أ. د. عادل الاسطة - عزمي بشارة "حب في منطقة الظل"

"حب في منطقة الظل" عنوان رواية عزمي بشارة الصادرة في العام ( ٢٠٠٥ ) ، وكان صدر له من قبل ، في باب السرد ، نص آخر عنوانه "الحاجز" ( ٢٠٠٤ ) وآثر الكاتب أن يستخدم في النصين مفردة شظايا إلى جانب كلمة رواية ، ف " الحاجز " شظايا رواية ، و " حب في منطقة الظل " رواية شظايا مكان .
وربما وجب أن نميز بين الأولى والثانية وصيغة المؤلف المستخدمة في نعت كل منهما ، فالأولى شظايا رواية ، وأما الثانية فرواية شظايا مكان ، ما يعني أنه يرى الثانية رواية ، خلافا للأولى . ثمة إقرار بأن الثانية رواية . الرواية هنا ليست شظايا ، كما في " الحاجز " . إنها رواية شظايا مكان ، فالمكان هو الشظايا وأما النص فهو رواية .
على لسان بطل الرواية عمر ، ومن خلفه عزمي بشارة ، نعرف رأي كاتب الرواية في أسلوب روايته ولغتها وصلتها بروايات أخرى عالمية يقترب المؤلف منها وكان قرأها وظلت عالقة في ذاكرته وسار على خطاها وأورد ذكرها أيضا.
رواية عزمي ( مونولوج ) طويل يتقطعه حوار يدور بين عمر ودنيا ، بين داخل فلسطين وخارجها ، يبث فيه ابن فلسطين المقيم على أرضها في قرية كفر الباقين ، عبر الكتابة على الحاسوب والشبكة العنكبوتية ، ما دار في دولة الحاجز ما بعد النكبة وكيف تعاملت هذه الدولة مع كفر الباقين - العرب الذين بقوا ولم يغادروا ، وكيف تصرف هؤلاء مع الدولة ومع بعضهم ، وانقطعوا مجبرين عن بقية سكان فلسطين بالمنافي .
ويأتي عمر في الرواية على رواية ( جيمس جويس ) " يوليسيس " ، ما يجعلنا نربط بين الروايتين أسلوبا ، وإدراك عمر ، ومن ورائه عزمي ، أن أسلوبه مطروق في الرواية العالمية ( ص ٢٩٣ ) .
وإذا كان المؤلف ، من خلال العنوان الفرعي ، أعطى الأولوية في الرواية للمكان " شظايا مكان " ، مبينا أيضا في الرواية التغيرات التي طرأت على فلسطين من خلال اليد الصهيونية التي تدمر وتدمر ، لتقيم على أنقاض القرى والمدن العربية الفلسطينية مدنا وقرى إسرائيلية ، فإن الرواية تأتي على هذا ولكنها ، في الوقت نفسه ، تأتي على سكان هذا المكان الذي حشرهم في روايته في قرية اسماها كفر الباقين ، قرية موجودة في دولة الحاجز تعيش في الظل .
من خلال كتابة عمر إلى دنيا نعرف ما يؤرقه ، وما يؤرق عمر يؤرق عزمي نفسه ، وهو سؤال الهوية ، وسؤال الحياة في ظل دولة الحاجز ، ومستقبل هؤلاء وهؤلاء ، وعلاقة دولة الحاجز ببلاد الحواجز - أي الضفة الغربية وقطاع غزة ، وسؤال الديموقراطية وسؤال الصحافة وسؤال شكل العلاقة بين سكان كفر الباقين ومن هاجروا منه في العام ١٩٤٨ ، كما تؤرق عمر أسئلة أخرى كثيرة .
وربما تبدو الرواية جامعة لآراء عزمي في الأسئلة كلها وفي أمور أخرى ، يرد أن يعرف القضايا التي تشغل بال عزمي فشغلته ودفعته لترك فلسطين ، فما عليه إلا قراءة الرواية .
يغلب على الرواية التنظير لدرجة تدفع القاريء أن يتساءل إن كانت " حب في منطقة الظل " حقا رواية . إنها نقد سياسي واجتماعي وخوض في الفلسفة أكثر مما هي رواية ، والطريف أن عمر يدرك هذا جيدا ، فهو حين يكتب إلى دنيا الفتاة التي أحبها يلحظ إنها لم تفهم كل ما يكتبه إليها ، ويقر أن ما يقوله صعب ، وهو ما يرد على لسان دنيا مرارا :
" لا تكمل ! انتظر قليلا حبيبي ! مش ملحقة عليك . علي أن أعيد قراءة هذا المقطع ، لا تمطرني بوابل من هذا النوع من الكتابة قبل أن أمسك بطرف الخيط . أكاد أضيعه "( ص ٢٨٤ ) .
هل يؤثر هذا القدر الكبير من التنظير على القاريء فيفقده المتعة ويجعله لا يواصل ؟
ربما !
ربما تصلح رواية " حب في منطقة الظل " لأن تدرس في الجامعات في مساقات العلوم السياسية والاجتماعية أكثر مما تدرس في مساقات الأدب ، وإن صلحت لأن تدرس في مساقات علوم اللغة ، فلغتها وحدها تحتاج إلى مناقشة واسعة جدا .
وأنا أقرأ الرواية تساءلت :
- أكان عزمي بشارة يعبر عما سيفعله حيث ترك بطله قريته كفر الباقين وغادر إلى مدن الملح ؟
عندما التقيت بعزمي في حفل تكريمه في جامعة البتراء وجلسنا معا على المنصة للتحدث عن إميل حبيبي أديبا ومفكرا مرر إلي قصاصة فيها العبارة الآتية : ما كتبته عن الرواية صحيح وكنت كتبت مقالا عنوانه " عزمي بشارة وهاجس الرحيل".




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى