د. مصطفى السعيد - الزمان والمكان القصصي في "المشعلجي" لـ محمود سلطان

يمثل الزمان بالنسبة لبناء القصة سواء أكانت رواية أو قصة قصيرة أهمية كبيرة في تناول النص.
وكما تقول سيزا قاسم: أن هناك عدة أزمنة تتعلق بفن القص: أزمنة خارجية (خارج النص) مثل زمن الكتابة، زمن القراءة، والزمان التاريخي (العصر الذي ينتمي إليه النص) والزمان المرجعي (الفترة التي يجعلها النص موضوعا له)، وأزمنة داخلية، مثل المدة التي تستغرقها أحداث الرواية/ القصة، ومثل الترتيب الآني لهذه الأحداث، والمدة التي تستغرقها قراءة النص، وكيفية تزامن الأحداث، واتجهاها الزماني، وغير ذلك(١).
يدخلنا القاص بسرده في زمان حاضر هو في الواقع عالم خيالي جعل له حضورا آنيا في أذهاننا، ذلك الزمن الذي ينتمي إلى أعوام إقامة ابن خلدون في القاهرة،حيث مكث بها ما يناهز ربع قرن (784-808 هـ)، مكرما من سلطانها الظاهر برقوق، ووَلِيَ فيها قضاء المالكية، وظلَّ بها حتى وفاته( 808هـ/ 1406م) عن عمر بلغ ثلاث وسبعين عامًا ودُفِنَ قرب باب النصر بشمال القاهرة.
يقف الزمان عند باب الحديد في مصر المملوكية ليواجه الكاتب رجلا يرسمه لنا بكلمات وسماعات تزواج بين الماضي والحاضر والمستقبل (استباق).
فهو "يمشي على مهلٍ، وحيدًا ليلًا، يحمل تحت إبطه كتابًا" وهو قد "خضعت له أصوات الفرنجة"، ويسأل عنه "مؤرخ نمساوي، اسمه جوزيف فون هامر" يكاد ان يكون هو من أول من أطلق على ابن خلدون لقب "مونتسكيو العرب".
المكان كذلك يتداخل في سراديب تشبه حكايات ألف ليلة وليلة، فهو مصر المملوكية عند باب النصر وسور بدر الجمالي حيث الحارات الضيقة ينيرها المشعلجي بشعلته، ثم هو مقهى ريش المقام على أنقاض قصر محمد علي بالقاهرة قرب ميدان طلعت حرب في العام 1908. شيد هذا المقهى ألماني، باعه عام 1914 إلى هنري بير أحد الرعايا الفرنسيين الذي أعطى له اسم "ريش" ليتشابه بهذا الاسم مع أشهر مقاهي باريس التي ما زالت قائمة إلى الآن، وتسمى "كافيه ريش" وبينهما يأخذنا إلى أماكن محتشدة تطوف بينا بين مجد تليد عاشته أمتنا الإسلامية.
والحوار بين القاص وذلك الرمز العظيم من أبدع الحورات التي تمتعك وتجلدك في ٱن واحد.
فهو حوار بين عالم رائد دان له علم الاجتماع العمراني بتأسيسه باعتراف علماء الغرب، ابن حضارة عظيمة وحفيد كل قوله تفاخر بأجداد لا يعرفهم حق المعرفة وبكاء على أطلال لم يحفظها حق الحفظ.
فها هو يجهل الرجل حاسبا إياه درويشا أو مجذوبا.
وتأتي كلمات الشيخ حادة كسوط يحاول إيقاظه "يا غلام ارحل لسبيل حالك، وعُد من حيث جِئت، وتقلب أنت وقومك في ذل الشقوق المظلمة"
ولم يستطع صاحبنا المواجهة إلا بالتهويم واستدعاء صور لمجد لم نشارك في صنعه بين حجر منقوش عليه بالهيروغليفية، عبق أشبيلية، عيون حضرموت، وأهازيج المبتهلين بمسجد الزيتونة"
ويفجأنا القاص بحضوره الشخصي حيث يقول:
"فانفلق الحجر من تحتي، وانبَجَسَتْ منه جيف التعالي وأكاذيبه" ليوقظنا نحن أبناء الحاضر المعاش ونحيا معه " في صحراء الجيزة، نسامر أبا الهول، ونمضغ القات تحت ظله القديم، وندخن لفائف خدر الماضي اللذيذ".
وتكمن المفارقة في جهل أعلامنا على مقهى ريش بالرجل العلم "ابن خلدون" وإصرار المستشرق العالم بقدره على زيارة قبره "باب النصر، مقابر الصوفية"، ويصر المبدع محمود سلطان على أن يصفعنا في نهاية قصته المؤلمة كسابقتها "الفاترينة وغيرها" بواقعنا البائس المدمر لكل جميل حيث يختمها "هناك لم يجد إلا الأوناش الغبية والحفارات العمياء، وقد أنهت لتوّها مهامها بنجاح" ، وأي نجاح!
ومازال المثير الذي يمكن أن يقال عن القصة بدءا من العنوان "المشعلجي" حيث ما زلنا في انتظاره، وعن اللغة الشاعرة والتراكيب والصور البديعة في النص.



****

> النص

[HEADING=2] - المشعلجي!!.. [/HEADING]


رأيت عند باب النصر، رجلًا يمشي على مهلٍ، وحيدًا ليلًا، يحمل تحت إبطه كتابًا، سمعت من يقول، إنه خضعت له أصوات الفرنجة، يتبعه المشعلجي، والشوارع والحواري والأزقة مطفأة، تتعقبه جرذان تعتاش على جرايا القلعة، تسترق السمع وتراسل السلطان، اقتربت منه أتفرسه مختفيًا وراء سور بدر الجمالي، سمعت جنديًا مملوكيًا يلهج باسمه بصوت تكتنفه اللجلجة: إنه قاضي المالكية!، لم أهتم! فما أكثر القضاة، والظلم ظلمات، تركض في شوارع المدينة، مجرى الدم في العروق.
كشر وعبس وتدلت شفتاه غيظًا وغضًبا، وهو يهذي بكلام لم أفهمه، خلته درويشًا أو مجذوبًا. استدعيت شجاعة مرتبكة، واستوقفته ثم سألته بأدب: مَن أنت يا سيدي؟!
حدّق بي هازئًا: يا غلام ارحل لسبيل حالك، وعُد من حيث جِئت، وتقلب أنت وقومك في ذل الشقوق المظلمة.
تفجّر الغيظ في صدري عيونًا، واصطنعت على وجهي أمارات الجفاء والترفع.. وارتقيت حجرًا منقوشًا عليه بالهيروغليفية، حتى علت أنفي أنفه، فاستنشقت إذ ذاك عبق أشبيلية، وشربت من عيون حضرموت، وسمعت أهازيج المبتهلين بمسجد الزيتونة، فانفلق الحجر من تحتي، وانبَجَسَتْ منه جيف التعالي وأكاذيبه، أما هو فقد رأيته وكأنه قد استطال عنقه ومد ظله إلى هناك، حتى أضاء المشعلجي القناديل المطفئة في سقف كاتدرائية نوتردام، أما أنا فقد عثروا عليَّ، في صحراء الجيزة، أسامر أبو الهول، وأمضغ القات تحت ظله القديم، وأدخن لفائف خدر الماضي اللذيذ.
على مقهى ريش، أقبل إلى طاولتي، رجل أبيض الوجه، أشقر الشعر وعيناه زرقاوان، سحب كرسيًا وجلس قبالتي، قال إنه مؤرخ نمساوي، اسمه جوزيف فون هامر، ثم سألني أين يجد مقبرة مونتسكيو العرب، طال سكوتي، وحدقت بعينيه المتلهفتين مستغربًا، فمدَّ يده بورقة وأشار بإصبعه إلى أربع كلمات: باب النصر، مقابر الصوفية، حملت الورقة وطفت بها الطاولات المجاورة، سألت محفوظ ودنقل وإدريس والطاهر عبد الله وجاهين وكامل الشناوي وغيرهم، ثم عدت إليه عاقدًا ما بين العينين متنهدًا هازًّا رأسي معتذرًا له: لم يعرفه أحد!
غادر المقهى مستقبلًا ميدان طلعت حرب، نادى على سيارة أجرة، ناول السائق ذات الورقة: باب النصر، مقابر الصوفية وانطلقا. هناك لم يجد إلا الأوناش الغبية والحفارات العمياء، وقد أنهت لتوّها مهامها بنجاح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى