مقتطف خيرة جليل - ليلة برفقة غادة الشعبي.. من رواية "ليالي بلا أبواب ولا نوافذ"

أطلت من نافذة روحها المتعبة من سماء كندا الكئيبة،
قالت :
_ سلام اختي في الوجع ، ولدت من تفاح الألم ونشأت كشجرة العليق وكبرت كالفينيقس وعلى هامش حياتهم أبدعت في تنظيم أوراق حياتي المتعبة رغما عنهم ...وفجأة دخل مارد مستهتر عبث بأوراقي ليرحل ويتركني بمفترق الطرق مكتفة اليدين، أزحف على بطني لعلي أجد من يسندني لأفك وثاقي وانتصب واقفة لأماكن مسار حياتي بسلام .
تأملت صدق ملامحها ووجها الملائكي، ابتسمت وأجبتها :
_ كل النساء المكافحات والصادقات الصدوقات من طينتك. كل المبدعات النزيهات العفيفات مثلك وكل النساء الراقيات متشابهات في كل شيء، حتى في الألم. استمري فقط وستصبحين عنقاء رغما عنهم ......لا تغريك ابتسامة البعض وأنت أمامهم ، فأفعالهم خير معبر عن إحساسهم اتجاهك....ما أروعنا إن استطعنا أن نكون مثل البحر في عمقه يحتضن اللؤلؤ وفي جوده بجميع أنواع الخيرات وفي صدقه في عواصفه ...وفي دفئه أيام الصقيع وفي لطفه أيام الحر وفي حكمته في مده وجزره .....لا شيء بشع ولا شيء جميل ما الطريقة التي نرتب بها هذه الاشياء فيما بينها هي التي تعطينا حكما معينا عنها انطلاقا من الزاوية التي ننظر منها اليها ....كثيرون هم الذين يثقلون على قلوبنا بكثرة التباهي بأموالهم وأولادهم وأشياء لا تعد ولا تحصى لكن وددت أن أعلم أين سيدفنون ؟ إن كان تحت التراب في مكان ما على كوكب الأرض .فلماذا أحمل نفسي هم التفكير في كل ما يتباهون به إذن ؟ إن كل ذلك لم يمنحهم صك الخلود .إذن هم بؤساء أكثر مني لأنهم حملوا هم الدنيا وما يزال ينتظرهم من همَ الآخرة. كم أنا محظوظة لأني أضع يدي تحت خدي وأنام بسلام . لكن إعلمي، أنه حين يتباهى الأغنياء بما يملكون، فأعلمي أنهم إنما يعزون أنفسهم في شيء يفتقدونه حين كانوا يجمعون في تلك الثروة ...... قد أهمش نفسي وأبعدها عن شؤون الغير حتى لا أتطفل على أمور لا تعنيني ومع ذلك حين التفت حولي أجدني أنا نقط مركز ازماتهم ومصائبهم النفسية...ترى هل لديهم لازمة كن ضحية الآخر لتبرر فشلك النفسي. إني أعلم أنه بين القدر والنصيب..هناك مقبرة دفنت فيها نصف مشاعر البشر... لكن إني أعلم أن الحياة لا تخلو من الخطأ .. فلماذا يجعلون من الخطأ مصيبة، فنحن لم نخلق متعلمين..!
حبيبتي لا أتركهم يحدثوك عن الورع والفقهاء، فأنا إن التقيت فقيها سأقول له :
- أيها الفقیه حدثني عن الله في أفعالک وعن الإسلام الجمیل فی حیاتك اليومية و علاقاتک مع الآخر، أما الحجیم فإني اکتشفته مع ذلك الآخر هنا بساحة التكالب على المصالح الشخصية، ولا أحد ينكر هذه الحقيقة العارية من شبهة التأويل..... إني حين أعتكف بمحراب الكلمة أناجيها كما يناجي العابد خالقه، لأنها قنطرتي الوحيدة التي تشدها حبال الأمل إلى السماء حيث الله لا يميز بين عباده إلا بأعمالهم وحسن نواياهم.
هكذا تنقطع صلتي بأهل الأرض العابثين، وأقول لكل واحد يمشي عليها متبرما:
_سأكتب على ميزاجي وأفهم على هواءك، فلي حرية التعبير ولك حرية التفكير أما الإبداع فهو منزه كليا عن سوء التأويل حتى ولو طاله سوء التدبير....أي صاحبتي غادة، الرب الواحد الأحد لم يتخذ لا زوجة ولا ولد ولم يفوض أمر أي شيء لغيره، فكيف لهم أن تطلبوا مني أن أعتبر غيره وليا حميما؟ جميعنا نتجه نحو القبلة وجميعنا يمنحنا تذكرة العبور إلى خزائنه التي لم يمنح مفاتيحها لأحد إلا بالاستغفار والدعاء، لأنه القادر على معرفة سرائر البشر وما يعلنون وما يضمرون. فكيف لك صاحبتي أن تظني أننا نحن غير ما كنا عليه سابقا؟ أو أن هذه الجائحة عقابا لنا على شيء فعلناه والآخرون لم يفعلوه؟ الله لا يظلم أحدا، لكنه يختبر إيمان عباده وثقتتهم به، فما عاذ الله أن يكون منافقا أو غاضبا أو مجاملا لأحد . هناك عدالة سموية تقول كلمتها فقط. ولا أحد قادر على تدبير هذا الكون غيره. هناك لا وساطة ولا مجاملة إلا من أتى ربه بقلب سليم. جسر العبور مفتوح لمن تيمن كتابه وقوم دينه وأراح ضميره. هنا الله يجزي على ما تحمل القلوب ، والمبدع كائن لا يكسر قاعدة هذا الوجود ولا يخالف للسماء اي عهد من العهود. المبدع الحقيقي يبدع لهوس بدماغه لا للحصول على امتيازات او إرضاء للآخر . كم هو بئيس من يعمل زوبعة في فنجان للحصول على الشفقة للشهرة ويسكب ود الآخر...
أتذكرين صديقتي غادة ذات يوم حين قلت :
_ آلامك من الماضى وقلقك من المستقبل.....
واجبتك : واستغفارك في الحاضر ، حلقة تربطك بهما، والله ينصت لك، فلا تظني أنه بغافل عنا ، فلا تكرسي ثقافة النواح والبكاء على الأطلال بين الأجيال، و تتهاوني عن القيام بواجباتك اتجاه نفسك واتجاه غيرك فتضيفي حاضرك لماضيك لتخربي مستقبلك ..."
وتمر الأيام والشهور والسنون، وأنا الآن كلما قرأت لصديقتي غادة ، وجدت أن حال لسانها يطابق حال قلبي. ترى هل هذه من مصادفات الحياة أم أن الله يبعث لنا من يدرسنا الحكمة بلسانه؟ لأن الله إن أحبك كلمك على لسان خلقه وفتح بصيرتك على ملكوته، وجعل لك في كل محنة موعظة، والموعظة لا تكون إلا للمتقيين.
سألتها يوما باستغباء لنفسي : ترى من تكونين يا صديقة الأمس وتوأم الروح ؟
أجابت: أنا فوضى الحواس وغبطة الإحساس، وعلم من أعلام الله الذي لا يتعرض للانتكاس، فرفقا بروحك التي هي للجسد نخب كأس تقارع السعادة رغم كل البأس في أرض الألغام البشرية والقنابل الموقوتة باسم الإنسانية التي ضاعت بين قبائل الغمام المشرذمة والهويات الضائعة .
قلت لها : ألا تعلمين أنني أنا زوبعة المنطق ؟ أعذريني قد لا نستطيع الإبحار معا الى نفس الضفة ......
ردت ضاحكة :
_ومتى كان التشابه يؤدي وظيفة التكامل ؟
لو كنا متطابقاتي الأفكار والنهج سنكون نسخة مشوهة لبعضنا ونجثر أفكار بعضنا. ونكون مرآة منكسرة لأرواحنا، نحن نتشابه في الأهداف لكن نختلف في الطرح والنسق الفكري ومنهج الإنزال الواقعي لها، وهذا ما يفتح لنا باب إمكانية خلق التكامل بيننا، ويمدنا بطاقة لنستوعب بعضنا، فما لدي ليس لديك وما لديك ليس لدي والطريق مختلف والهدف واحد.
نعم عزيزتي ، كل الطرق تؤدي إلى روما ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل البشر متشابهون في الصور والأفكار والأصول. الناس تحاول صعود سلم الارتقاء الإجتماعي للتباهى على بعضها لأنها لا تعلم ماذا يوجد بأعلى الهرم ، ونحن اكتشفناه منذ زمن بعيد. الآن نحن نحاول أن ننزل بسلام تلك الأدراج التي سبق أن تسلقناها بشوق واستماثة. نحن نريد أن نعيش بسلام حياة بسيطة بما للكلمة من معنى ، لأننا اكتشفنا أن الرقي رقي الأخلاق والمبادئ وليس رقي الطبقات الإجتماعية. فأغبى كذبة صدقناها هو كذبة رقي الطبقة الغنية أو التي تملك وسائل مادية بوفرة تمكنها مما أرادت واشتهت. فعلا غاليتي، إن أكبر نفاق إجتماعي وإنساني تَجده في الأعلى وليس بالأسفل ......الكل يعانق الكل ويبتسم له لكنه يتحين الفرصة للقذف به إلى جهنم ....وإن لم تصدقيني ، أخرجي إلى الشارع العام في مرحلة الانتخابات لتعرفي حقيقة الطبقة التي تدعي الرقي والقيادة الفكرية والسياسية والنضال ، من خلال ملاسناتهم وسبابهم ووعودهم تشعرين أنك بين كائنات استنفرت جميع الأسلحة بحرب غابت بها جميع أخلاقيات الإنسانية وتبرأت منها جميع الحيوانات المفترسة، نعم حتى الضبع تبرأ من نثانة أفعالهم والثعلب تبرأ من مكرهم ، أما القردة فقد أصبح حكيمة واعتلت منصات الإعلام البئيس والمأجور وجلست متفرجة حتى يحضر معتوها ويعلن بكل صفاقة أنه طبيب الأرواح الشاردة عن القطيع ليطرز رباط الانسجام والمودة بينهم .....هل هذه هي الطبقة الراقية التي يعول عليها لتغيير المشهد الثقافي والسياسي ...؟ لا أظن ومتأكدة بأنه من سابع المستحيلات أن تكون هذه الطبقة لها دور قيادي أو حتى أن تحمل مشروعا طموحا ومتطلعا وثوريا يحدث قطيعة مع التخلف الذي رضعناه منذ نعومة أظافرنا و توارثناه بغباء واستغباواستعلاء تحت ذريعة المحافظة. وعشش بأركان بيوتنا. هم لن يحملوا لنا التغيير الإيجابي الذي يقطع جذور ثقافة الإستحمار للمواطن العادي ولن يتبنوا ثقافة الوضوح والشفافية والمبادرة الحرة وحب المغامرة لأنها تفزعهم وتقلق راحتهم وتعري عوراتهم. لكن بربكم متى ركب الزعماء و القياديون رياح التغيير طواعية ليعبروا بالمواطن العادي من ضفة ماضيه الأليم نحو ضفة الأمان والاستقرار؟
حتى النضال التاريخي من أجل الحرية والنزاهة دفع ثمنه المواطن الذي كان يرى الملك بوجه القمر والملك الذي أحب وطنه حبا ساذجا وفضله على قصر فخم ورمى بنفسه في غياهب المنفى من أجل قضية الوطن في الوقت الذي كان الراقيون يهربون أبناءهم للدراسة بجامعات من اعتبارهم الشعب أعداء يسفكون دمه ويستبحون عرضه وينخرون عظام وطنه بالمؤامرات.
الكل أحب الحرية وقال :
_أيتها الشمس أحبك رغم أنك حارقة ، لكني أعشق القمر أكثرا لأنه يرافقني في لحظات جنوني ....
صديقتي واصحابي وتوأم روحي ، إني أكتب لك بخير من من بئر قلبي الموجع والبعض سيقول :
البعض : تلقائية الكتابة
البعض يقول : مجنونة البوح
والبعض يقول : بدوية ساذجة
والبعض الآخر : يقول ذكية وغير محترفة
وأنا أقول : أنا متصالحة مع ذاتي وأفكاري وخطواتي وأتمتع بلحظاتي و حياتي قبل أن يسرقها الزمان مني وكفى.....
امنحيني أيها الإبداع
تأشيرة عبور فقط ...
على رموشك
لطبيب قلبي الموجع بعيدا،
فقد لا أعيش إلى يوم غذ...
قالوا أتريدين
ان تصبحي نزار النساء؟
قلت: أبدأ
لكن أطمح
لأصبح نزرا من النساء
لم يستحوا من أنفسهم
فبالأحرى يستحوا منك
عذرا أيتها الأحرف
فهؤلاء قوم
إن تغزلوا بالفاجرات
قالوا: ونعم الغرام
ولم يتغزلوا بزوجاتهم
ففي عرفهم هوحرام .....خيرة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى