سمير غـالي - دموع...

في الشوارع المكسوة حديثاً بالإسفلت، تمضي وسط زحام المركبات سيارة خصوصي بيضاء يقودها شرطيّ يعمل فترة استراحته سائق أجرة. كان يفترض بالشرطيّ وقد انتصف الليل الآن، أن يعود لاستلام واجبه الذي سيمتد حتى حلول الفجر، لكن رجلاً عجوزاً وامرأته أومئا إليه في طريق العودة كي يوصلهما إلى مستشفى الولادة. كانت أصغر بناتهما تضع طفلها الأول.
المقعد إلى جوار الشرطيّ صار مشغولاً بالرجلٍ العجوز. كان حاسر الرأس، يلبس ثوباً عربيّاً نظيفا، وقد بدا لشدة هدوئه ساكناً وأنيقاً مثل تحفة ثمينة مسحتها على الدوام أيادٍ محبة. فيما استقرت المرأة المعطرة بعبق الصابون، والملفوفة بعباءة سوداء خلف رجلها في الجانب الأيمن من المقعد الخلفي. مدَّ الشرطيّ يده إلى مسجلة السيارة حياءً منهما وراح يخفض صوت ميّادة الحناوي التي كانت تغني " مش عوايدك ". إلا إن المرأة، وبكل عبق الصابون الممكن في هذا العالم، أمرته أن يعيد الصوت إلى حاله. كانت الأرصفة المبلطة بالقرميد المغسول فترة العصر تشع بلافتاتٍ مضاءة بوجوه رجالٍ ورعين، وشباب ضحايا لفرط وسامتهم حلّت صورهم مكان علامات برمودا وليفز وديتوس، وغوشي ولّابس وكولا وسينالكو وريفدور لما بعد الحلاقة.
وكان السائق الشرطيّ يختلس النظر في المرآة إلى وجه المرأة الذي فضحته العلامات المشعة على جانبي الطريق. كانت وهي تردد كلمات الأغنية، تشبه رغوة تغسلها الدموع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى