رياض نجيب الريس - عن مجلة «شعر» وقبائلها

أثارت مداخلة الاستاذ رياض نجيب الريس عن مجلة شعر في ملتقى الشعر العربي الذي أقيم بدمشق بين 25 ـ 27 نوفمبر 2008 ردود فعل متباينة، خاصة ما يتعلق منها بمؤسسي المجلة والمنتسبين لنهجها، وقد أبرزت بعض الصحف مقالات وتعليقات لكتاب اتفقوا أو اختلفوا مع الريس فيما ذهب إليه.

ارتأت «مسارات» نشر المداخلة نظرا لأهميتها لتكون بين أيدي القراء والنقاد معاً، وهذا نصها:لا أذكر البداية تماماً، إلّا أن الأغلب أن حليم بركات هو الذي عرّفني إلى يوسف الخال. في صيف 1956. وكانت الاستعدادات لإصدار مجلة «شعر» ما زالت بين أخذ ورد.تسلمت العدد الأول من «شعر» في شباط 1957 وأنا تلميذ في كامبردج بانجلترا. ولا أذكر عدد المرات التي التقيت فيها بيوسف الخال ذلك الصيف قبل صدور مجلة «شعر»، إلا أنني أذكر تماماً أنه عندما عرف بسفري إلى انجلترا طلب مني أن أقوم بكتابة رسالة عن الحياة الثقافية في بريطانيا للمجلة. واعتبرت هذا التكليف بمثابة مفتاح لدخول ملكوت الأدب. لذلك عندما وصل إليَّ العدد الأول منها، كان حدثاً عارماً بالنسبة إلي؛ إذ تجسدت أمامي المجلة التي سأكتب فيها.

وبعثت برسالتي الأولى إلى «شعر» ونشرت في العدد السادس (ربيع 1958)، أي بعد صدور المجلة بأكثر من سنة.قبلها وأثناءها، كنت قد تعرفت في بيروت عندما كنت أزورها صيف كل عام، في صالون يوسف الخال إلى حشد كبير من أدباء وكتّاب وشعراء الأمس واليوم، ممن قد تكون غدرت بهم الذاكرة بعد أكثر من خمسين سنة. وعندما كنت أعود إلى بيروت من كامبردج في العطل الصيفية، كنت حريصاً على تلبية دعوة يوسف الخال لحضور «خميس شعر» الذي كان يعقد مساء كل يوم خميس في فندق «بلازا» في الحمرا، قبل أن ينتقل فيما بعد إلى منزل يوسف الخال.وعلى الرغم من كوني شاباً مسيّساً، كانت صِلاتي ومعارفي وصداقاتي كلها في الوسط الأدبي، ومع الفنانين والشعراء، الذين كان معظمهم ينتمي بتفكيره السياسي إلى اتجاه مختلف كلياً عن اتجاهي، وكان ذلك شيئاً طبيعياً، من منظوري على الأقل، في تلك الأيام.

وقويت هذه الصلات، وتعززت مجموعة من الصداقات بيني وبينهم كلما ازداد هجوم «العروبيين» و«الناصريين» و«الشيوعيين» وأمثالهم عليهم، وكالوا الاتهامات لهم ب«العمالة» للغرب و«الأمبريالية». وكنت أشعر بحكم نشأتي وثقافتي الليبرالية، بمدى الظلم الذي يحيق بجماعة مجلة «شعر» من جراء حملات الاتهام والتجريح التي كانوا يتعرضون لها. وشعرت أن وجودي بينهم وصلاتي معهم، وأنا سياسياً مَنْ أنا، قد يشكل معنى من معاني التضامن الخفي أو المعلن.كنت آتي إلى «الخميس» زائراً في الصيف، مسلحاً بالرسائل التي كنت أكتبها بين الحين والآخر للمجلة عن الحياة الثقافية في انجلترا والشعر الإنجليزي الجديد الصادر في ذلك الحين. وكان سلاحي الآخر، بحكم ثقافتي الإنكلوساكسونية ووجودي في كامبردج، اطلاعي على أريشبولد ماكليش الذي قدم العدد الأول من «شعر»، وعلى ت. س. إليوت. وعزرا باوند وييتس ووولت ويتمان وإميلي ديكنسون وغيرهم من شعراء الإنجليزية، الذين كان يترجم لهم ويبشر بهم يوسف الخال. كل ذلك وسط جو تسوده الثقافة الفرانكفونية، مما رفع من قيمتي عنده، فصار يدعوني إلى «الخميس» كلما وصلت إلى بيروت، حتى استقريت فيها نهائياً في صيف 1961 . واستمر «خميس شعر» حوالي ثماني سنوات، طوال زمن صدور المجلة الأول بين 1957 و1964. وكان تجمعاً نادراً لم يتكرر، وإن قُلِّد.

ولم أكن في مرحلة الإصدار الأول عضواً في هيئة تحرير المجلة. ولا مطّلعاً على موادها، كذلك لم أكن طرفاً ولا مشاركاً في النقاشات التي كانت تدور في «الخميس» حول «قصيدة النثر» أو «الشعراء التموزيين» أو «النقد البنيوي» أو «اختراق جدار اللغة» أو «تأسيس كتابة جديدة» أو «القصيدة المدورة».

كذلك لم أكن طرفاً في تفجير الخلاف الذي استعر فيما بعد بين شوقي أبي شقرا وأدونيس، ولا في الصراع الذي ورثه أنسي الحاج بعد ذلك. كانت همومي الشخصية والمهنية، هموماً سياسية وصحافية. موضوع الشعر واللغة والترجمات كان موضوعاً «يطربني» أكثر مما كان موضوعاً يعنيني أو يهزني أو حتى يثيرني. كنت مستمعاً وجليساً جيداً في «خميس شعر»، ولم أكن مشاركاً في رأي له أي وزن أو قيمة قد يعدّل من سير النقاش في هذه الأمسية أو تلك.

كنت في صف الكومبارس وأمامي صف النجوم. كنت في الصالة، وكان هناك في البلكون: يوسف الخال وأدونيس وبدر شاكر السياب وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وسلمى الخضراء الجيوسي وخالدة سعيد وحليم بركات وعلي الجندي ونديم نعيمة وجورج صيدح وأنطوان غطاس كرم وبلند الحيدري وهشام شرابي وماجد فخري ونذير العظمة وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج وفؤاد رفقة ومحمد الماغوط وعصام محفوظ وجورج غانم وأسعد رزوق ومنير بشور وجورج شحادة ونزار قباني ويوسف غصوب وصلاح ستيتية وطلال حيدر وميشال طراد وفدوى طوقان وإبراهيم شكر الله وفؤاد الخشن ونازك الملائكة وغيرهم، ممن كانوا يحضرون كمشاركين أو زائرين.

أكثرهم كان يكبرني سناً، ومعظمهم كان يملك كفاءات لا أملكها، وأغلبهم كان من ثقافة وسياسة مغايرة لثقافتي وسياستي. كنت أجلس في صالون «خميس» هذا المسرح العظيم وأمامي هؤلاء النجوم الذين يصنعون الشعر ويغيرون من مسار تاريخه.

صحيح أنني كنت «كومبارس»، إنما كنت «كومبارس» قريباً من السلطة. ولم تكن السلطة سوى يوسف الخال.

كان يوسف الخال شخصاً رائعاً، ظريفاً، كريماً، محباً للفن والثورة والتغيير، له آراء في منتهى الطرافة، كانت تبهرني بالجديد الذي فيها، وتستهويني بجرأتها. كان صانعاً ومؤسساً ومتواضعاً ـ وأنانياً كذلك ـ إلى أبعد الحدود. للصداقة عنده أهمية ـ وخاصة مع الشعراء ـ لا يفرّط فيها بسهولة، مضيافاً يحتفي دائماً بالآخرين، كان مهووساً بموضوع اللغة العربية، يدعو إلى التخلي عن الإعراب وحركاته. لكنه يخالف الدعوة إلى الكتابة بالحرف اللاتيني أو الكتابة باللهجة الدارجة أو العامية. كان يفرح بالشباب وبالتجارب الواعدة. كان فناناً وشاعراً وصاحب مزاج وصاحب كأس. يقدر النكتة وإن كان راوياً سيئاً لها.

وعلى الرغم من الفجوة العميقة التي تفصل بين خلفيته الدينية المسيحية، وهو ابن قسيس بروتستانتي وسخريته الدائمة من العروبة، وميوله السورية ـ القومية الاجتماعية السابقة، اللبنانية الضيقة فيما بعد، وهو السوري الأصل المولود في وادي النصارى. وبين خلفيتي العروبية في حينه، كنت أشعر بالقربى نحوه. كان لا يعرف التعصب السياسي أو التشنج الطائفي. وكان أكثر ما يكون تسامحاً في شؤون الدين والدنيا. وكان يشفع لي دائماً عنده ثقافتي الإنكلوساكسونية وتربيتي البروتستانتية. كان بطريركاً حقيقياً للشعر، تحيط به مجموعة من الشعراء القساوسة، يرفعهم رتبة نهاراً، وينزلهم رتبة ليلاً. كان واسع الصدر، كبير القلب. وكنت أحبه.

وعلى الرغم من هوسي بالشعر، ومن مداراة يوسف الخال لي، فقد رفض أن ينشر لي «موت الآخرين»، أول ديوان شعر لي، في سلسلة منشورات مجلة «شعر» في صيف 1961، لأنه لم يكن في المستوى الشعري الذي يريده، ولم يكن مقتنعاً به. وكان جبرا إبراهيم جبرا أول من اقتنع بي كشاعر، وقدم للديوان بدراسة بعنوان «زحزحة الباب العملاق».

لكن هذا لم يقنع يوسف الخال بنشره. وأذكر يوم ذاك أنه «أخذ على خاطري»، وكان عمري يومئذٍ 24 سنة، فحملته إلى ناشر آخر وصدر عن «المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر» في بيروت لصاحبها فيكتور غريّب، وطبع بمطبعة قلفاط في الأشرفية. وهكذا أكد يوسف الخال أنني لست من شعراء مجلة «شعر». وعندما صدر «موت الآخرين» رفض أن تكتب عنه «شعر»، إلّا أنه في الوقت نفسه خصص «خميساً» بكامله لمناقشته، نشرت مداولاته جريدة «النهار» في حينه.

كانت هذه كل علاقتي بمجلة «شعر» حتى توقفها الأول في صيف ـ خريف 1964.

لذلك، وأمانة للتاريخ أقول اليوم إنني كنت على هامش «شعر» ولم يكن لي أي دور إطلاقاً في المجلة، حتى في مرحلة الإصدار الثاني (شتاء/ ربيع 1967 ـ إلى خريف 1970). وحين كنت في عداد هيئة تحريرها لم يكن لي أي رأي في أعدادها التي صدرت. كان يوسف الخال صاحب القرار الأول والأخير في الذي ينشر أو لا ينشر فيها، كأي رئيس تحرير حقيقي. ولا أذكر تماماً إذا كان شوقي أبي شقرا أو أنسي الحاج قد مارسا أدوارهما التي مارساها في حياة «شعر» الأولى.

خلال هذه الفترة كتبت فيها مجموعة مقالات نقدية ومراجعات لكتب. ونشر لي يوسف الخال قصيدة أو قصيدتين تشجيعاً. وكنت في هذه المرحلة معارضاً لإصدارها مرة ثانية عن «دار النهار للنشر»، مقتنعاً بأن المجلات التاريخية لا تموت إلّا كالأشجار واقفة، وأن لا قيامة ثانية لها مهما افتعل أصحابها إحياء عظامها وهي رميم.

وسايرت يوسف الخال في عناده لإصدارها ثانية، خصوصاً أنني كنت أعمل في «النهار» الجريدة، وكان هو يعمل في دار النشر، وأرادني أن أكون قريباً منه. وصدق ظني وتوقفت «شعر» بعد 44 عدداً على امتداد إحدى عشرة سنة في خريف 1970، وبعد أن باع نصف امتيازها لدار «النهار» عند إصدارها وفقد النصف الآخر عند توقفها. ولم يكن لي فيها سوى دور الصديق ليوسف الخال ودور رفيق الدرب المثقف لشعراء مجلته.

من قبل صدور «الناقد»، وحتى بعد توقفها، والبعض يحاول الربط بيني وبين مجلة «شعر». ربما للعلاقة الشخصية والصداقة الحميمة التي كانت تربطني بمنشئها الشاعر يوسف الخال. وربما لمهرجان الشعر العربي الذي أقمناه في لندن في صيف 1987، تكريماً لذكراه وشارك فيه عشرة شعراء وحضره حشد كبير من الناس. وكان بحد ذاته تظاهرة لا مثيل لها للشعر والشعراء. أعلنا فيها عن تأسيس جائزة باسمه، تُمنح لشعراء شبان عرب لم يسبق لهم أن نشروا من قبل. وهي الجائزة الوحيدة في العالم العربي التي كانت تمنح لشاعر على هذا الأساس. وقد فاز بها تسعة شعراء خلال خمس سنوات.

والربط بيني وبين «شعر»، بعضه حسن النية ينطلق من دور مجلة «شعر» الثقافي الريادي والطليعي والتقدمي في الخمسينات والستينات. وبعضه سيّئ النية يتعمد الخلط، وينطلق من السمعة السياسية الغربية واليمينية التي كانت لأشخاص مجلة «شعر» من وجهة نظر مجموعة من «العروبيين القوميين» و«الاشتراكيين الماركسيين» وفلول اليساريين، الذين عادوها لأسباب لا علاقة لها لا بالعروبة ولا باليسار ولا بالوطنية.

كما لا علاقة لها بالأدب ولا بالشعر ولا بالحداثة ولا بالتجديد. إنما هكذا كانت محاور الخلافات السياسية والثقافية في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم. فالحركة الشعرية كانت غارقة في الأيديولوجية وثقافة الأنظمة، مهووسة بالأفكار المناهضة للاستعمار، ومرهقة بالقضايا القومية التي كانت تجسدها في حينه قضية فلسطين وقضية استقلال الجزائر.

نتيجة لهذا الخلط أعطيت دوراً في مجلة «شعر» ليس صحيحاً، ولم أمارسه إطلاقاً، ولم أدَّعِه قط. إنما هو دور لبسني مع مرور الأيام. أما أنا فقد كانت لي علاقة ب«شعر» وبصاحبها يوسف الخال، إنما لم يكن لي أي دور فيها. وهناك فارق أساسي وعظيم بين العلاقة والدور. أما العلاقة فكانت حميمية مع يوسف الخال الشخص، وأما الدور فكان هامشياً مع «شعر» المجلة.

يبقى دور مجلة «شعر» في الثقافة العربية، وهو في رأيي دور مبالغ فيه. دور اخترعه الذين كانوا خارج مجلة «شعر». ودور عززه أعداؤها لتكبير دورهم، ودور ضخمه الجيل الذي لم يعاصرها. دور اصطُنع لها في عصر خَبَتْ فيه أنوار ثقافية كثيرة.

كانت «شعر» مجلة رائدة في عملية لفت الانتباه إلى حركة الشعر الحديث في العالم، محاولة أن تكون مخالفة للسائد الثقافي والسياسي في تلك الأيام، الذي كان منغلقاً ومتعصباً ومحكوماً بالمقولات التقليدية التي كانت تسمى «عروبية» أو «ماركسية» أو «اشتراكية» أو «قومية عربية». كان «المعارضون» لمجلة «شعر» الممثّلون بأصحاب هذه المقولات أسرى «دوغما» تيارات عصرهم. بينما كانت شلة «شعر» ليبرالية، غربية الاتجاه، مغامرة في بحثها عن الجديد، منفتحة على ذلك العصر، في وقت كان الانغلاق هو سمة الفريق المعادي لها.

ومع نمو حركة الشعر الحديث وتكاثر الشعراء الجدد، اصطُنع لمجلة «شعر» ـ وهي في رأيي ظاهرة عادية جداً ـ هالة لم تكن لها، ولا أعتقد أن مؤسسها طمح إليها أو أرادها. إنما أرادها شعراء الحداثة الجدد لتكون لهم «مرجعية» يختلفون عليها أو يتفقون حولها. ومع انتشار عصر الظلمات ومرور السنوات.

وبعد هدوء العواصف من حولها، أصبحت «شعر» تتراءى وسط مجايليها من المجلات العربية، المجلة الأكثر ضياء بمجرد المقارنة بين مجلات الأمس ومجلات اليوم. فقد كان لها هذا الوهج في عصر كانت الوحدانية السياسية والالتزام الثقافي ذو البعد السياسي هما النمطان السائدان. فحفظت «شعر» تعددية الألوان في الثقافة والأدب والشعر، على الرغم من أنها كانت هي نفسها مصابة بعمى ألوان معين انعكس على الكثير من مواقفها.كلمة ألقيت في ملتقى «الشعر العربي» في دمشق في 25/11/2008.

الحياد الإيجابي

لم أكن طرفاً في تفجير الخلاف الذي استعر فيما بعد بين شوقي أبي شقرا وأدونيس، ولا في الصراع الذي ورثه أنسي الحاج بعد ذلك. كانت همومي الشخصية والمهنية، هموماً سياسية وصحافية. موضوع الشعر واللغة والترجمات كان موضوعاً «يطربني» أكثر مما كان موضوعاً يعنيني أو يهزني.

رياض نجيب الريس




1635517346443.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى