثار فضّة الحذاء على دم البساط السّفيح..
اِعتلى، في أقلّ من طرْفة الغفلة، أحد المعجبين الرّكح كما لو أنّه انبثق من شقّ في خشب المصطبة. تصدّى له رجال شِداد يمنعونه حضنها.. اِستمرّ العزف حينا ثمّ توقّف. تماثلت حرائق الجمهور العاطفيّة تخفُت. أشارت أناهيد فتفرّقوا عنه. رقّت له. كان كهلا ناشفا، نصف أبكم، يعسر مخاض لغته في الحنجرة وتلد حروفا شوهاء ورجع معانٍ تجمجم في نفق السّمع الزّلِق.. هزهز الضّحك الجميع. بدا الكهل رثّ المسكنة، أبله الحركة كأحد أصحاب الرّقيم. الوجه قديم، دخِن، أكله الحَتُّ، وارتسمت عليه حفريّات الزّمن القاسي وتراث الشّقاء التّليد.. العمر ترمّد تحت لحاف مسودّ البياض، والحزن يسرّح قطعانه السّود على جبين صدِع، عجِف، لم يعرف غيمة منذ سنين..
فُتنت أناهيد بلعبة التّواضع توسّع قاعدة عشّاقها وترمي باسمها إلى أصقاع البلاد المنسيّة، وشظفها المتعذّر على خيالها تخيّله. بدت لها التّجربة أمتع من مذهلة. لم تعرف يوما رجلا متحفيّ الوجه كهذا، لم تر قبلا طفلة نبات تفلق الصّخر وتطلّ من ثلمته خضراء كابتسامته التي بزغت من بين مقاطع العظم السّود في فمه..
تغنّجت إليه تختال على فضّة كعبها، وتجرّ ذيل ثوبها الأطول من أيّام الفرح في سنِيِّه كلّها. هرج الجمهور مأخوذا بنبلها. مدّت إليه أطراف أنامل متعالية. تخثّر اسمها في رغوة الأفواه العاشقة، تكثّف، تشكّل، تضخّم، تحرّش بأحجار المكان فتثنّت لخطوها، فتن ألسنة الأثير فلهجت بذكرها.. خلعها الكهل عن كبْرها في شدّة العنف إلى صدره.. رغا الجمهور. لهب في الكاميرات الفضول فتكتكت تلْقُط رفّةالثّغر الزّهري، ورعشة السّليكون تحت صدر الفستان المفتوح، وتقطِّع أضواؤُها المشهد إلى ومضات قصصيّة تنجّد خيال صحف الغد..
سكن الكهل على وشكٍ منها يفغر في وجهها غبار وجهه المترب ولا يأتي حركة أعنف من نبضه، معنى أبلغ من صرير غامض يئزّ بين شفتيه الضّامتين. كأنّي أعرف الرّجل.. أسرّت ذاهلة لا تنبس بكلمة أرقّ من سكونها الغريب بين قبضتي الغريب ملء أحبّة صاروا فجأة ودفعة فاجعة غرباء.. “أووووووو.. بُصْ شوفْ أناهيد بْتِعْمِلْ إيهْ.. بُصْ شوف الحِلْوِ بْيعْمِلْ إيهْ..” ردّد الحضور كفّا واحدة تلطم الكفّ في سرعة الدّم المندفق من عِرْق تمزّق.. اِرتطم ميناء السّاعة بحافّة المشهد الصّخريّ، تحطّمت عقاربها، توقّف زمنها بلا مستقبل للخيال ولا أفق للفضول، وتحفّز الكلّ: الوتر، الرّقّ، الدّف، الطّبل، نحاس الإيقاع، السّلالم الموسيقيّة المعلّقة على محامل الخشب، بساط الشّهرة، النّجمات الغيارى، مرتزقة الشّعر الغنائيّ، سماسرة الحفلات الفنيّة، موسيقيّون بُرمجوا ليعزفوا خلفها وحدها، مشارط التّشريح في مخابر التّجميل، مصمّمو الفتنة على الأجساد الوعرة، تشكيليو السّحر على الوجوه المعتمة.. نهر الحياة المهرهر من أردن السّماء إلى جداول الأرض العِطاش بهَت بدوره، وتوقّف عن الهطل عند السِّماك ما بين جنّة الوهم وعباب حزن أزبد فجأة في بحيرة عينيها..
تدلّى خيري من صفر الزّمن المطلّ على الغد كعنكبوت يتأرجح على الهاوية ولا يمسكه غير نسيجه الواهي. ألوان قميصه تضاربت على صفحة وجهه. الحَكّة اشتعلت على أنفه، وقواطعه تكاد من غيظها تقطّع شفته.. رفّت عليه الفاجعة، وحطّ غراب البيْن على كفّ النّهاية ينقر منها حبّ الشّهرة الأخير.. كان يرى الذّاكرة على وشك الرّدّة بي إلى الكفر به، ولا يجد من أين يبدأ الحرب عليّ وعلى الوجه القادم إليّ من سجلّي المدنيّ الأوّل.. كان يرى نهر النّسيان يغفو بعيدا عنّي في كهف “هيبنوس الجميل”(3) وإله الأحلام “موروفيوس” يتجمّل بخضرة الحلفاء، يتكلّل بالقُرّاص، يتعطّر بالزّعتر البريّ، ويخرج إليّ من تاريخي الشّخصيّ المنسيّ بنصف لسان وملامح تامّة الأسى، فيُوشك عقله يختبل.. يقبل عليّ مسترحما ورغبة الصّفع ترعش ذراعه. يستدرك، يحكم عقال الصّبر على رأسه، يكزّ الحقد على ضرسه، ويتجمّل بالهدوء. يسعى “موروفيوس” حولي سعي مُدلّه بين صفا الحبّ العتيق ومرواه فيجمُل الكهل القَتِر في عينيّ، وأحنّ إليه بلا وجه وجيه للحنين، ويغصّ خيري في جفاف الرّيق يكاد نبضه من غيظه ينكتم.. اِصطبر كثيرا، لكنّه لم يحتمل ما يحوك نوْل الزّمان ضدّه. خرج قسرا عن طوره. اِخترق الذّهول المستتبّ سهما قصف أقدام اللّحظة الواقفة على مسرح الغناء فتفرّقت صخبا سدّ أنفاس “موروفيوس” في عنفوان الحكي، وانزجرتُ..
اِنقشعت الغشْية عن أناهيد، أفاقت فيّ، انفصلت عنّي من جديد تستدرك كِبْر النّجوم وحذر المشاهير من عامّة المعجبين.. اِستلّت نفسها بسرعة من الأبكم تنضو ما ظنّت قد علق بها منه من نثر التراب، وتعدّل هيأتها التي لم تختلّ. أنكر الجمهور عليها الحركة المترفّعة، وتنفّس خيري عليل النّفس. خذلها التّواضع حين كان الكهل يُجرّ قسرا إلى أدنى من ركحها. أومأت فتولّت الدّرابيك تلهية الخصور ريثما تجد في حلقها حنجرة للغناء.. “آآه.. إممم.. يا ليل ليل يااا عييينييي..” تأوّهت. حمحمت، ولم يعثر صوتها على مفتاح الصّول.. تصعّد أبحّ يصِرّ على درجات السلّم الموسيقيّ كأرجوحة معدنيّة تلاعبها الرّيح.. تضايقت أناهيد حدّ العويل. سحبها الخوف من ضِياع الشّهرة إلى زناقي الحزن الضيّقة وصوتها يفقد وعيه فجأة ويسقط مغشيّا عليه في بئر نشاز بلا قرار.. ماذا يحدث لي..؟ سفع الفجع لونها. أغطش الحزن حسنها. أثقل الدّمع رمشها الاصطناعيّ. غازلها الدّوار، تمنّعت، وأخذت ترقص في حُمَيّا السّرور المرتبك وتتلوّى كذبيح يؤدّي طقس الرّحيل الأخير قبل الهُويّ..
تبعثرتُ على بساط الشّهرة ثمرة جلّنار شجّها السّقوط: بعض حبّاتها حمر ألقات، بعض سود نخرات، قِشَري الفاقعة أعتمت حالما هفّ عليها الأكسجين، ولحاء الكهرمان الذي كان رتقا عليّ انفتق..
وحيدة فوق احتمال النّساء، صرت. ليس في الألوف مؤلّفة القلوب عليّ “سيزيف” واحد يرفع عنّي صخرة الفشل حين إلى القاع تحدّرت بي..
بلا هويّة محدّدة كنت، نساء ثلاثا يلبسن جلدي، يتخاصمن فيّ عليّ. تجتهد إحداهنّ في تثبيت نفيها وتقنين انكساراتها في شريعة الحبّ، تجتهد الثّانية في نفي الثّبات على شكلها تحوّله في مخابر التّجميل نسخة من جملة نسخ، وأنا السّاردة ثالثة اثنتين في حاوية جلديّة ضيّقة واحدة، أحشرهما إليّ فنجتمع متنافرات تلقاء أعين تفرّق لذّة انسجامنا الوهميّ، وتهدم ما بيننا من حلم الاتّفاق، ثمّ أقف على جرف صدِع من التّوازن، عند مفترق طرق الحياة ولا أعرف أيّ الاتّجاهات تؤدّي إلى انسجامي، إليّ.. ماضيّ اكتهل على وجه الحبيب الأوّل أكثر ممّا يجب، وافتقر فيه أقسى ممّا يحتمل. النّذل “عيفه” عمد بشكل ما إلى بتر لسانه ليدفن في جوفه حقيقة ما اقترف فيَّ، وترك لي وجهه فاجعا كوثيقة أخيرة للهويّة تنقّعت في الوحل وبات من العسير التعرّف فيها عليّ، الاستدلال بها إليّ.. ولكن، كيف اهتدى إلى مكاني..؟
الأذرع التي تهافتت لنجدة نجمة سقطت لم ترفع منها سوى ما رأت، وما لم تره ظلّ ملقيّا على حافّة التّراب القائظ المرتحل على وجه الأبكم من “حفرة الجنّة”(4) إلى اسمها اللاّمع كقنديل معلّق في سماء مطفأة.. لمّا رفعت أناهيد رأسها عن المسقط، هوى مشرط الضّوء المضاء على نواة النّسيان الغرانيتيّ التي بقاعها فانفلقت فبانت بين فلقتيها سماء سرياليّة التّفاصيل تموج في مجالها البصريّ بروق جوريّة مسيّرة كأسياخ الحديد المحمّى تنهال طوليّا من أقصى الوجع برأسها إلى دمع تحجّر أسفل العين المبهتة.. خلط أصوات تجمجم في بئر السّمع كرجع الحجر السّقيط، شواظ صور مِزقٍ حِدادَ الحوافّ كرقائق النّحاس تراكبت عشوائيّا فتنافرت حدّ الرّعب، سيور ستُرٍ مخمليّة تهفهف على خدّ واد ضامر لم يلثم شفة الماء منذ فصول، وجوه دواخن، باسرة، عيون ضواحك مسفرة، نُزل باذخة، قفار قاحلة، شوارع بارقة كارثيّة المتعة، طرق ترابيّة تتلوّى بين المقاطع الجبليّة كالثّعابين العِطاش خلال الرّتم، ملامس حرير نواعم تتحرّش بحبّ اللّؤلؤ على جديد رخام، نتوءات أحجار نواشب تجرح العمر على كفّ شاقية، نساء من ملابس، ملابس من نساء، رجال من عِمم وألحفة اسودّ بياضها من وسخ، رجال بألوان فاقعة ووجوه مُشربة، نباح، غناء، عواء، مواويل شابّة تخضّ شكوة اللّبن عند شجرة التّوت البريّة وتراود الذي يرقبها من بعيد على شدّة بؤسه، شِعر رديء يتسلّق السّلالم الموسيقيّة إلى غِناه، قوْق طيور داجنة كالتي تربّيها، ألحان خفيفة كريش يطيّره الوتر، بحّة ناي القصب تقشّر صدأ الزّمن عن بوابة الأذن، أزيز عود ثمل كصاحبه.. جرٌّ، دفعٌ، ماس، بازلت، سباب، غزل، نحيب، ضحك، نطٌّ، زحفٌ، سَحْبٌ على أرضِ وعْرٍ، جسد على مفرش الصّخر يُنهش نيّئا، يقطّع بالنواجذ والأظفار، جسد على موائد ثريّة تُلقَط أثماره بالفراشي الذّهبيّة، وآخر في القصائد يُشكّل غلالا بلاستيكيّة في سلال لغويّة تُعرض للعموم.. دم سفيح على طين مشقّف، خمرة تهراق على بُسط وثيرة، خمْشٌ، هتْكٌ، هزّ، نفْضٌ، صراخٌ موتٌ، قهقهة هرجٌ.. ريعت أناهيد، كادت تُجنّ.. وابل الصّور الأضداد اندلق غزيرا عليها كمُثقلة شقّ بطنها البرق.. هرعت إلى غرفة التّزيين تستفتي مرآتها فيما ترى.. مرآتي يا مرآتي من أن..؟ أناملها مسودّة الأطراف، لا أظفار صناعيّة، لا برق طلاء، لا رقّة تميس على قِيم الأصابع المرهفة، جلد ظهر اليد تقبّض، الوجه تغضّن، القدّ ترهّل، نشف، ضمر، فقد كلّ سليكونه، وتعرّت عليه آثار مشارط التّجميل، الفستان خَشُنَ، دَكَنَ، طال، صار يلتفّ عليها قِماطا فلا يَبين منها غير بؤرتي ضوء يئنّ، وأسوار التّين الشّوكيّ تتداعى عليها، تزحف نحوها، تنثر شوكها على لحمها العاري.. تسمع صوتا شفوقا يهفّ عليها جزعا يرجّها، يخضّها “مِنْسيّه”أفيقي.. “مِنسِيّه”.. أرجوك.. وصوت آخر يطغى على الأوّل أجشّ يصعّد إليها من تجويف غائر بالقفا يؤزّها، يغطّها، يفرغ في فيها ماء فمه المعفّر بدقاق “النّفّة” المنقّعة تحت شفته السّفلى.. ترى جسدها على هيكل امرأة أخرى رضيضا أرضا يتلوّى، عمودا بشريّا عند مسقطها يهزهزه الضّحك المستفزّ ويردّد مرمى وعيها الآخذ في التّراخي: أنتِ لي..
أغمضت أناهيد. سدّت سمعها تتّقي صوتا نحاسا يقرع أجراس الرّعب بمدخل الأذن.. صرخت هلعا قضّ ذهول المسرح ومن شلّه العجب من أمر نجمته الأحلى. أحسّت كأنّها التي شاهدتها في هوج الخواطر تسقط من مكان صخريّ مرتفع فطاشت حركاتها تجسّ منفوشة الحركات مناطقها اللّحميّة تبحث عن كدمات تحسّها ولا تراها، عظام طقطقت من سقوط ولا رضوض، وجع مضيض ينهشها ولا أثر، نزيف ولا جراح، والآلام غواشٍ من فوقها تعصف، من تحتها تهزم.. اِستفحل بها الرّوع، اِستطار.. غادرت غرفة التّزيين إلى طرف الرّكح ثانية تلهث وترشح وتنتفض كمسعورة، وتصرّف النّظر المرعوب فيما حولها فلا تعرف أيّا ممّن ترى، شيئا ممّا ترى..
خذلها الذّهن، وآلة الفهم تساقطت براغيها كجهاز نخر.. أطبقت بعنف القبضتين على رأس ثقل عليها كحجر يشدّ وثاقها إلى السّفَل. جثت على ركبة واحدة. اِرتخت واهنة. نزعت كعبها الفضّة. جثت على ركبتين. أقعت منخولة الحسن، وبلا فتنة تذكر توشك تُعْوِل خبطا ولطما وخمشا كالتي ثكلت نفسها قاب عين منها.. هفا عليها خيري يضمّها حيث مبركها، يهزهز كتفيها، يرجّها، يخضّها راجيا بصوت شبيه رجْع يتردّد الآن بين أضلعها.. أناهيد أفيقي.. أناهيد أرجوك.. فغرت فيه نظراتها الزّائغة تتأمّله في شدَه. حاصر وعيَها بالضمّ والقبل.. مالك؟ لست أوّل نجمة تسقط.. تداعت إلى حضنه ذاهلة، ساهمة، شاحبة كالعائد من سكرة الموت. ربّت على جزعها. هدهد هواجسها. اِبتسمت له بين غيبة وشبه صحوة. جدّت تستوي. صفّق لها الجمهور حفيّا. رعشت الأوتار مرحّبة. واربت الخجل المصفرّ ببسمة من ورق سيلوفان الأحمر الفاتر. رتّبت ثوبها تستر عري نفسها بجسد مشدود ألِق كجسد الجلّنار إذا استوى على كفّ تَشْرينَ. رمّمت آلات الإيقاع الحفل الصّدع بإيقاعات مرحة ضاجّة. صخب الجمهور. غنّت كيف ما اتّفق. خرج صوتها صادما كشتاء نزل ضيفا على عرسٍ ربيع. بردت الخصور، تفرّقوا. خاب ظنّ الدّرابيك، تبرّمت. فُجعت الآلات، بهتَت. سكن الصّمت المسرح. اِنكدر صمت النّسيان. دخلت أناهيد حجرة الذّاكرة المغلقة للمرّة الأولى بعد سنين عشر. خرجت “مِنْسيّه” من كوخها القصديريّ تخيط في ذبول الحركة اليوميّة حواشي الوعر المتآكلة ما بين مرتفع مسكن ناء، ومنخفض عين الماء جيئة ساهمة، ذهابا شَرودا كأنّما رقّاص ساعة مهجورة ينوس خارج إيقاع الرّوح. تسوق ماء شربها المترب على ظهر حمارها، ويحتقب الزّمن أسفاره الثّقال على ظهرها الأوِد فيثقل ممشاها وتمْلق المرأة في أنثاها، ويُحْكم رقمها الهامشيّ في عدد النّساء شدّ أحزمة الصّبر على خصره.. خرج الحبيب من جحره الطّينيّ يختلس خطوه الفقير على إثرها. يخاتلها الغرام نظرات مرسلات عن جُنُب فتدّعي أنّها لا ترى وتسرع تستخفي بسقف القصدير مسكنِها.. تخافه، تخافهم.. كانت وحيدة مُفرَدة كالعدوى. طُردت أمّها إلى أهلها في مكان لا تعرفه. كانت سوداء أمّها لا تضع بطنا حتى يتخطّفه الموت. أنجبتها، بعد عُسر، فلقة قمر لا تشبه أحدا من أهلها أو أهل زوجها. وهبت لها من الأسماء “مِنْسِيّه”علّ ينساها الموت فأهملتها الحياة وتنكّر لها الأب. لا تحبّ “حفرة الجنّة” هذا الاختلاف. يسير الكلّ على خطّ النّمط، ومن يجنح يُقذف، إلاّ أن يذبّ عنه ذيل للنّظام.. “عيفه” كان قُرادة في ذلك الذّيل..
وقر المساء قاتما في “حفرة الجنّة”. نشجت في صمت أناهيد.. أعدّت “مِنْسيّه” لنومها مفرشا عشّش فيه البِلى، وأخلاق دُثُر مهترئة، حطّت عنها شطر ملابسها، تمدّدت.. جُنّ خيري.. أناهيد تتذكّر، تتعرّف على نفسها، تحسّس كيانها المستقلّ عنه.. تخرج عن قبضته.. سقطت عن لسانه طراوته المصطنعة. قفّ شعره. عاد وجهه على قتره الأوّل. خشُنت ملامحه من جديد، غلُظت يداه.. خرج الشّرّ اللاّبد في غوره عن سُباته.. صار يعدّ ماله الذي ارتهنه لأجلها، وآماله في الثّراء الآيلة أمامه الآن بددا، وصارت أناهيد تترنّح بين وجهيْها سكرى وما هي بسكرى.. لم تهتد إلى اسمها النّجم الدُّرِيّ، لم تستطع الحلول في “مِنْسِيّه” هويّتِها الأولى، ولم تأمن السّكن إليّ، أنا وعيها القلق الموارب خلف باب الشّهرة الزّجاجيّ.. لم تظنّ يوما أنّها إذ ترقى منازل النّجوم إنّما تصعّد إلى ذروة التّراب من “حفرة الجنّة”.. أفاقت ذات يوم على اسمها الجديد مقطوعا عن نسبه، لم تسأل خيري عن هويّته الحقيقيّة، عن نفسها الأولى. أُغرمت بيومها المنبتّ عن تاريخه واستعذبت النّسيان المرفّه. لم تحبّ خيري، عشقت رداءة إنسانه يستثمر كيانها اللّحميّ لغناه وتعتلي كتفيه إلى الشّهرة، ويتصاحبان على انتهازيّة متبرّجة.. عيل خيري صبرا. هجم عليها عنفا، غرز أصابع من حديد في ذراعيها، خلخلها شديدا: عودي إلى رشدك أناهيد، عودي.. لا تشعلي غضبي أكثر، أفيقي..
فغرت دهشتها المروّعة: أنت “عيفه”..؟ صفعها قصفا. صفعته. أطبق عليها قسوة.. طوّق “عيفه” “مِنْسِيّه” بأذرع أشرس من مخالب متوحّشة. نهش كلّ ما تخفّى تحت صندوق العظم وما كساه اللّحم الغضيض.
تلوّت أناهيد على أرضيّة المسرح معنّفة مبتذلة. غادر خيري المكان. بصق في غيظ كالح: أنت لي..
قام “عيفه” عن خرقة الكيان المنتهك يتلمّظ ما علق بفكّيه من سيور الشّهوة. تفل وحْل “النفّة” لزجا عطِنا. حمحم يقشّر الطّحالب عن صدره الدّمِن. عدّل ألحفة رأسه. ربط أحزمة نطاقه. غادر. لملمت “مِنْسِيّه” قِدد الجسد الطّريح. جرّت خلفه كتلتها اللّحميّة تحمل مدية كانت تدّخرها لحطب القرّ. على شفا ربوة أدركته فاعترض المدية عند منتصف المسافة إلى رأسه، ودفع صاحبتها تتدحرج على حدير النّتوء حتى منبسط الصّخر مشيّعا هُوِّيّها بهزء قاتم.. “أنتِ لي.. “



*****
الهوامش
1- مثل شعبيّ بمعنى: من لبس الأيّام ظلّ عاريا.
2- بنات نعش: سبع نجمات تكوّن أربعٌ منهنّ الدّبّ الأكبر وتمثّل الثلاثُ الأخريات الدّبّ الأصغر. وتروي الأسطورة العربيّة أنّ سهيلا (نجم) قتل نعشا فحملت أربع من بناته نعشه وتبعتهنّ الثّلاث الأخريات، وقد أقسمت بنات نعش على ألاّ يضعن نعش أبيهنّ حتى يثأرن من سهيل.
3- هيبنوس إله النّوم في الأساطير الإغريقيّة وكان له مئات الأبناء يسمّون “دريمز” أي الأحلام وأشهرهم موروفيوس. وعاش هيبنوس في كهف كبير يبعث كلّ شيء فيه على النّوم، وينساب من خلاله نهر النّسيان.
4- منطقة جبليّة وعرة بالشّمال الغربي من تونس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى