أريج محمد أحمد - قراءة في رواية (سخرية قدر) للروائي الجزائري جهاد زهري

تبدأ الروايه أحداثها بجريمة قتل يرتكبها البطل مما يمنح القاريء دفقاً قوياً من التشويق و الإثارة لكشف مجاهلها معتمداً أسلوب الفلاش باك او الإسترجاع والإستباق ايضا مما يجعل الزمن يتراوح ما بين الماضي والحاضر متعرضا لكل الاسقاطات الواقعة على الشخصيات ومجتمعهم والمناطق التي عاشوا فيها...
تقع الأحداث في مدينة قسنطينة وبالتحديد في حي بلوزداد الذي يقطن فيه بشير بطل الرواية ودارت فيه معظم أحداث الرواية والملاحظ القدرة العالية جدا للكاتب على وصف تلك المدينة العريقة والجميلة وشارع بلوزداد الذي تجلى في وصفه واليكم هذا المقتطف الرائع
(لا شيء لا يستحق الكتابة في بلوزداد، هواؤه، شمسه، مطره، الذين يمكثون به هنا وهناك وفي حرم مقاهيه، أشجاره التي تكتسي خضرة الجنَّة إذا حل الربيع ، وبياضا خاشعا إذا سقط الثَّلج حتى تحس فجأة أنك تحب االله، هل يوجد رصيف بالعالم يشعرك بحب الله ودون سابق إنذار؟ رصيف بلوزداد يفعل ذلك ، الرصيف الإسفلتي، نعم، إني أحس بمتعة غريبة وأنا أخطو عليه الخطوة تلو الأخرى وكأني بجنَّة ما)
جمال ودقة إلى حد يجعل القاريء يكاد يرى الرصيف رؤية العين وذلك على حد سواء مع التوصيف الدقيق لشخوص الرواية والذين برأيي كلهم أبطال بمكان ما في حياة البطل وقصة حياته موضوع الرواية استنادا لطريقة الكاتب على خلق وجودهم بطريقه استثنائية ، إذ انه قدمهم بطريقة مفصلة مستعرضا ظروفهم الإجتماعية والاسرية مترافقا مع التحليل الذهني والخلفية والتوجه الفكريان لكل منهم ومنحهم مساحة واسعة تجعل من كل شخصية في مكان ما مرتكزاً أساسياً يحمل فكراً معيناً أو وجهة نظر محددة، فخرجت الروايةبشكل غني جداً لا تعتمد على خط واحد يدعم وجهة نظر معينة .
اللافت للإنتباة تركيز الكاتب على التركيبة الأسرية مما يوضح وجهة نظر معينة هي ان الأسرة هي الاساس في حياة كل انسان والنواة الاساسية في تكوين شخصيته.
قدم الكاتب أسرة بشير وصاغها بطريقة مدهشة وجريئة من خلال تطرقه لكل المؤثرات السالبة في المجتمع بشتى انواعها واسقاطاتها عليه باتخاذ هذه الأسرة كمثال يحكي هذا الواقع.
فمن الأب والذي كان يشكل وجوداً أساسياً في تشكيل حياة بشير ومن خلال سرد علاقته به وكيف انه كان مصدراً للأمان والحب والعطف رغم الشقاء الذي كان يرافقه ، وهنا برزت مقدرة الكاتب مره أخرى في طرح مأساة الشخصية بطريقة متقنة ومؤلمة أرسلها لنا من خلال الاشياء و التفاصيل التي كان يلحظها بشير من خلال مراقبته له والتي كانت غير مفهومة لديه ولكنها كانت إشارات واضحة جدا للقاريء .
كذلك العلاقة الشائكة بين الأم والإبن و نظراً لشخصية الأم والتي كتبت بطريقة مغايرة للمألوف نجد انها هي القاسية الخائنة و المخيفة في إشاره واضحة الى ان الأم في النهايه بشر قابلة لان يسكنها الخير أو الشر وخرج الكاتب بذكائه عن الصورة المعتادة للأم .
في هذا الجو الملغم نشأ بشير وفي ظل بعض الشخصيات الأخرى المؤثرة مثل الجدة التي كانت بمثابة تعويض عن فقدان الام الحاضرة الغائبة و شخصية الطبيب وصديق الأب الخائن الى جانب العديد من الشخصيات المؤثرة .
من خلال وفاة الأب ووفاة الجدة ومن قبلهم معاملة الأم القاسية تطرق الكاتب لمشاكل بشير النفسية ومعاناته والاسئلة الكبيرة التي طالما رافقته في كل فترات حياته تكبر معه وتؤرقه مثل لماذا أعاني من أمي ؟ لم يموت أبي ؟ لم تموت جدتي ؟لم يرحل من أحبهم ؟ ولماذا أتأذى ؟ اين الله من كل هذا ؟ لماذا كل هذا الرهق ؟
كل هذا صاغه الكاتب في تراكيب لغوية وجمل تأتي في شكل حوار مع النفس بصورة تدعو للدهشة والتأمل وتأتي هذه الاسئلة تحت مايسمى بالأسئله الوجودية.
(سخرية القدر) وفطيمة المحبوبة التي ما بارحت خيال بشير منذ التقائه بها أول مرة في واحدة من حالات إنكساره وكيف انها بكل هذا الزخم من الجمال تعيش وسط هذا المستنقع الآسن و كيف انه طرح الخلفية التي جاءت منها والطريقة التي تعيش بها ، كذلك وصفه البديع لها الأقرب للصورة الماثلة أمام العين كما أشرت سابقا وقدرته على جعلها حاضرة دائما في ذهن بشير رغم اللقاءات القليلة واللقاء الفعلي كان لقاءً وحيداً حافلاً ومحتشداً بكل الشغف الذي رافق بشير والقاريء أيضا إذ كان حميماً ومن دون ابتزال وزاخراً بالعديد من المشاعر صيغت في حوار راقي جدا .
تتوالى الأحداث وتواجهنا سخرية القدر في صورة قاتمة جدا مقتل فطيمة على يد أعز اصدقاء بشير والذي يعد ضلعاً أساسياً في قصة حياة بشير وتتجلى السخرية كيف ان فطيمة كانت طاقة نور وأمل في حياة بشير ولكن فجأة تحول هو ولأجلها قاتلاً.
الرواية في مجملها غنية جدا من حيث المكان والزمان والشخصيات وطريقة السرد و اللغة العالية والقدرة على التصوير
وعلى مستوى الحوار الذي يدور بين افرادها او حتى بداخلهم تمكن الكاتب وبجرأة من ايصال المعاني و الاشكالات والمعاناة للمجمتع المعني وانسانه المثقل بالظلم والفساد والخيانة والمشاكل الاسرية والفقر ووقوع المجتمعات تحت مطرقة التطور و الغزو الحضاري بطريقة العارف والمدرك تماما من خلال شخصية بشير.
لا يفوتني وجود أنواع أخرى من انواع الأدب والفنون داخل الرواية في مزج جميل مثل الشعر والغناء والاقتباس والتناص في بعض المطارح وبتوظيف ذكي من الكاتب وهذا مايعرف بالتجريب في الرواية الحديثة إذ تندرج رواية( سخرية قدر) تحت هذا التصنيف، إضافةً لتعمد الكاتب إدخال بعض الجمل باللهجة الجزائرية مما يجعل القاريء أكثر قرباً من هوية البطل ومجتمعه وطبيعته ...
كل هذه الأشياء ساهمت في خلق رواية قوية مختلفة جريئة حافلة بالكثير جداً تخاطب القلب والعقل والروح .


أريج محمد أحمد




1621458203582.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى