كمال الرياحي - الشرادي الكاتب المغربي الذي اختفى في لوس أنجلس

بدأت القصة عندما كنت أبحث عن محمد شكري الذي قادني إلى بول بولز الذي ترجم له سيرته الذاتية "من أجل الخبز وحده". قضيت أعواما أدرس هذه الشخصية إلى أن ظهر لي فجأة وأنا أقرأ سيرة بول بولز اسم غريب. إدريس الشرادي. لاحظت أن شكري أيضا ذكره في حواراته وأنه روى حياته قبله إلى بول بولز الذي نشرها تحت عنوان "حياة مليئة بالثقوب"، نشرت الرواية سنة 1964 قبل ميلادي بعشر سنوات، ثم غادر ادريس الشرادي المغرب إلى أمريكيا، تقول الأخبار القليلة، إلى كاليفورينيا، إلى وادي السيليكون، هناك استعاد اسمه الحقيقي "العربي العياشي" وأصدر روايتين بالانجليزية؛ العاشق الغيور والأمس واليوم في الثمانيات. لاحظت عبر محركات البحث في الانترنت أنه خلافا للرواية الأولى التي ظهر على غلافها اسم بول بولز فإن الروايتين كانتا فقط تحت اسم العربي العياشي. تساءلت ليلتها، ماذا يعني هذا؟ هل تخلى ادريس الشرادي عن بول بولز ؟ هل تعلم الإنجليزية وصار يكتب بها ؟ مضت عشرون سنة بعد صدور الرواية الأولى. صرت كلما بحثت عن هذه الشخصية أصطدم بأشياء متناقضة، فلا أحد يعرفه شخصيا، ولا التقاه يوما، ولا تداولت له صور إلا صورة يتيمة بالأبيض والأسود سيئة جدا. ماذا يعني هذا؟ كنت أسال نفسي كلما تقدمت. هل وجد ادريس الشرادي من يروي له سيرته وقصصه كما فعل مع بول بولز دون وضع اسمه على الغلاف؟ أستاذ جامعي مغربي يشير في فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي أن ادريس الشرادي شخصية متخيلة اختلقها بول بولز وليس لها وجود. ثم يستدرك أن بول بولز قال إنه يملك التسجيلات التي روى فيها إدريس الشرادي سيرته بصوته. لكن الأستاذ يشكك فيها ويقول إن هذه التسجيلات قد تكون صحيحه لكنها يمكن أن تكون لأي كان فهذا عمل بول بولز لسنوات طويلة تسجيل قصص وخرافات من ناس أميين وتحريرها وترجمتها ونشرها بالإنجليزية. ماذا يعني هذا؟ لكن أين الشرادي الآن؟ قادتني الأخبار أنه مات. مات في سن الخمسين. تقول سيرته الهزيلة في الموسوعات أنه من مواليد 1937 وتوفي سنة 1986. لكن لا أحد أيضا رأى قبره ولا أحد حضر جنازته.
تذكّرت مسرحية الطلقة الثانية لمحمد شكري وذلك القاتل المأجور ماريو الذي يدور حول مستر كارّو الرجل المقيد ويعده ألا أحد سيعرف مكان قبره.
"على بعد مائة متر من هذا المنزل سيكون لك قبر من ثلج. قبر لا ربوة له، لا علامة رأس ولا علامة قدمين. إنك ستموت دون أن تخلف وراءك أثرا. كطير يطير من شجرة أو كسمكة تسبح في الماء. مستر كارو!".
كانت فكرة أن يتذرى الكاتب في التيه الأبدي ولا يعثر عليه قد سحرتني. لم يسبق لكاتب قبله أن تذرّى هكذا. لا عرفوا إن كان وجد فعلا أو لم يوجد أصلا. أن تترك العالم في حيرة هو أرقى ما يمكن أن يطمح إليه الأدب.
أفتح الهاتف المحمول لأتأمل تلك الصورة بالأبيض والأسود.
قبل أيام قرأت للمخرج والكاتب الأمريكي، شون غوليت ‏مقالا يقول فيه إن الشرادي مع إصدار الكتاب باللغة الإنجليزية، "بدأ يفهم خطورة ما اقترف من ذنب في اتهام النظام المغربي بالوحشية وبالظلم الاجتماعي والسياسي ومع اقتراب صدور النسخة الفرنسية من Gallimard في عام 1965، تصاعد قلق الشرادي حول "رد فعل رسمي محتمل" من النظام الذي كشفه. يقول الشرادي "يحرمنا الله من الكذب، ولكن أحيانًا يمنعنا الرجال من قول الحقيقة". اعتقد بول بولوز أنه من الأفضل له الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة، وغادر الشرادي مع ويليام س. بوروز على متن سفينة الاستقلال عبر المحيط الأطلسي، ولم يعد أبدًا. توفي العربي العياشي في ولاية كاليفورنيا أواخر الثمانينيات."
https://www.bidoun.org/articles/a-life-full-of-holes
هذا يعني أن الرجل غادر المغرب هربا من التصفية وأنه شعر بأن حياته في خطر. كلما عدت إلى ما كتبه محمد شكري لا أجد فيه أي نقد للسياسة فأتساءل هل كان ذلك تجنبا لمصير إدريس الشرادي؟ كيف ظل شكري يعيش حرا طليقا بينما يتساقط المثقفون في المغرب في قبضة السياسي وتأكلهم السجون والمعتقلات؟
لا يبدو أن الأمر مهم لكن وجب أن أعي أن الشرادي الرجل المذنب حتى في داخل ذهنه هو سيظل يحمل ذلك الخوف طوال حياته. فهل غادر الولايات المتحدة لأنه شعر أيضا بالخطر؟ هل غيّر اسمه خوفا من الملاحقة؟ لكن الصحافة وحتى دور النشر ربطت مباشرة بين صاحب "حياة مليئة بالثقوب "والكاتب الجديد العربي العياشي ولم تمنحه فرصة للتخفي. هل أراد الشرادي أن يقتل نفسه اعلاميا بالاختفاء؟ لماذا لا يكون قد واصل حياته في كندا باسم مستعار؟ صرت أقلب الكتب وأنظر في صور الكتاب وأتوقف عند الكتاب الذين أعتقد أنه في سنهم.
عندما ظهرت كتب محمد مرابط. الوريث الشرعي للشرادي في مشروع بول بولز؛ الأمي الذي يحكي للكاتب والمترجم الأمريكي سيرته بالعامية ليحولها إلى كتب باللغة الانجليزية كتب الطاهر بن جلون في جريدة لوموند ساخطا ووصفه بالاغتصاب. "تقنية الاغتصاب" هكذا سماه. ذكّر بن جلون بقصة بول بولز مع الشرادي. لم يشكك أبدا في وجوده لكنه شكك في انتماء المنجز إلى الأدب. واعتبره لا مكتوب ولا شفوي. ووصفه ب"الأدب اللقيط". واعتبر أن المنجز سليل المانيتوفون أشبه بتحقيقات البوليس للمجرمين. كتب بن جلون أن الشر لا يكمن في تلك التحولات في انتاج النص عبر اللهجة المغربية نحو الإنجليزية ثم ترجمته الى الفرنسية بل في مشروع بول بولز نفسه. بدا بن جلون يتذرّع بأن هذه صورة غير أصيلة لطنجة وأنها في النهاية استيهامات الأمريكي عبر هؤلاء الأميين الفقراء. واعتبر تلك الشراكة كلها بنيت على باطل.
لماذا شعرت بالغبطة وأنا أقرأ مقال الطاهر بن جلون؟ هل لأني مقتنع بما قال؟ أم لأني أشعر بالشماتة؟ نعم الشماتة الأدبية. لأن الطاهر بن جلون يبدو قد أخرجه الأمر عن طوره. لقد استطاع هؤلاء الأميون أن يهزوا الأرض من تحته. ليس هو بالذات بل من تحت الكاتب. مؤسسة الكاتب. لقد جعلوه يجن ويكتب ما كتبه بتلك النعوت الساخطة. فهذا الأمي صار ينشر جنبا إلى جنب معه في غاليمار. كتب بن جلون ما كتبه يوم 9 جوان 1972 بعد عام فقط يظهر كتاب محمد شكري من أجل الخبز وحده بنفس الطريقة وعن نفس المترجم بول بولز. بعد سبع سنوات تظهر ترجمة لكتاب شكري في منشورات ماسبيور في باريس بترجمة للطاهر بن جلون. أتذكر ذلك وأضحك وأنا أعيد مشاهدة محمد شكري في برنامج "أبوستروف" محاطا بالنقاد والكتاب الفرنسيين وهو يواجه برنار بيفو بكل تحد. هناك شيء كالشتيمة الصريحة في جلسة محمد شكري واجاباته النافية وتعمده الحديث بالفرنسية التي قال إنه تعلمها من الشارع. هناك شيء من الهزيمة على وجوه الحاضرين. لقد نهب شكري اللغة الفرنسية التي يتبجحون بها من الشارع. التقطها من القمامة كما كان يلتقط طعامه. كل شيء كان يقول تلك الليلة: لقد مات المؤلف فعلا يا رولان بارت. مات ذلك المؤلف القديم.
لكن هناك شيء ما مازال يقول لي أن الحياة المليئة بالثقوب لا يمكن أن تنتهي هكذا فكل ثقب فيها هو فرصة نجاة.
هناك شيء ما بدأ يجعلني أنفر من محمد شكري قبل أن أقرر ملاحقة الشرادي. جاء العياشي أو الشرادي إلى طنجة كما شكري من الريف ولكنه عرف السجن بعد أن قبض عليه وامه في طريقهما إلى قرية جده دون ترخيص. لم تكن السلطات الفرنسية تسمح للمغاربة بالتحرك في المغرب دون سبب وجيه. في السجن يضبط الطفل الشرادي يبيع الحشيش فيحكم عليه بالسجن.
كان يعمل بائعا متجوّلا، وأخبار أخرى تقول أنه كان يعمل في مقهى مهجور بعد خروجه من السجن عندما التقاه بول بولز. نشأت بينهما علاقة صداقة. وبدأ يتردد على بول بولز في منزله ويبدو أنه كان يؤمن له الحشيش الذي تحدث عنه مطولا في سيرته الذاتية وتجاربه عليه وقصص الحشيش مع جين. ويذكر بول بولز أنه أثناء أمسية من الأمسيات عرض عليه الشرادي رواية سيرته وبدأ التسجيل وكان بول بولز معجبا بسلاسة حكي العياشي وانسيابيته مما جعله يصدق كل ما يرويه.
"لم يكن الشرادي يتردَّد قطّ ... ولم يكن يغيِّر شدة تعبيره وطلاقة لسانه"
مات أبوه وتزوجت أمه وبدأ الشرادي رحلة العذاب مع زوج أمه الذي رماه في الشارع قائلا لأمه "إذا كان لا يعمل ولا يحضر مالاً إلى البيت، فأنا لا أرى أي سبب للإنفاق على طعامه أو ثيابه". فكان الطفل يشتغل كما لو كان بالسخرة بينما يحوّل الأجر التي يكسبه إلى زوج أمه. كان هذا تقريبا ما رواه أيضا محمد شكري في الخبز الحافي عن أبيه.
هل سرق شكري حياة الشرادي؟ ألم يقل محمد المرابط أنه سرق سيرته وأن الخبز الحافي سيرته هو؟ أم أن الحياة وقتها هي نفسها تتكرر مع الجميع؟
أتصفح صور شكري الكثيرة وألتفت كل مرة إلى الصورة اليتيمة للعياشي. كان الشرادي، لا أدري لماذا أرى الاسم مستعار مناسبا له أكثر. إذا كان فعلا موجودا، زاهدا في الشهرة وكان شكري متكالبا عليها.
بذّر شكري نفسه بحثا عن أسطورة بينما نجح الشرادي في أن يتحوّل إلى خرافة. حكاية مثل تلك الحكايات الشفوية التي كان يرويها لبول بولز. لقد كان كائنا شفويا وصار حكاية شفوية تجوب العالم.
تصلني نسخة من روايته حياة مليئة بالثقوب A life full of Holles اشتريته عبر الانترنت. كانت نسخة منهوبة من مكتبة جامعة تكساس. كانت طبعة 1964. طبعة أنيقة مجلدة. بعد أيام تصلني روايته البارحة واليوم التي نشرها سنة 1985. طبعة ورقية عادية. أقلب صفحات الأولى ثم الثانية بالسرعة باحثا عن أي شيء. في الثانية لا وجود فعلا لبول بولز لكن هناك قائمة طويلة بأسماء من ساعده في مراجعة المخطوط.
هل بين هؤلاء واحد يملك صورة للعياشي أو خبرا آخر عنه؟ هل يحتاج الأمر عملا استقصائيا للبحث عن هذا الكاتب التائه؟
أفتح تسجيلا لبرنامج على ال Art يظهر فيه محمد المرابط يقول ساخرا
لقد ماتوا جميعا ومحمد مازال حيا" ويختمها بضحكة أسطورية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى