د. سناء الشعلان - أدب اللامعقول في عالم غير مفهوم..

منذ ظهور موجة الأدب اللامعقول راهن النّقاد على أنّ هذه الموجة ليست سوى زوبعة في فنجان سون تنتهي في أقرب فرصة،لتموت هذه الثورة المتمرّدة،ويعود الأدب إلى نمطه الكلاسيكي المعروف،ولكن المفاجأة كانت أنّ هذه الموجة لاقت إعجاب المشاهدين ورضاهم ، بل وبوّأت أحد أعلامها وهو صموئيل بكت الذي ألف مسرحيات:(في انتظار جودو) ، و(نهاية اللعبة) ، و(شريط كراب الأخير) ، و(أفعال بلا أقوال)، (الأيام السعيدة) منزلة مرموقة في الأدب أهّلته للفوز بجائزة نوبل للأدب (1969). كذلك ألف يوجين يونسكو مسرحيات: (أميديه أو كيف تتخلص منه) ، و(الدرس)، و(الكراسي)، و(المغنية الصلعاء) ، و(القاتل) ، و(الخرتيت) . وكتب كستر ندبرح مسرحية (سوناتة الشبح)، و(الحلّم) ، و(إلى دمشق) . وكتب جيوم أبولينير ، (الملك أوبو) . و جان جنيه ألف مسرحية (الخادمتان) ، و(الشرفة) ، و(السود) . أمّا جان تارديو فقد ألف مسرحيات ( بناة الإمبراطورية ) . كذلك ألف أرابال مسرحية ( مقبرة السيارات ) .
وقد تأثّر الكثير من كتّاب الروايات و المسرح والقصّة بهذا المذهب.ففي الأدب العربي الحديث ألّف توفيق الحكيم مسرحية (يا طالع الشجرة) موظفاً الأدب الشعبي في تمثلّ هذا التيار،الذي يرى جذوراً له في الأدب الشعبي المصري. وهو إن كان يدعو إلى مثل هذا التوظيف إلاّ أنّه ينصح بالتروّي قبل ذلك لأنّ الأدباء العرب وفق رأيه الصّريح لم تنهوا من مرحلة تصوير الواقعي لحياتهم ولمجتمعه المتطوّر.

وقد خلص أدباء هذا القرن وفلاسفته إلى أنّ الحياة غير معقولة،ولا يمكن تحمّل حماقاتها،وليس من الممكن تصوير هذه الحياة إلا عبر فضح جنونها ولا ممعقولها.لذلك أطلقوا على مذهبهم الفلسفي الجديد اسم اللامعقول،وذلك في محاولة منهم للتّعبير عن المأساة الناتجة عن الحياة في هذا العالم غير المقهوم.
وقد برز أدب اللامعقول بعد الحرب العالمية الثانية ، وإبّان عصر كلّه دمار وسفك دماء،وحروب طاحنة، ودول مهيمنة ، وأخرى مسحوقة ، وإنسان تطحنه الآلة ، والشعور برتابة الحياة والملل ،لذلك شرع الأدباء والمبدعون يحاولون أن ينتجوا أدباً يجيب عن أسئلتهم القلقة إزاؤ الوجود ولا معقوليّة الحياة ومصير البشريّة،وهم بذلك ينتجون أدباً يتناسب مع أحاسيسهم وقلقهم وخوفهم ورؤيتهم الجديدة للحياة.
فالأدب اللامعقول كما يقول الدكتور محمود السّمرة هو حلقة من سلسة ثورات على المفهوم التقليدي للأدب والفن ودعوة إلى توظيفـه كسر القـاعدّة ، وبناء الغريب في سـبيل تصوير الإنسان الضائع الذي لا يعرف مصيره.
ومادام أدباء اللامعقول ينظرون إلى هذا العالم على أنّه عالم مجنون ضائع غير واضح الغاية والهدف،ولذلك فإنّ أدبهم هو تعبير عن دهشتهم وحيرتهم في عالم مشتّت الرؤى والأهداف والأدوات.
وقد اجتهد أدب اللامعقول في اختراع أساليب سردية ودرامية جديدة تثير الدهشة وتسخر من الموجود ؛ لذا استخدموا لغة اللاوعي ، ومالوا إلى استخدام الرموز والألغاز لدرجة يصعب الكشف عن دلالتها أحيانا ما ، فتظل معتمة ، كما وظّفوا تداعيات الأحلام وخواطر المرضى في أدبهم. وهم يعتمدون على الحوار الداخلي الذي يميط اللثام عن مكنونات النفس وعذاباتها.
ومادام هذا العالم لا معقولاً عصيّاً على الفهم فإنّ أدب اللامعقول سوف يظلّ يجد له أرضاً وروّاداً وأنصاراً ومعجيبن،وسيظلّ يتسرّب إلى الفنون جمعاء،ويخترع أساليب جديدة للتّعبير عن نفسه، انطلاقاً من أنّ هذا الأدب يمزج بين تقاليد المحاكاة والتّشخيص الهزلي،حتى لو أدّى ذلك إلى أن يغرق هذا الفنّ في الغموض والإيهام والتّعميّة،وهو لا يصوّر الواثع الخارجي فحسب،بل يمثّل العوالم الدّاخليّة للمبدع الذي يعيش حالة كابوسيّة دائمة،وينقلها إلينا عبر أدب جديد يمثّل صرخة للإنسان المعاصر في عالم قلق مخيف متطاحن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى