بسمة الشوّالي - عروس العمر الرّذيل.. قصة قصيرة

ضربت مطارق صقيلة على جُنُوب الجلد المشدود. تقلّعت الأقدام من مَغاوِصِ الثّلوج وتيمّمت موضع الطّبول. غاضت السّماء ثلجها بعد هطول أيّام عصيبة ورَقَت مدارج الصّفاء اللاّفح تُفْسِح للشّمس في نزهة مشتهاة، وتشهَد الجرّافاتِ وهي تقشّر الدّروب المغطّاة وتُهَوِّئ الحياة الجاثمة تحت الأسْقُف المثلجة. اِنْخلع بالضّجيج المفاجئ قلب العجوز النّائمة في كوخها المطمور فتدلّى من أذنه المُدْماة تِلْقاء الخوف وزاغ بها الهجوع إلى مَيَد كالدّوار الخفيف يُزاوِل وعيها المشتور. شخر في الخارج المُسَوَّى ثور كنيز وشخب دمه الرّافّ يسيح فائرا على جليد الثّرى فيُذيب صفحته الشّفيفة، وزغردت له حناجر مبحوحة راعشة. تخلّل أحلامَ العجوز المضطربة نداءٌ يخفت حينا كهاتف يتنزّل من عَلٍ بعيد أو يحشرج مخنوقا كأنّما يصّعّد من سَفَل عميق..
"عيّوشة.. عيّوشة .."

اِنحشرت بالقرع، مقربة الكوخ، النّعال المرفوّة على ضوء المصابيح النّفطيّة الذّاوية، والوجوه المُرَمَّدَة من لذع الصّقيع، يتهافتون بالفضول على المواويل القديمة تجْتَحيها من قعور النّسيان حبال صوتيّة أبلتها الأشْتية القارسة، ويتساءلون عن الجمع الغريب وفَدَ باكرا على منطقتهم نساءً ورجالا ملتفّين في معاطف وثيرة، يلتقطون الصّور لكلّ ما حولهم، وتَضْرب لأجلهم الطّبول..
كان الفرح يدِفّ في المنطقة شبه المبسوطة المسوّاة بجرّافة عملاقة فيوقد في الرّكب المصقّعة الحركة الجامدة، ويُرْقِص الأفراس المجلوّة فتخشخش عقودُ الخرز في أعناقها، وسلاسلُ الفضّة على أجْبُنِها، وقطعُ النّحاس المهدّلة من الوُكُف المطرّزة.
اِستشرت دَبَكَة الأقدام ومَرَج الضّجيج حول كوخ العجوز القريب من مسرح المناسبة. تزاحم النّاس على أطراف الحدث المباغت فمار نبض الرّاقدة العليل، وعَمَه سمعها الغائم مشتّتا بين غفوة وصحوة.. أحسّت عيّوشة الأرضَ ترجُف وتتهزهز فتقفْقَفتْ في مضجعها.. رأت الجبال المحيطة تسير عن مراسيها فأحْجُرُها تتقارع وتنتسِف.. تدانى الهاتف يردّد اسمها بحدّة فتلعْلع عيْن الاسم في البقاع المفجوعة وترميها شِينُه بشرر كشُواظ الجمر..
"عيّوشة.. عيّوشة.."
ردف قلبها الأرض الرّاجفة منتفضا فرأت الوِكاف يميل بها عن ظهر الجواد الذي ركبته ملتحقة بزوجها ويسقطها مروّعة عرْض الضّجيج المستعر والعيون الباردة والخوافِق المبهوتة ، ثمّ استحالت فجأة عروسا تتحنّى في مسقطها بالوحل وهُضاض الحصى المدقوق.. صارت تصرخ مستجيرة فيغصّ صياحها بكتل الطّين اللِّبْد ويتخثّر عند مخرج الحلق.. لم يبسط لها أحد نجدة وتُركت أرضا بين السّيقان المغلولة إلى مواطئها، والأعناق المثبتة بأقمطة تدفئ رؤوسها وتحدّ أبصارها ناحية الجمع القادم إليهم من رفاه خرافيّ. كانوا في نومها يزدادون حولها عددا وبهْتا، ويهْوَج الطّقس حول الجميع مطرا ورياحا موّارة تقلِّع بيوت المَدَر المرصوف عن أسسها، والأشجار عن منابتها، وتفلِّت الدّواب من عُقُلها.. ثمّ اختلط حابل الصّور بنابلها وانقطع إرسال الحلم برهة من التّشويش اقتحم بعدها المنادي نشيش الأنفاس المتسارعة..
"عيّوشة .. اِنْهضي .. أنت حيّة ..! أنت حيّة ..! "
خشعت رأسَها صوب النّداء المتناسل..
كانت تغرق في بركة واطئة من ضحى رقراق اندفع إليها من فتحة الباب المقتَحَم بلا إذن تنهال عليها العيون والأصوات ورِماحُ أضواء ساطعة وتكتكة غريبة..
عَتِل بها الهلع حتى نسيت تفاصيل الغرفة من مسكنها، ونسيت أن تتأوّه من وجع السّقوط على يباس قصم ظهرها فواصل ملتهبة. وارَتْ وجهها عن الضّوء كفّا ناحلة الظّهر معروقة، وأذعنت بلا حَوْل لأيْدٍ رفيقة مجهولة تهاوت تنتشلها من ذهولها المتفاقم شاخصة ناحية الحدث المقبل تظنّ أنّ القيامة تسوقها بلطف الرّحمان إلى يوم الحساب..

2

اِنسحبت عيّوشة من رُواقِ ظلمة غطشاء مقرورةٍ تتقلّب على جمر الحطب في المواقد الكبيرة المُشْعلة احتفالا بليلة المَكْثِ الأخيرة بين أضلع المساكن الفقيرة. النّداء يصدى من جديد في أذنيها وطيف المرحوم يتعقّبها أنّى جلست.
كانت السّماء بيضاء تهدهد سحابات ناصعة كثلج مندوف، وتنِثّ قرّا لاذعا نديّا يرِذّ على الرّؤوس المُعمّمة المتفاكهة.
لم يكن يجدي أن تستأذن المبتهجين بالدّخول إلى منزلها. لا أحد سيقصّ غيابها لو ركنت نفسها جانبا معتما من وهج الحياة. اِبتسمت فلعقت موارج النّار الوَقُودِ زرقة البرد على شفتيها الذّاويتين. يكفي ما تشعر به الآن من فخار، لقد ظلّت حتى السنّ الأخيرة في سنّها في مقدّمة الأحداث تحتمل الكرْب عن أبنائها وتعدّل لهم مجريات الأمور بحنكة العمر الطّويل.
النّاس غمر مسرور يربو سعادة بالدفّ والنّفخ والرّقص وصليل المفاتيح، ويفيض امتنانا لأولئك الضّيوف الطّيّبين. أبناؤها الذين تكبّدوا في زيارتها المسافات الشّاقّة والدّروب المثلجة يتكاتفون حول النّار والشّواء، يعْرُكون شرائح العجل المسفوح بالمناسبة المذهلة، ويغافل أحدُهم الآخر ليسْطُوَ على طابق وهميّ في المسكن الجديد. النّساء يهجرن مضاجعهنّ وينهمكن في فكّ الصُّرر وفتح صناديق الخشب وحقائب الجلد البالي فيُخْرِجن ما شَرَيْن وأخفيْن عن أزواجهنّ من تُحَف ومواعين وسُتور وفُرُش لم تُبْدَ. كنّ يشتغلن متحمّسات في تجريد الزّوايا من صخبها وروائحها وزينتها، ويَنْتَقين سعيدات حالمات من الأثاث والدُّرُج ما يليق بمسكن عصريّ من جليز وحديد، ثابتٍ لا تهُزُّه الرّياح ولا تهدّده السّيول الجارفة، مرفَّه يستضيء بزرّ ويستسقي من الجدران. وكانت عيّوشة، منذ انتهاء مراسم توزيع المفاتيح على المنتفعين بالمساكن الجديدة، تلقي إحدى يديها خلف ظهرها الأخفج، وتسند مشيتها الأوْداء إلى عصا غليظة كثيرة النّتء، وتسْهَم بنظراتها في سماء المجاهيل القادمة، وتجول، في غفلة من المسرورين بالرّحيل، بين أحواض الخضر وشجرات الثّمر وأكوام القشّ.. تكفكف دمع الجدران النّخرة ونحيب الزّرائب الشّائكة ومرابض الأنعام المسوقة بعد كدح إلى مجازر المدينة البعيدة أو شِفار السّكاكين ذات القربى.. كانت تزور المكان الواحد مرّات متتاليات فتهذر كلماتٍ مكرورةً وتأتي أفعالا ممجوجة. تعثر بصخرة أو حصاة هيّنة أو جذر ناتئ، فتكبّ أو توشك وتعاود العثرة ذاتها بعد برهة قصيرة..
كان الذي مرّ يوما رهَقا غريبا لم تختبر له شبيها في سِنيّها السّبعين. فاجأها نهاره نائمة فظلّت حتى زواله لا تميّز بين صدقه وضَغْثِه. لم تعد تذكر كيف سقطت عن فراشها فرُفِعَت من مبركها أسفله وأُخْرجت من منزلها. كان الغرباء أحفياء بها جدّا، تتناوبها أحضانهم، تتلقّفها ابتساماتهم، ويتناوبون التقاط الصّور معها.. لم تفهم جليّا كلّ ما حدث. قال أحدهم إنّها معجزة اللّحظة أن تبقى عجوز في سنّها حيّة بعد موجة الثّلج العاتية الأيّام المنصرمة. وأحد البُدناء مسح تعشيبات الشّعر المتفرّقة على رأسه من رواسب الجليد الصّباحيّ، وتأبّطها فضاعف معطفه من حجمه وأضْأل وجودَها النّضو إلى جانبه. كان يمعن الْتصاقا برثاثتها أمام عدسات التّصوير الكثيرة. وكانت مَثَلَ المضاف المزري كلّما كان فصيح السّذاجة شَرَه عليه المصوّرون وتهافت المتأنّقون على إضافته إلى شُرْبة وجوههم قلب الصّحف وعناوين الأخبار.
فاعل الخير البدين ذاك، قال متوجّها إلى كاميرات التّصوير إنّه جِدُّ جدُِّ سعيد بالعثور بين هؤلاء المنتفعين الطّيّبين على امرأة مكافحة في سنّ السّبعين وإنّه جِدُّ أسعد بتسليمها بنفسه مفاتيح منزلها الجديد.. ثمّ علا التّصفيق من كلّ صوب ثلجيّ وحدب وَعْر، وسيقت العجوز المبهوتة من عدم الفهم المحبَّب كبلهاء إلى قلب المناسبة السّعيدة..

-3-

أبكرت عيّوشة الصّباح الموالي تستعدّ للرّحيل .
تمنطقت: فتائل من حرير في صفرة الذّرة تصهدها حمرة خفيفة، مخيطة بخيط أرجوانيّ نَتَشَه البِلَى. لفّت حول وسطها الحزام لفّتين ليشُدّ الملاءة المخطّطة إلى الخصر الضّامر وتستنير أسلاكها الفضّيّة المنتوفة تحت نهار جذلان يزخّ عليها من خُلَل الثّقب والشّقوق.
تقرّطت: حلَقٌ كبير لكلّ أذن يُهَدِّل رَوْمَتها ويفتح فيها شقّا يقيس سبعة عقود من الزّمن فيهنّ خمسة زواجا. عقدت غطاء الرّأس المورّد عند منبت الشّيب على هيئة عصفور مهيض مستنفر الجناحين، وأسدلت خصلتين على جانبيْ وجهها يحفّان شحوبه ببياض أرْمَدَ. تسوّرت سلسلة سقطت دوائر فضّتها في الحجر تشخشخ. ضربت الخُفّين فردة بفردة وانتعلتهما. هما صيفيّا النّسيج ولكنّ الرّجل الطّيّب، لم تعد تذكر اسمه، وعد بنقلها حصرا في سيّارته تحت تكتكة الأضواء وحسد الأجوار وتصفيق الآخرين. رفلت العجوز في حُلّة العرس التي ظلّت تحتفظ بها حتى الهرم من حُسْن لم يبق منه سوى مقاطع الوشم المخضرّة على الجبين والذّقن المتقبّضيْن. طوت الصرّة الخالية وألقت بها في قاع الصّندوق وبقيت تنتظر المصوّرين.
حزم بقيّة السّكان الأمتعة والأثاث واستقلّوا ظهور الحمير والبغال والعربات، وظلّوا على استعداد وململة ينتظرون إشارة الانطلاق ليرحلوا عن الأكواخ المقفرة إلى مساكن جديدة في حيّ عصريّ لا يحتمل ثغاء ولا خوارا ولا قوْقا. عبد الله الطّبّال اشترى ما وسع جيبه من الأغنام والطّيور الدّاجنة بأثمان بخس ووعد بمحلّ في الحيّ الجديد لبيع اللّحوم الحمراء والبيضاء. أحد الخيّرين تحدّث عن مصنعه الجديد للنّسيج وغازل الصّبايا الحالمات بأمنيات التّشغيل والأجور الجيّدة. وإحدى الشّقراوات أطنبت في التّغنّي بسحر الطّبيعة الجاثمة تحت رُكَم الثّلج ووشوشت كثيرا لمرافقيها ، بما سمعت العجوز ولم تعِ، عن مشروع استثماريّ تنوي إنجازه في المنطقة..

قفّ البرد الصّباحيّ جلد العجوز فشاك ورعدت مفاصلها. كانت سألت أحد الغرباء الطّيّبين:
- يا ولدي إن كنتُ سأهجر دجاجاتي وهذا الجحش المسكين أفلا أحزم بعض الفحم والحطب معي؟ البرد شديد وعظامي نخرة.
اِبتسم حامل المصدح لجهلها الجميل، وطلب أن تعيد الجملة نفسها برنّة الفقر المغرية لمشاهدي نشرة الأخبار المسائيّة.
قال جذلا على قاب قهقهة:
- كلاّ. كلاّ. في المسكن الجديد ماء جار بين يديك في أنابيب، وتيّار كهربائيّ. وبيننا فاعل خير سيهديك مدفأة كهربائيّة. أنت عروس الحفل يا أمّي عيّوشة سَلي تُجابي.
أفحم الجهل شفتيها المقصّفتيْن. لم تفهم وجاهة الفرح المستفيض يُرعد هذه الذّقون الممتلئة والخدود المتربربة، ولا جدوى هذا الخير العَرِم. لماذا يسمّون منزلها كوخا؟ لم تجده يوما ضيّقا، ولم تشكُ في حياتها نصب الحياة وعسر العيش. كانت قانعة، تحبّ كلّ الدّنيا مختزلة في دَوْح الصّخر الذي تسكن وتمتنّ لله كثيرا بما أنعم .. لم تشك إلاّ بُعْدَ الأبناء.. تنهّدت عميقا فرصدت الكاميرات صدرها المرتفع المنخفض وهرهرةَ الهواء في حلقها، وبرق الظّفر في عيون الخيّرين بينما تركت الخيّرات حُبَيْبات من الدّمع النّاعم تنحدر على خدودهنّ المحمرّة لِتُصَوَّر.. شعرت عيّوشة بالخجل. لم تقصد أن تُحْزِن ضيوفها. لو قدموا إلى حوِْشها سنة واحدة قبلا أو فصلين سالفين فقط لفاح الخبز في تنّورها، وبقبق مرق دجاجاتها في القدور.. لكن .. منذ نَعُمَت الأحلام على أذقان الأبناء، تفرّقوا عنها خلف الأرزاق في المُدن البعيدة وصاروا يتعلّلون بأعمالهم متحاشين العودة إلى الكوخ الحقير.. ثمّ مات أبوهم..
- لكن يا ولدي، قالت كالمستجدية، دعوني مكاني واحملوا لي الماء والكهرباء حيث منزلي، أو استبدلوه بأحسن منه حيث هو إن شئتم، لا أريد مغادرته. المنزل قبر الحياة يا ولدي، إذا غادره العبد نهشه الضّياع. لا طاقة لي على الغربة في هذا العمر..
اِنقضّت عليها فجأة أحضان الأبناء يعانقون ويقبّلون ويُعْلون أصواتهم بالضّحك والنّكات ويحظّون المنتفعين على التّصفيق والهتاف بحياة المانحين الكرماء.. فهمت عيّوشة هذا السّرور المرتبك. تقدّمت تتسلّم المفاتيح وترسم بصمتها المُرجفة أين شاؤوا. دعت عبد الله الطّبال فطبّل وغنّى وهزج الحاضرون. تحاملت على خواء ركبتيها فرقصت تنقّل قدميها بصعوبة وتلوّح بالمفاتيح في الفضاء النّاصع. تحلّق حولها الأبناء، يرقصون ويغنّون ويرفعونها على أكتاف الشّكر والامتنان، ورقص كلّ من به ألم الرّحيل. اِبتسمت ذؤابات الجبال الكاسية بياضا. ترنّحت أغصان الأشجار المثقلة ثلوجا. اِلْتمع الصّبّار المثلج يغازل عدسات التّصوير. تبرّجت الأكواخ والبيوت المتبعثرة في فتنة البياض فكانت كاللّؤلؤ المنثور. ترقرقت المساحات العجاف متمدّدة تحت شمس رؤوم ترسل الدّفء زخّات حانية شفيقة. وتسابق المصوّرون والمحاورون على رصد الصّور الجميلة وتدوين تفاصيل البهجة وهمسات المبتهجين..

كان يوما غريب الأطوار..

علّقت عيّوشة سلسلة المفاتيح على مسمار مدقوق بجدار متقشّر واضح لعيان الأبناء. وولجت مضجعها تستدفئ ريثما يقدم المصّورون والمصفّقون لنقلها.
القطّة المقرورة تنكفئ على ذيلها غطيطا وتلتصق بذاكرة النّار المسودّة على حوافّ جمر منطفئ. الأثاث النّزير يتوزّع ببساطة عجوز حذقة. دنان الماء مقعيّة في ركن كئيب والحمار ما لبث ينهق. الدّجاجات وصغارهنّ احتللن غرفة المنزل ومطبخه العامر بطعام اللّيلة الفائتة. اِهتاجت آلام مفاصلها. سقوطها من فراشها صباح الأمس رضّ عظامها وكاد يقصم ظهرها.. عاد طيف المرحوم يحوّم حول مسجاها.. أبناؤها في الخارج يترصّدون لحظة الانطلاق. أناخ ظهرُها لذكرى أحمال تعاقبت عليه وحزّ حبل القُلّة مجراه القديم من كتفها. اِستذكرت قدماها لسعات البرد شتاء ولذعات التّراب الحارّ صيفا. راجَعَتْ بزهو كدحها القديم.. أنجبت نساء ورجالا " أصلح الله أعمالهم ". نهضت. أخرجت من صدرها قطعة قماش ملفوفة على مبلغ ماليّ جمعته ممّا كان يجود به الأبناء من أجورهم أوائل كلّ شهر. وضعت النّقود جانب المصباح النّفطيّ. خرجت تفكّ رباط الحمار وتسرّح المعزاة. نثرت حبوبا كثيرة لدجاجاتها. لحق بها الجحش حتى مضجعها لمّا عادت تستدفئ تحت الغطاء. دفأت فأطلقت أطرافها ما استطاعت. سرى بكامل جسمها ثقل غريب وتصقّعت قدماها. أصابها نعاس فغفت..

رمَح برق يفلق منطقة التّماسّ بين سماء دكناء وأرض جهماء ويلد فرسا ضليعة شهباء هبطت مختالة تطقطق حوافرها فيصدى كلّ من سمع التّواقيع. خفتت الرّياح الموّارة وسكن الطّقس الأهوج. ظلّت جدران القصدير وأسقف القشّ والطّين المرصوص تتطاير في الفضاء المغبرّ وتتهاوى على رؤوس المرتحلين.. اِشرأبّت العروس الطّريحة بين السّيقان المتزاحمة على مشاهدة الغرباء القادمين إليهم من رفاه خرافيّ كأنّما وفدوا من بلاد أعجميّة.. تحاملت على ضعفها واستقامت خجولا منكّسة الرّأس، ترتّب ثوبها الخلِق، وتخلّل أساور الفضّة المعتكرة، وتسدل وشاح الحياء المخطّط على وجه شاحب أفعمه الفرح المستجدّ ببسمة طفيفة.. دانت الفرس تخبّ على رؤوس الذّاهلين. اِنقشع الصّمت المبهوت وتميّز صفّا من المصوّرين ومراسلي الصّحف والإذاعات والمصفّقين المأجورين يلي صفّا من البطون المنفوخة والوجوه البيض المشربة بحمرة النّعم والشّعور الشّقراء المرسلة في مهبّ النّسيم الثّلجيّ. اِعتلت العروس بفخار ورشاقة صهوة الفرس المجلوّة، زغردت النّساء وأطلقت بعض الحناجر مواويل فرحة. همزت عيّوشة جنبي الفرس بعقبيْ قدميها المقفّزتين حتى الكوعين بوحل الأرض وحسك الأشواك العالقة. سارت الفرس صعودا إلى السّماء حيث وقف زوج عيّوشة عند مفرق الضّوء والظّلمة مُزدانا بالبياض والسّرور، مُشرِعا بسمته وذراعيه.

بسمة الشوالي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى