محمد فتحي المقداد - البصّارة.. قصة قصيرة

رشاقة حركة يديْها المدروسة في كلّ مرّة تُفرغ فيها خليط الحصى وقطع العظم والوَدَعِ من كيسها القماشيّ الأسود المعقود بقطعة خيط عتيق.
وجهها الموشوم بخطوط متشابكة على ذقنها تحت شفتيها الرّقيقتيّن، موحٍ بطمأنينة تولّدت للتوّ، ابتسامتها تفسح المجال لِلِألاء نابها الذهبّي إبهار عينيّ، لتنقلا اكتمال اللّوحة بكامل بهائها للمخّ.
محاكمةٌ صوريّة مُسبقة الحُكم: "كَذَبَ المُنجّمُون، ولو صدقوا". لم يمنعني من مُقاطعاتها، والإفلات من رجائها المُتوسّل بسماعها، ولو لمرّة واحدة..!!. قُبيل مُغادرتي لقهوتي، قرعت باب البيت المفتوح على مصراعيْه في مثل هذا الوقت من كلّ يوم.
لذّة لَكْنَتها الغجريّة بطعم قهوتنا العربيّة، عندما ألقت التحيّة.
هَمَمْتُ بالمغادرة، أجلستني بطلب التمهّل، بعد أن غرزت عينها في فنجاني تركيزًا باحثة عن مجهول. تُدوّره بين أصابعها، وتزمّ شفتيْها؛ لتكميل خارطة خطوط الفنجان الممتّدة إليها مَسحًا. قالت:
- "بالله عليك امنحني دقيقة واحدة فقط".
اهتزاز رأسي ترافق مع عدم ردّي، الدقائق تنفدُ مُخلّفة وراءها حسرة ضياعها.
رفعت عينيْها لتشتبكا بنظراتي الزّائغة بنيّة افتراسها. تحفّز داخليّ كأنّما اهتزّت الأرض زلزلةً تحت قدميّ، ارتعاشات لا إراديّة أطاحت بآخر حصون الدّفاع. داهمتني أمنية لو أنّي تسوّرت حصونها للإطاحة بها، وأطبق على شفتيْها في غارة خاطفة.
-"فرسٌ أصيل يسير بسرعة البرق، خلفه غبار كثيف لمسافة طويلة، خيّاله يحثّ السّير بلا استراحة تحدوه الأشواق. أنتَ تقف في بداية طريق ممتّدة من مكان بعيد، ولو قُيّض لك أن تركب الفرس القادم لتتابع به، فربّما تصل مُبكّرًا". قالت كلامها. أتفقّد السّاعة، اطمأننتّ إلى أنّي ما زلتُ ضمن الدقيقة. همَمتُ بالنهوض، بينما نثرت كيسها على بلاط الأرض.
تابعت:
-"إذا تطابقت قراءتي للفنجان، مع الأحجار؛ فأنت من أصحاب السّعد هذا اليوم".
أدعو الله في سرّي أن يُخيّب مسعاها عندي، وأنا مُقيم على حكم اليقين فيها وبفعلها. رقّ قلبي لرجائها. اعتقدتُ أنّني فاتحة سعدها في الرّزق هذا اليوم، طموحها أن تحصل على إكراميّة العشر ليرات سوريّة.
يا إلهي كم تتحمّل هذه المرأة المُتشبّثة بالحياة..!!؟
وهي تحتال على لقمة العيش، ببيع الأوهام لي ولأمثالي.
وكيف تُراق كرامتها في أحيان كثيرة على يد الأشقياء!!؟.
ابتسامتها عريضة مُنبئة عن تطابقات في ذهنها، لا علم لي بما ستقول، ارتسمت بشائر فرِحةٍ على وجهها، تألّقت في عينيّ مُجدّدًا، حاولت إزاحة وجه الجيوكندا من مُخيّلتي، وكدتُ أصرخُ على دافنشي، كيف خانته فطنته عن هذا الوجه القمريّ المتلألئ نورًا يتغلغل في قلوب مُحيطيه؟.
ابتسامتي طيلة يومي لم تبرحني، على غير العادة تساؤلات الزّملاء والزّميلات تنهال عليّ.

عمّان – الأردنّ
2\ 6\ 2020

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى