هانى موسى - تحت الأرض.. قصة قصيرة

كلفه صاحب المحل بطلب "ديليفرى"؛ اعتاد أن يذهب به إلى أخر شارع الهرم، لكن الفتور بدا عليه غير متحمس يتصنع الحجج، يبحث عن عمل أخر يؤديه داخل المحل ،بعدما أصبح هذا الطلب كأنه جبل، يطبق على صدره ،لكن الشراع سار بسفينته على غير ما تمنى، لم يجد صاحب العمل غيره، فسار بقدمٍ تدفعه ليبقى فى أضواء القاهرة، ولياليها الساحرة بأيدى وبشرة بيضاء، وقدم تتخاذل للوراء كى تُبقى بعضا من أرث ،و تقاليد بيئته وصوت ضميره ،بين الشوارع المزدحمة وأصوات السيارات، وعجلات الحياة المسرعة دوماً عناء وارهاق، لكن" طارق " أصر على ألا يترك هذا العمل، رغم ما به حتى لا يعود لقريته، يجر أذيال الخيبة ؛بعدما فشل فى كثير من الأعمال، بعد تخرجه من كلية الآثار، وحتى لا يعود الى القرية يعمل بالفلاحة وزراعة الأرض. فكم يشقيه أن يصير كغيره؛ ممن لم يتعلمون هناك ،وسط زحام محطة مترو الأنفاق استجلب نظره ذلك الشاب ،الذى يمشى على أطراف صناعية ،يحمل الكتب والأوراق؛ ويستطلع كتبه فى عالم منعزل ،
..جاء قطار المترو تدافع الناس وأخذه الموج لمكان بعيد ،وهو يدافع بما أوتى من قوة، عما بين يديه كى لا يصيبه مكروه يغضب صاحبته ،انصرف الناس من حوله بعض الشىء؛ والتئمت أمواجهم عند ذلك المسن، الذى أكلت الفاقة والحاجة ملامحه، دعاه فضوله فتبعهم، وجده بين أيدى الناس تنهمر دموعه وهو يقسم لهم ،بأن بناته ناموا ليلة أمس بدون عشاء، ألقى بعضهم من رحمات قلوبهم ،فى حجره فأستقبلتها يداه مخذولتان، بخجل غير محترف لذى الحرفة ،تفحصت عيناه أجواء المكان فوجد مكاناً شاغراً، تهللت سريرته وأسرع إليه، فجلس خوفاً على ما يحمل من الهلاك، استدعى انتباهه ومسامعه حديث لفتاة تعاتب خطيبها ،على هدايا الفلانتين التى لم تعجب صديقاتها، فصارت بينهن مجالاً للسخرية متهمة له، بالبخل والشح ،وهو يقسم لها بأن هداياها كلفته نصف راتبه، فوق أعباء تجهيز شقتهم ،وعلاج أمه المريضة ،لكنها لم تبالى بذلك ،وظلت تستضعفه بجمالها وأنوثتها المتفجرة، لدرجة أن المحيطين بهما ملأت ضحكاتهم وبسماتهم المتوارية، أرجاء المكان وهو يتوسل إليها ؛بكل قربان للغفران،ضحك طارق كغيره لكنها كانت ضحكات ،تحمل عنوان السخرية من استهانة برجولته وكرامته، ألهذا الحد بين الناس؟! حتى ولو كان الحب سيد القرار ! رحم الله أبى عندما كان يعود من الحقل، كانت تفزغ وقعات أقدامه أمى من مكانها، وتقدم له كل أكف الضراعة ،حتى تنال رضاه! نهض من مكانه مسرعاً ،يستجلس تلك المرأة التى أوهنها حملها بكل حب وتقبل، ثم أسند ظهره واقفاً، بجوار أحد الأبواب؛ ينتظر محطة فيصل، وهو يلعن هذا المشوار البعيد، و صاحبته التى صرفته أفعالها عن الارتباط بأى فتاة،اقتحم خلوة عقله أغنية بنت الجيران؛ فأصاب أذنيه ما أصابهما من أشباه شباب، حوله تسلطت على أبدانهم وثيابهم، موضات الغرب البنات قبل البنين، فصار يتمتم سراً: تباً لهذا التابلت الذى يحملونه بدلاً من الكتب ،أءصبح الإفساد ضرورة عصرية ملحة ! تباً لهؤلاء البنات اللاتى أصبحن بضاعة مزجاة ،فى أى مكان ودون حياء! زادت فى نفسه أفعالهن بعداً، وألماً فلا تتعدى صورة المرأة فى نظره الآن، عن كونها هى صاحبة الديليفرى ،ابتعد عنهم يحمل أوجاعه بعدما وجد مكان أخر ،أجلسه ألمه فيه فوقعت عيناه على صغير لا يتعدى العاشرة من عمره، بين أحضان أمه التى تحمل هموم مرضه اللعين ،بين ذراعيها وهو يرى نظرات الشفقة للمحيطين بهم، ثم اقتطع حديث الشباب الذين يحملون المؤهلات العليا -مثله - جانباً كبيراً من اهتمامه ،وهم يتحدثون عن تجاربهم الفاشلة فى العمل بالقطاع الخاص ،ومدى شعورهم بالذل والمهانة لأرباب تلك الشركات ،لكن صوت الرجل الذى ارتفع بشدة أفسد عليه ذلك ،وهو يتحدث فى الهاتف إلى زوجته غاضباً لاعناً، صاحب العقار الذى يطالبهم بالإيجار، قبل نهاية الشهر، استجلب بصوته وعفويته كل اهتمام وضحكات الحاضرين ،وهزات رؤوسهم ودبدبات أقدامهم ،ظن طارق أنه أدرك الكثير فى طريقه تحت الأرض ،ولم يعرف بأن هذا غيض من فيض ،وأن خارج حدود هذا الزجاج ،وفوق الأرض التى تخطوها الأقدام ،الآن آلام أخرى تنتظره عند بوابة الخروج، حينها قرر طارق بأنه سيترك الطلب لحارس العقار، عند بابها ،لأن عقله مازال هناك متعبا تحت الأرض ،لا يرغب العبور .

# هانى موسى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى