باسم الأنصار - قيامة الغياب.. قصة قصيرة

كمن يعوم في شطآن معبأة بالمجاهيل ، تحسس بأنامله اليابسة ،الجدران المقشرة للمكان الذي اجبره على اصطفاء القرفصاء ، لشدة ضيقه ، كحل امثل لأنهاء الليلة الاولى فيها ، بعد ان ضغط ذوي الاكف القاسية على كتفيه لرميه فيها ، كقطعة قماش مهملة ..
تلمس بأنامله مرة اخرى ، جفونه الذاوية بعدما كانت ملفوفة بقماش بلون الليل ، منذ لحظة تقييد جسده في احدى سياراتهم التي خبرها مرارا ، وحتى وصوله الى المكان الذي لم يكن غريبا عنه ابدا .. نثر همهماته في الفراغ طويلا .. ثم احس ، بأنه لم يبق امامه سوى تسليم جسده المصبوغ بالكدمات ، للعتمة التي كانت تدق مساميرها في المكان ، انتظارا لطلوع نهار تهمته المفترضة ..

ظلال الغيبة الصغيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتمثال ، كان متسمرا قبالة باب غرفته الملقاة لوحدها كطفلة يتيمة فوق سماء المبنى ، غارزا سهام بصره في جسدها المأهول ، بثقوب صغيرة متناثرة ، كانت قد سنحت الفرصة للهواء الممزوج بعبق الازقة الضيقة المحيطة بالمكان ، للولوج لبواطنها .. لكن رفرفة الطيور المحبوسة في قفصها الخشب الجاثم على يمينه ، سحبت اطراف عينيه صوبها ، وبثت الحراك قليلا في مفاصله المتصلبة ، ليحدجها بنظرة ثابتة الى ان انسابت السكينة في اجسادها .. باغته صوت رخيم ، فحمل وجهه الذابل صوب ذا الصوت الاتي من السلم الرابط بين قاع المبنى وسطحه .. كان الصوت يحمل بقايا كلمات الترحيب التي انهال بها عليه صاحبها منذ ان وطأت اقدامه المكان .. تبادلا الابتسامة وكلمات الشوق ، بشكل ينم عن عمق الرابطة بينهما .. وبنشاط جسدي دؤوب ، فتح زميله باب الغرفة ، معلنا له عن فتح باب ايامه مجددا بعد انغلاق دام عاما كاملا / .. كنت وقحا للغاية .. قال المحقق .. نصك المعنون ب( المقص) خبيثا ككاتبه .. احس ( عذاب) بانه سيصاب بتهمة من الدرجة الاولى .. النص ، كان احد احلامي الميتة التي اراها في منامي .. دنا المحقق منه وخزره بنظرة شرسة ، ممزوجة بابتسامة خبيثة .. كأني لم اسمع ماقلت .. صمت قليلا ، ثم اردف : فحوى نصك القصصي ، يقول ، بان مقصا كبيرا كان يدور في المدينة ، ليقص قضيب وفحولة كل رجل يواجهه .. وكانت انامل خفية تحركه .. ماذا تقصد بذلك ؟ .. حينئذ ، استسلم (عذاب) لقبضة الغياب القسري ، لمدة عام اخر ../
انكشف لهما جوف الغرفة الذي كان معبأ بسرير حديد صدئ ، مغطى بفراش معمد بأحلام ميتة ، ومقتنيات حقيرة اخرى .. دخلا بهدوء .. راح زميله يرتب الاشياء بسرعة : لم يدخلها احد بعدك ، لانني كنت واثقا من ان الغيبة هذه المرة ستكون صغيرة ليست كالاولى .. ارسل له ( عذاب) ابتسامة مزركشة بالوجع ، ثم القى حقيبته الخضراء على السرير .. اتمنى ان لاافارقها مجددا يانافع ...
ــ اتمنى ذلك ايضا .. رد ( نافع الشامل) ، وتركه وحيدا بعد ان وعده باحضار الطعام له .
احس بأن للعودة مذاق خاص .. عاد وفي نيته الطأطأة للريح مهما بلغت خفتها ، ولاغاية لديه سوى النظر الى اعماقه التي اكتشف وهو في غيابه القسري ، بانها النافذة الاجمل للاطلال على العالم ..
اجبرته حركة الطيور التائقة للانفلات من قفصها ، للخروج الى السطح مجددا .. فملأ صدره بحفنة من الهواء الربيعي الذي كان يرفرف بخفة في الفضاء .. انتعش جسده لذلك .. نادته الطيور مرة اخرى .. دنا منها بتان ، ثم سحب باب الخلاص لها ، فأطلقت الطيور العنان لاجنحتها ، لتخترق الفضاء ، بانتشاء عارم ، امتد لاعماقه المتطلعة الى التحليق دوما .. تمنى في سره ان يكون طيرا في يوم ما .. فالطيور برايه ، الوحيدة القادرة على الاقتراب من اسرار الشمس ..اسقط بصره على القفص مجددا .. تأمله طويلا ، ثم حشر جسده فيه ، بين الذروق وبيوتات الطيور الصغيرة ، وفوق الريش المتناثر من اجسادها .. جلس القرفصاء ، وراح يدخن بقوة .. شفط نفسا عميقا من سيكارته ، ثم نفث دخانها بحسرة ، فتضبب الخواء امامه .. رآى من خلل الدخان // مجموعة من الرجال المجهولين ، وهم يرتقون السطح بحذر .. راهم ، يبحثون بمسدساتهم عن غايتهم .. استباحوا غرفته بوحشية ، وهشموا احشاءها بعنف .. احدهم ، لم يطل البقاء فيها .. غادرها وبيده طيرا ابيض ، يلفظ انفاسه الاخيرة.. كان الاحدهم ، ينتف ريش الطير بلذة لم يرها من قبل .. ثم باتت عيناه تعلوان رويدا رويدا من جثة الطير ، لتستقرا بوجه ( عذاب) .. سحب الاحدهم ، مسدسه ، ووجه فوهته نحوه .. طاااااخ//
فز عذاب مذعورا .. فأنعتق من سطوة مخيلته القاسية .. فكر بان يطرد اثار المرآى الذي ارعبه ، فنفض رأسه ، وشفط نفسا اعمق من السابق ، مما حدا بخطوط وجهه العميقة ان تصبح اكثر عمقا..
ــ ماذا ستفعل ؟ .. باغته ( نافع الشامل) بصوته ، وهو يخنق بيديه قدرا صغيرا محشوا بالطعام .. بلل رؤوس اصابعه بلسانه ، وراح يفرك بها جمرة لفافته بهدوء .. الجلوس مع هذه الطيور ، هي كل ماتبقى لي من هذه الحياة .. قال بأنكسار .

ظلال الغيبة الكبيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في نهار احد الايام التالية من عودته من الغيبة الاولى ، تسلل من غرفته الملقاة فوق مبنى الفندق كطفلة يتيمة ، ليطوف في ارجاء المدينة لوحده .. مشط ارصفتها بقدميه ، ولملم حدائقها وشوارعها بعينيه المخضبتين بوجع السنوات الثمان المحترقة في اروقة الغيبة .. سحل خطاه المتثاقلة في نهاية النهار ، وقبع في احدى الحانات الليلية الضاجة بالامنيات الثملة .. دلق خمرة كثيرة في معدته الى ان احمرت عيناه ، وانزلق لسانه ، وسال لعابه .. ضحك كثيرا ، لتشظي احدى الزجاجات الفارغة فوق رأس احد المخمورين الذي ملأ المكان بثرثرته ، مما دفع ذلك باحد زملائه الى ان يهشم الزجاجة برأسه .. صرخ المخمور الثرثار والدماء تسيل على وجهه : انك متعجرف لانك لاتود سماع سوى ماتريد سماعه .. ثم لملم اشياءه بهدوء ، وانصرف من الحانة ..
اسلم ( عذاب) جسده للريح ، خارج المكان المترنح ،، وصار يرقص في شرايين المدينة كالطير المذبوح ، غير ابه لنظرات وتعليقات الاخرين نحوه .. استقرت السكينة في جسده ، ثم طوى دربه بتلقائية ، صوب زقاقهم القديم // جميع افراد اسرتك خطفهم الغياب بعد دخولك الى السجن .. فقد خطف الموت والديك بسهولة ، اثر مقتل ذياب ، وغيابك القسري .. قال ( نافع الشامل ) ، ثم استمر بكلامه بألم جلي : اما شقيقتك الوحيدة ، فقد غابت مع زوجها خارج البلد ،، ولم اعرف عنها اي شئ .. لذا اقترح عليك بالعيش في احدى غرف الفندق التابع لي //
عصر دموعه بجفنيه ، ولم يدعها تندلق .. لم يحبذ فكرة الدخول الى الزقاق ،(( الذي غادره الى الابد بعد ايام من عودته من غيبته الكبيرة )) كي لايصادف احد ابنائه ، الذي سيمطره كعادة ابناء الزقاق معه ، بكل جمل التبجيل والاحترام ، تقديرا لموقفه البطولي مع شقيقه ( ذياب) .. ثم راح يكركر مع نفسه ، حينما تذكر مشهد المخمور الثرثار وهو يضرب بالزجاجة الفارغة .. اعطى مؤخرته الى الزقاق ، وتوجه بتوجس ملون بالارتباك ، صوب النهر ..
ما ان وطأت قدماه شفة النهر الرملية حتى تباطأت خطاه المرتبكة ، وارتعش جسده ارتعاشة مبهمة .. لم يكن بأمكانه سوى الاستسلام للانهيار فوق الضفة .. تذكر جثة اخيه ( ذياب) المثقوبة بالرصاص ، وهي ملقاة فوق الضفة ، تتلاطم بها مويجات النهر الصغيرة المتقافزة منه / .. انت متهم بتقديم الخدمات القذرة لاخيك ( ذياب العلي) الذي كان ينتمي لحزب معاد للوطن .. (( لم يكن (عذاب) على علم باي من التفاصيل التي كان يقوم بها شقيقه ( ذياب) ، في تنظيمه السياسي السري )) .. لم يستطع ( عذاب ) دفع عنه تلك التهمة كلها .. لذا قضم الغياب ثماني سنوات من عمره ../
بكى .. بكى .. بكى بكاء كأنه كان مخنوقا منذ الاف السنين في صدره .. بعد ذاك اسلم وجهه وصدره بهدوء تام لرمال الضفة ..

شفة الغياب
ـــــــــــــــــــ
في ليلة شتائية ساكنة ، بعد رجوعه من غيبته الصغيرة ، انفتح على مصراعيه باب غرفته اليتيمة فوق المبنى بوحشية ، نتيجة دمغها باقدام رجال كانوا يشهرون اسلحتهم ، نحو جميع من كان في الغرفة .. هجم الرجال المسلحون على ( عذاب ) وزملائه ، ولفوا اذرعهم الى الخلف بشراسة ، بعد ان زرعوا الخوف فيهم .. ثم اصطحبوهم من المكان ، بصمت مريب ..

______________________

.. والله ياسيدي ، لم يحصل هذا .. كل مافي الامر ، هو انني كنت اقوم بكتابة عمل مسرحي جاد ، بناء على رغبة ( نافع الشامل) وزملائي الذين كانوا معي في اكاديمية الفنون الجميلة منذ سنوات طويلة ، والله ياسيدي لاخراجي من عزلتي التي لجأت اليها بعد خروجي من الزنزانة قبل عدة شهور ، وكذلك لرغبتهم بتقديم النص المسرحي في احد المهرجانات المحلية ، والنص الذي امامك ، يثبت صحة كلامي ..
افلت الجسد الضخم الشبيه بغول اجرد ، شتائمه المتلاحقة صوب ( عذاب) .. تكتب عملا مسرحيا لحساب ذلك التنظيم السياسي السري .. اليس كذلك ؟
ــ صدقني لا ، لا ..
ــ اخرس ، ( نافع الشامل) وزملاؤه اعترفوا بانتمائهم لذلك التنظيم العميل ..
اندلقت شفة ( عذاب) السفلى ، واتسعت احداقه المتورمة (( لم يكن ( عذاب) على دراية بذلك التنظيم ابدا )) ، ثم احس بان يدا مجهولة تقترب من رقبته بخبث ، محاولة سحبه من دون تردد الى دهليز الغياب الحالك ..


باسم الانصار
قاص عراقي مقيم في الدنمارك

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى