سعيد الشحات - ذات يوم .. 19 أغسطس 1961 أحمد بهاء الدين يرد على الشيخ أبو زهرة: «بعض المشايخ لا يعنيهم شيئاً فى الوجود إلا المرأة»

هاجم الشيخ محمد أبو زهرة، الأستاذ أحمد بهاء الدين، ورد بهاء، فكانت «منازلة بين الأستاذ والشيخ»، بتعريف الكاتب الصحفى أحمد الجمال، الذى يستعيد وقائعها فى مقالاته الثلاث بالأهرام، 26 مارس، و1 و8 أبريل 2020.. وبالرغم من مرور سنوات طويلة عليها، حيث كتب بهاء مقاله «لا يا شيخ» فى أخبار اليوم، 19 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1961 إلا أنها وكما يقول الجمال: «من يقرأ الكلمات التى كتبها بهاء يعتقد أنها كتبت اليوم».
اعتمد «الجمال» فى توثيقه لهذه المنازلة على كتاب عن «أحمد بهاء الدين» لمركز «دراسات الوحدة العربية- بيروت» ضمن سلسلة «من حملة مشاعل التقدم العربى»، إعداد وإشراف الكاتبين جميل مطر، والراحل الأستاذ مصطفى نبيل، وساهم فيه محمد حسنين هيكل، والدكتور إسماعيل صبرى عبد الله ونجيب محفوظ وعلى الراعى وآخرون.
بدأت «المنازلة» بمقالات لبهاء يشرح فيها فهمه لمبادئ الاشتراكية وقيمها وأخلاقها، ولم تعجب «أبوزهرة» فرد فى مجلة «منبر الإسلام»، بمقال يصفه بهاء: «مقال يسبنى سبًا مقذعًا، ويستعدى على الله والدولة وأصحاب المؤسسة التى أعمل بها، طالبًا أن تطردنى من عملى، وتضعنى الدولة فى سجونها، وأن يسوقنى الله إلى جهنم يوم القيامة».
يسأل «بهاء»: «ما الذى لم يعجبه وجعله يلبس ثوب قضاة محاكم التفتيش، ويطالب بإلقائى إلى النار؟ ما الذى أثاره وجعل الدم يغلى فى عروقه».. يجيب: «إنها المرأة.. دائما المرأة.. فقرة عابرة كتبتها عن الأسرة وعلاقة الرجل بالمرأة ووضع المرأة فى المجتمع الاشتراكى». وبدأ «بهاء» مقاله بمقدمة كتب فيها: «كثيرًا ما يحار المرء كيف يعامل هؤلاء الناس.. وهؤلاء الناس هم بعض رجال الدين الذين يريدون أن يحتكروا تفسير الدين، وبالتالى يحتكرون تفسير الحياة، الذين يحسبون أن الآيات القرآنية عجينة فى أيديهم يكيفونها كيفما تشاء لهم عقولهم المتحجرة فى أغلب الأحيان.. أقول إن المرء يحار فى طريقة معاملة هؤلاء الناس، فالواحد منا يحترم فيهم أحيانًا سنهم الكبيرة، ويعذرهم فيما بينه وبين نفسه لأنهم عاشوا حياتهم العقلية أسرى بين جدران كتب معينة محدودة، لم يعرفوا سواها، ولم يدركوا من التجارب الإنسانية غيرها، ولهذا يؤثر الإنسان حتى إذا ناقشهم ألا يخرج معهم عن حدود الأدب، ولكن بعض رجال الدين هؤلاء يبرهنون، من الوهلة الأولى، على أن الدين لم يترك فيهم أول أثرا من آثاره، وهو الأدب والمناقشة المهذبة والمجادلة بالتى هى أحسن، ويحار المرء كيف يعاملهم، هل يكيل لهم بنفس الكيل أم يُقدِّر أن التطور يحطم رؤوسهم فتثور أعصابهم ويطير صوابهم.
على النحو الذى نراه أحيانًا؟.. والنموذج الذى أثار فى الذهن هذه الخواطر هو الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. يلفت بهاء النظر إلى مسألة مهمة قائلا: «ألا تلاحظون معى أن هؤلاء المشايخ لا يكاد يعنيهم شيئا فى الوجود إلا المرأة؟.. ألا تلاحظون أنهم أكثر الناس تفكيرًا فى المرأة؟! أليس هذا غريبًا حقًا؟.. ألا يحتاج هذا إلى محلل نفسى أكثر مما يحتاج إلى جدل عقلى؟! الأغرب من ذلك أن ما يعنى هؤلاء المشايخ من المرأة ليس «الإنسانية» ولكن «العورة»، المرأة فى عقلهم الباطن مخلوقة حقيرة مستعدة أن تبيع عرضها لأول عابر سبيل، إذا غفل الرجل لحظة واحدة عن حراستها، المرأة فى مفهومهم لا تصلح إلا لشىء واحد هو أن تسلم نفسها للرجال، ولهذا يجب أن تقام حولها الأسوار وتنفتح حولها العيون الحمراء.. حرية المرأة ليس لها معنى إلا الفساد.. مسؤولية المرأة عن نفسها لا نتيجة لها إلا الانحلال.. خروج المرأة من بيتها لا يؤدى إلا إلى أن ينقض عليها الرجال.. الجنس.. والجنس وحده يدوى فى عقولهم وباستمرار، والتفسير الجنسى للتاريخ هو التفسير الوحيد الذى يفهمونه ويدورون حوله دون انقطاع.. قصة الحياة على الأرض هى قصة رجال يقومون بحراسة النساء من خطر الرجال الآخرين.. تفكير مكبوت محصور منحرف.. وإلا فبماذا يمكن أن نفسر هذا الذى يقوله الشيخ؟
قال «أبو زهرة»: «إن عمل الرجل خارج المنزل وعمل المرأة داخل المنزل فقط، ويجب منع المرأة من أن تخرج وتعمل إلا لضرورة ملحة لا مناص منها، كأن تفقد العائل، أو أن يعجز الزوج عجزًا مطلقًا، فإنه فى هذه الحالة فقط لها أن تتولى عملًا لمصلحة البيت ولسد الخلل فيه، وذلك استثناء، والاستثناء لا يصح أن يكون قاعدة».
يعلق بهاء: «معنى ذلك أن الشيخ يريد لبلادنا- سنة 1961- أن تعود للوراء بسرعة مخيفة، والقوة العاملة المستقبلية فى هذه البلاد يجب أن تهبط إلى النصف أوالثلث، وبينما كل بلاد الدنيا تعمل بقوتها البشرية الكاملة نعمل نحن بنصف قوتنا، لأن نساءنا، فى رأى الشيخ، إذا خرجن سوف ينقض عليهن الرجال ويفسد الأمر».
...................
سعيد الشحات _اليوم السابع



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى