ابراهيم عبد القيوم جيب الله - تكنيك الغموض في القصة القصيرة جدا.. قراءة

القصة القصيرة جدا تشغل حيزا صغيرا بالمقارنة مع القصة القصيرة و الرواية و هذا الحيز يستلزم مهارة من القاص لتوظيف فنياته ليخرج العمل بصورة تقنية متناسقة تتحقق بها رسالة الفكرة.
و هنا ننبه لضرورة تكنيك الغموض و ان يكون علي وجه مقبول يجذب القارئ و يحفز همته علي فتح مغاليق النص، و من المهم أن لا يتسم النص بالغموض المفرط فيقد قيمته الفنية
يقول الكاتب سعد محمد عبد الرحيم:
لا أدعو إلى الكتابة السطحية، وأجد أن أجمل القصص هي تلك التي فيها مسحة من الغموض، ووحدهم الكتّاب الكبار من بإستطاعتهم خلق قصة متقنة فنياً ومظللة بتلك المسحة السحرية المغرية. فالغموض مزية في القصة تُحسب لصالحها، و في ذات السياق يقول الكاتب العراقي رائد الحسن:
الغموض والإبهام في القصة القصيرة جدًا
الغموض المُحبَّب المطلوب هو الذي ينفتح على تأويلات وقراءات مُتعدِّدة وليس بمعنى التشفير أو تقديم النص كأحجية صعبة الفهم، بحيث يخرج القارئ من النص وهو لم يفهم أي شيء، بل علينا أن نوظَّف الغموض ليكون وسيلة لغاية وليس غاية بحد ذاته.
فهنا علينا استخدام الغموض والإبهام من خلال الرموز لشحذ التفكير والتأمل والوصول إلى فكرة يستنتجها ويستخلصها المُتلّقي.
لكن هذا لا يعني بان تصطبغ كل نصوصنا بالغموض، بل أرى أن فن القصة القصيرة جدًا (كأي فن أدبي آخر) له رسالة وهذه الرسالة يجب أن يتجلّى به بعض الوضوح والإبانة، لتصل الفكرة للقارئ وإن حاولنا ترميزها فعلينا أن نضع مفتاحًا في ثنايا النص حتى يهتدي بها القارئ لنساعده حتى لا يوغل في التيه في نصِّ لا يُفك طلاسمه.
سأقدم هنا تحليلا لقصة قصيرة جدا بعنوان "مصادرة" للكاتب السوداني مصطفي محمد نور "أبو حازم" لنتلمس مسحة الغموض فيها:
النص قصة قصيرة جدا:
------------
...مُصَادَرَة...
فِي ذِكْرَى المَعْرِكَة، صَدَرَ عَدَدٌ خَاص مِن مَجَلَّةِ الجيش، وأَنَا أُبحَث عَن كَشفِ التَعوِيضَات، اِسْتَوْقَفَتْني صور لخَسَائر العَدو، عَثَرت على سَاقِي المَفقودة!
------------
في المكون الداخلي لبنية النص إتحدت علائق الجُمل في نسيج تصاعدي متماسك، تكنيك طول و قصر الجُمل حصره الكاتب بين الجملة القصيرة و الجملة متوسطة الطول. علي مستويين الجملة الإسمية و الجملة الفعلية.
إعتمد الكاتب في الحكائية علي الجملة الإسمية مفردا لها مساحة واسعة في باحة النص، دالة الاسماء شكلت حضورا فنيا متميزا في تركيب الجمل و في مسار الحكي،"المعركة/المجلة/الجيش/أنا/كشف التعويضات/صور/العدو/ساقي" ، اما مدلولها فقد جاء متوافقا مع طقس النص السائد"الحرب".
علي الرغم من هذ الحشد للأسماء إلا انه لم يرهق الكاتب في مراحل السرد و لم يزعج القارئ، و قابله الكاتب بإدراج اربعة افعال فقط "صدر/ابحث/استوقفتني/عثرت" مما حقق له التوازن اللغوي المطلوب في السرد و هذا العدد المحدود من الافعال أفاد تكثيف النص إذ لم يتعد عدد اسطره الخمسة اسطر. و هو العدد الذي اقترحه و اتفق عليه غالبية النقاد.
وقف الكاتب خارح النص تاركا السرد للراوي و هو متكلم النص"أنا" و بطله :"و أنا /ضمير المتكلم في استوقفتني/عثرت و الضمير العائد في ساقي".
ايضا ثمة اشخوص مرموز لها ضمنيا في السياق" الجيش/المسؤلون عن كشف التعويضات/العدو".
في المنحي المعماري الشكلي استخدم الكاتب تقنية الثنائيات و احاط بنظامها بمهارة محكمة الثنائيات المتضادة "الجيش/العدو"، و المتوافقة"المجلة /الصور".
زمن كتابة النص في الماضي، زمن السرد الحكائي ورد موحدا علي الصعيد الرأسي للبناءبصيغة الماضي.
ثمة أزمنة متخيّلة ألمح آليها النص يمكن الإستدلال عليها عن طريق القرائن :
- زمن المعركة و زمن ما بعد المعركة بقرينة الدالة"ذكري"
- فقد الساق متزامن مع زمن المعركة بقرينة الدالتين"صدر و أبحث".
الحدث المحوري في ألنص "المعركة"، والتي نجمت عنها مٱساة بطل النص المشار إليها في القرينة اللفظية"ساقي المفقودة"
خاتمة النص هنا بمثابة رأس الرمح للنص بمجمله علي المستويين المتخييل ذهنيا عند الكاتب و المجسد نصيا علي الرقعة اظهر فيهما الكاتب مهارة فائقة بتحقيق عنصري"الدهشة و الحيرة" لخاتمته الشيئ الذي اكسبها جذبا و تطابقا بينها و بين القارئ إذ أشركته معها في عدد من الأسئلة كيف بترت الساق؟ و كيفية وجودها مع خسائر العدو؟ و ما يطرأ من أسئلة غيرها الإجابة تكمن في الدقة المتناهية لربط العنوان"مصادرة" بالخاتمة و الذي بلا شك عضدد لها الصادمية بعنصري الدهشة و الحيرة.
ابراهيم عبد القيوم "ابو منذر"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى