طارق حرب - اليازجي يصف بغداد من خلال بائعة لبن بغداديه في مقامته الثامنه المقامه البغداديه

في سلسلة التراث البغدادي كانت لنا كلمات عن المقامه البغداديه وهي المقامه الثامنه من مقامات الشيخ ناصيف اليازجي التي ضمها كتابه مجمع البحرين حيث أفرد مقامات متعدده للعراق في كتابه هذا تفوق المذكورين الاخرين في كتابه هذا حيث كانت المقامه البغداديه أولا ثم المقامه الكوفيه والمقامه العراقيه والمقامه البصريه والمقامه الموصليه من أصل ستين مقامه في الرموز والاحاجي والحوادث التاريخيه وعادات العرب ومفاخرهم وغزوهم ومأكلهم ومشربهم وملبسهم بحيث يمكن اعتبار مجمع البحرين بمثابة دائرة معارف لغويه جمعت النظم والنثر والامثال وهو في كتبه يقلد أعلام بغداد مثل الجاحظ والصابي وابن المقفع.
واليازجي هو الشيخ ناصيف بن عبدالله بن ناصيف اليازجي اللبناني المولود جنوبي مدينة بيروت سنة 1800 والمتوفي سنة 1871 م كان عالما بالنحو واللغه والشعر عمل مع الامير بشير الشهابي بعدها أنقطع للتأليف والدرس أشتهر بقصيدته المعروفه بالدوديه؛-
لا تبك ميتاً ولا تفرح بمولود
الميت للدود والمولود للدود
وهو رغب في أن يباري الحريري في مقاماته لذلك نسب وقائع المقامه البغداديه وغيرها الى بطلها ميمون بن خزام وراويها سهيل بن عباد ويسمي بغداد في بداية المقامه البغداديه بأحد أسمائها وهو الزوراء ويذكر أسم بغداد في وسط المقامه وفي آخر المقامه يذكر اسما آخر من أسماء مدينة بغداد وهو مدينة السلام والمقامه البغداديه تقوم على حوار جرى مع امرأه من نساء بغداد اسمها ليلى بائعة اللبن وما جرى معها و كيف فقدوها بعد ذلك حتى عثروا عليها عند باب حديد في الرصافه أي في الجزء الشرقي من بغداد.
يذكر ناصيف اليازجي في مقامته البغداديه؛- قال سهيل بن عباد( الراوي للمقامه) حللت بالزوراء في بعض الاسفار وأنا غريب الدار بعيد المزار فكنت أتردد فيها سحابة النهار وأتفقد بها من المشاهد والاثار حتى دخلت يوماً بعض المدارس وإذا شيخنا الخزامي (بطل المقامات) والطلبه قد أقبلوا عليه وأحدقوا به واليه فسلمت عليه تسليم المشوق وابتهجت به ابتهاج العاشق بلقاء المعشوق .... وإذا امرأة تنادي ياشاري اللبن الرخيص الثمن...فعجبوا لافتتانها وتاقت أنفسهم الى استنباط بيانها فدعتها ألسنتهم للشراء وأفئدتهم للمراء فجاءت حتى وقفت بالباب وأرسلت النقاب وقالت للسلام يا أهل الكتاب قالوا سلاماً يا كريمة الأعراب فما بالك تلحنين بالاعراب( أي تقصدين الغير وليس الخطأ في الاعراب) قالت أما سمعتم ان خير الكلام ما كان لحناً .... قالت شهد من رفع القبة الخضراء اني ما جئتكم إلا بالحنيفيه البيضاء ( عبادة الله) لكنكم تشترون در الضوامر( لبن الناقه) وتستوهبون در الضمائر... فرضخ كل لها بدرهم..والشيخ يقلب وجهه في السماء ويقول : سبحان من على آدم الاسماء فلما جلت المكنون( أوضحت المخفي) وأجتلت الموزون( أخذت ثمن اللبن) قال يا أولي ألالباب ان الله يرزق من يشاء بغير حساب وإلا ففوق كل ذي علم عليم.... قال نعم لي صبي ليس كمثله في بغذاذ( بالذال وليس بالدال) أريد أن أجره يوماً الى الاستاذ ... قال ان ليلى قد فصلت عن مجلسنا المعهود ولنا موعد أنتظرها به أن تعود ... قلت أو هي ذات اللبن قال إن لم تكن فمن... فلما طال أمد الأنتظار قال أظنها تنتظرني بالدار فهل لك أن تصحبني الى الرصافه ( الجزء الشرقي من بغداد) وتؤنسني الليله بالضيافه ... حتى أنتهينا الى باب حديد واذا ليلى بالوصيد فلما رآها تهلل وجهه بشراً وأنشد يقول شعراً:-
حييت يا ليلى إبنة الخزام
كريمة الأخوال والأعمام
أصبحت في مدينة السلام
غريبة الموطن والكلام
ومما سلف نرى بغداد على لسان مسيحي لبناني وكيف يصفها ويصف سيدة بغداديه تتولى بيع اللبن وكأنه يقول فكيف حال البغداديين الآخرين
وكان ذلك في اواسط القرن التاسع عشر.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى