د. المختار حسني - التناص مجالات وتطبيقات في المغرب والعالم العربي.. القسم الأول

(القسم الأول به مقدمة وجزء من عرض إنجاز المرحوم عبد الله راجع في المجال)


تقديم:
بني التناص أساسا على السرقات الشعرية، قال الأخطل: «نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة»، وإن كانت تدخل فيه الأجناس والخطابات الأخرى سواء في القديم كما نبه على ذلك ابن طباطبا وحازم القرطاجني وغيرهما او في العصر الحاضر كما هو شائع لدى كثير من النقاد. هذا بالإضافة إلى أن التناص ليس محصورا في مصطلح "السرقة" وحده، وإنما تدخل فيه كثير من المصطلحات الأخرى؛ فقد رأينا ابن طباطبا مثلا يشتغل على مفهوم التناص على طول كتابه "عيار الشعر" دون أن يستعمل هذا المصطلح. وتعتبر كتب البديع أو كتب البلاغة التي تخصص أبوابها الأخيرة لعلم البديع منجما لهذه المصطلحات الدالة على التناص، والتي لا تزال بحاجة إلى ضبط وحصر، لما بين مستعرضيها من اختلاف قد يكون في كثير من الأحيان في مجرد اللفظ المقترح للاصطلاح. ومن المصطلحات الدالة على التناص: "التلميح" و"العنوان" و"التورية" و"التوليد" و"حسن الاتباع" و"الإيداع أو التضمين"...الخ. ودون أن نتقيد بذكر الأمثلة نورد تعريفات موجزة لهذه المصطلحات اعتمادا على حسين المرصفي باعتباره المحيي لهذه المصطلحات في العصر الحديث؛ فالتلميح هو «أن يشير المتكلم في كلامه لآية أو حديث أو شعر مشهور أو مثل سائر أو قصة...»، و العنوان هو «أن يذكر المتكلم لِمناسبة أغراضه ما يدل على أخبار شهيرة لأجل التأسي أو الاستشهاد أو الافتخار أو غير ذلك من المقاصد»، والتورية «لفظ يحتمل معنيين: قريب يتبادر فهمه من الكلام، وبعيد هو المراد بالإفادة»، والتوليد « على نوعين: أحدهما أن يستحسن الشاعر أو الناثر لفظا من كلام غيره في معنى فيستلبه ويضعه في معنى آخر...والمعنوي: هو أن يجد الشاعر أو الناثر معنى لغيره فيزيد فيه ويحسن العبارة عنه فيعد بديعا» وحسن الاتباع «هو عبارة عن أن يقصد الشاعر إلى معنى سبقه به غيره فيأخذه ليخرجه في صورة أحسن من الصورة التي كان عليها حتى يستحقه وكأنه لم يُسبق به»، والتضمين «هو أن يضمِّن الشاعر كلامه مصراعا أو أكثر من كلام غيره، وربما خص اسما لتضمين المصراع».وقد قال مجير الدين بن تميم مما يصح الاستشهاد به على فشو أخذ الشعراء عن بعضهم بعض [وافر]:
أُطـــالـِع كُـــلَّ ديــوانٍ أَراهُ ولم أَزْجُر عنِ التضميِن طَيري
أُضَمِّن كلَّ معنىً مُسْتَجادٍ فَشِعري نـِصْفُـهُ شِعْرُ غَـيري
وإنما شغلت السرقات الشعرية هذا المجال الواسع دون غيرها في النقد والبلاغة لكون الشعر من جنس الشعر أولا، ولكون العرب ثانيا أصحاب رواية منذ العصر الجاهلي، فكانوا يحرصون على نسبة كل بيت لقائله، ومن ثم حرصهم على تبين كل تسرب لبيت ما من قصيدة إلى أخرى خاصة في حال اتفاق الأوزان. ورغم ذلك فنحن نعلم أن كثيرا من الشعر بقي مختلط النسبة متداخلا بعضه ببعض. وقد زاد من هذا الحرص مجيء الإسلام وتثبيته لمنهج علمي متكامل للرواية في الحديث الشريف، انتقل أثره إلى مجال رواية الشعر فصار التوثيق ذا شأن كبير له علماؤه المتخصصون فيه يستجمعون أدواته سنوات طوالا. وفي مثل هذه البيئة لا نستغرب أن يشيع مصطلح السرقة الشعرية ذلك الشيوع وأن يعالَج تلك المعالجة، ويُبنى ذلك البناء الذي غدا صرحا نقديا شامخا يتسم بقدر كبير من العلمية والموضوعية في التناول والتحليل. وفي العصر الحاضر نجد "كريستيفا" التي أثارت قضية التناص تبدأ في الحقيقة من الرواية في مقالاتها الأولى، لكنها سرعان ما تحولت به إلى الشعر تحولا خالصا في تنظيرها وتحليلها. لم يكن لتحليلها لبعض النماذج كبير شأن بالمقارنة مع إنجازات النقد العربي القديم، فهي لم تزد على أن لاحظت مجالات النفي في التناص، وهذا مجال عالجه القدماء من العرب على الخصوص؛ ففي النفي الكلي مثلا أو الأخذ الذي يقلب المعنى، كما لاحظ ذلك د. إدريس بلمليح من الممكن أن نمثل له بقول المتنبي [كامل]:
أَأُحِبُّهُ وأحبُّ فيهِ َملامةً إِنَّ الملامَةَ فيه مِن أعدائِهِ
قلب فيه المتنبي قولَ أبي الشيص [كامل]:
أَجِدُ الملامةَ في هَواكِ لَذيذةً حُبّاً لِذِكرِكِ فليلُمْني اللُّوَّمُ
والنفي الجزئي مع إضافة معنى فرعي جديد يمكن التمثيل له بقول أعرابي (إن الندى حيث ترى الضِّغاطا) أخذه بشار بن برد فقال[خفيف]:
يسقُط الطيرُ حيثُ يَنتَثرُ الْحَبُّ (م) وتُغـشى منـازلُ الكُرماءِ
ولذلك فإن كريستيفا حسب رأيه لم تزد على أن نظمت مبحث السرقات تنظيما جديدا. فشهرة التناص راجعة إلى خلفيته الإيديولوجية بالأساس، وهذا الجانب الإيديولوجي هو الذي عملت "الطليعة" في المغرب على نقله إلى الساحة الثقافية بصفة عامة والأدبية منها بصفة خاصة، فكان "بيان الكتابة" لمحمد بنيس، و"حاشية على بيان الكتابة" لأحمد بلبداوي و"الجنون المعقلن" لعبد الله راجع؛ عملوا جميعا في الجانب النظري وعضدوه بالجانب التطبيقي، ولا زالت آراؤهم، وهي، أصلا، آراء محمد بنيس، سارية المفعول ليس في المغرب فقط وإنما في البلدان العربية أيضا ضمن بعض المساهمات العربية في دراسة التناص. ومن هنا تنبع أهمية إعادة النظر في " جهازهم النظري " وتمحيص نجاعة جانبه التطبيقي أثناء دراسة عملية التناص للتعرية عن الخلفية الإيديولوجية الكامنة خلف الدعاوى الفنية. ومن ذلك الدراسة التي سبق نشرها على قسمين في جريدة الشمال بعنوان التناص في الإنجاز النقدي، نموذج محمد بنيس. وسأتناول في حلقات بعضا من الإنجازات الأخرى في المغرب والعالم العربي إلى حدود سنة 2000.
التناص مجالات وتطبيقات
I-في المغرب
1.عبد الله راجع:
يعزو عبد الله راجع فضيلة اكتشاف التناص، مصطلحا ومفهوما، إلى الغرب «فإن كل نص شعري جديد إنما هو إضافة، وليس خلقا من لا شيء. ولقد تحدد هذا المفهوم منذ بداية القرن مع "إليوت" في مقالته عن التقاليد والموهبة الفردية»(). وكان أولى به أن يبحث في التراث النقدي العربي قبل إصدار هذا الحكم المطلق؛ فابن رشيق مثلا كان يقول: «وقد علمنا أن الكلام من الكلام مأخوذ وبه متعلق»() و«سأذكر شيئا من شعر المعري يستدل به سامعه على أن الكلام من الكلام وإن خفيت طرقه وبعدت مناسبه»(). وبعد أن نسب الباحث هذه الفضيلة إلى الغرب التفت إلى العرب ليقول بأن "السرقة" مرتبطة في أذهانهم بالسطو وأنه «لم يتوفر لهؤلاء النقاد مجال التفكير في العملية باعتبارها توظيفا للموروث لا سطوا عليه، ولم يتمكنوا، تبعا لذلك، من طرح سؤال يتصل بالأسباب التي حدت بالشاعر المحدث إلى اللجوء إلى الموروث»(). ثم استثنى، كما يرى، بعض "الفلتات"، عند العسكري والقاضي الجرجاني التي لا تتجاوز التبرير. ولم يحظ بثنائه سوى عبد القاهر الجرجاني(). وهذا إجحاف كبير في حق النقد العربي، وأحكام غير مسؤولة، ما دامت غير مبنية على دراسة مفصلة في الموضوع؛ ففي الأمثلة التي أوردناها، وحدها، ما يكفي ويزيد لرد هذه المزاعم، فكيف إذا نظر الدارس إلى كل منجزات النقد والبلاغة، لا في الكتب المتخصصة فقط، وهي كثيرة، بل وفي كتب التفسير والشرح والمعاني والتاريخ والأخبار...؟. ولكن الباحث يقيس على الشاذ والمستثنى وعلى ما قاله أصحاب الأهواء البادية أهواؤهم. ولا يتأمل في المقابل، بما يكفي، أقوال النقاد العلماء وتطبيقاتهم في هذا المجال؛ وكما يقول د. أمجد الطرابلسي «فإن لفظة "السرقة" فقدت لدى هؤلاء النقاد معناها الحرفي لتصبح مصطلحا متداولا على ألسنة العلماء، دونما قصد إلى التنقيص أو الاحتقار»().
بعد هذا التقديم، يسرد الباحث أهم المجالات الثقافية التي "يصح" –حسب تعبيره- أن تشكل نصا غائبا؛ وهي الذاكرة الشعرية والأحداث التاريخية والفكر الإنساني والكلام اليومي متبنيا المنهج والأدوات التي شغَّلها د. محمد بنيس مع تعديل طفيف في المفهوم من "قانون الاجترار"؛ فعند عبد الله راجع نجد أن «القبول الحرفي للنص الغائب لا يعني الاجترار دائما، وإن كان الاجترار ألصق به من غيره»(). ثم هو مع ذلك، يعتبر الاجترار مرحلة عفا عليها الزمن()، وإن ظهرت في نصوص ما فإنما هي النصوص الكلاسيكية، فما ترسب فيها من طرق في الأداء، في نظره؛ «تؤكد "تخلف" أصحابها عن مسايرة تطور الحساسية الشعرية، وتقوم دليلا على استمرار الفهم الكلاسيكي للكتابة الشعرية حتى في فترة غربت خلالها شمسه. وكيفما كان الأمر فإن تشبثنا بمفهوم المعاصرة يقتضي صرف النظر عن نصوص، كهذه، تكشف عن قصور إبداعي رهيب»()!
فبهذا النفي والإقصاء والاتهام بالتخلف، وصرف النظر، والإيمان "الأعمى" بسيرورة الأمور دائما إلى الأفضل، كلما تقدم الزمن كما يعبر هو بالحرف حيث يقول: «إن هذا التطور في الوعي لا يعرف قفزا أو نكوصا وإنما يتحرك تصاعديا تبعا لتصاعد حركة الواقع»()؛ بهذا يُعلي الباحث راية الشعر "المعاصر" باعتباره وارثا للكلاسيكية التي يرى أنها في حكم الميت، حتى وإن كانت تظهر بين الحين والآخر حسب اعتقاده.
أما في تحليل الباحث للشعر المغربي المعاصر –فيما يخص موضوعنا- فقد وقف طويلا عند النصوص وأعطاها حقها من التحليل والمقارنة، غير أن ذلك كان يتم دائما في إطار معايير الاجترار والامتصاص والحوار مع غير قليل من المحاباة لبعض الشعراء دون بعض، فالانتقاص لا يقع مثلا، إلا على شعر "الأمراني" أو "عنيبة الحمري" أو "بنيحيى عبد اللطيف"...ليس في التناص فحسب، بل وفي معظم المكونات المدروسة() ففي أول النماذج لدراسة التناص يورد مثالا للأشعري من قصيدته "الموت والميلاد على خارطة الوطن":
وكلما بَكِيتُ
سمعتُ مِن حَوْلِيَ صَوتاً كَريهاً يُشبِه الفَحيح
"إذا ما بكى من خلفها انصرفَت لهُ
بِــــشِــــقٍّ وتَحتِي شِـــقُّــها لم يُـــحَـــوَّلِ"
ووجهُها الذي تُدير لي
سحقا له من وجه()
ويلاحظ الباحث توظيف الأشعري بيتَ امرئ القيس في هذا المقطع، من "معلقته المشهورة توظيفا حرفيا" إلا أن "المناخ السائد" في كل من القصيدتين مختلف، وهذا يؤكد «حقيقة...وهي المتمثلة في أن السياق الجديد قد يتدخل ليمنح المقطعَ المضمَّن دلالةً مُغايرة. إن هوس امرئ القيس بالخمرة والجنس يدانُ هنا إدانة واضحة...وإننا لنرى هنا أن الأمر ليس من قبيل الاجترار في شيء، لقد وظف الأشعري بيت امرئ القيس لينسف دلالته نسفا كاملا». ثم يثني الباحث بنموذج لمحمد بنيس في توظيفه للأغنية الشعبية من قصيدته "أنبياء على طول وعرض الوطن" :
طوفي أيتها المحمومة في تاريخ الصيف
طوفي
شعبا يتسلق يوم الحلم
طوفي
تنهار القبة من أعلى الأسفل
طوفي
لا تنقطعي
طوفي
هيلي يوى
طوفي
هيلي يوى
طوفي
أيتها المحبوسة في الطوفان()
فيقول الباحث بأن الشاعر «يوظف في هذا المقطع الأغنية الشعبية توظيفا جيدا...والمقطع [من هذه الأغنية] مرتبط بالرقص من جهة وبمناخ السهرات والعربدة من جهة ثانية. إلا أن توظيف الشاعر لهذا المقطع من الأغنية الشعبية لا يوحي بتاتا بالدلالات الأصلية لهذا المقطع...لاشيء من هذه الدلالات يظل ثابتا في مقطع بنيس، هنا طواف من نوع آخر هو أقرب كما يقول الشاعر في نهاية المقطع... إن النص المضمَّن هنا يُنْسَف، كما نرى، نسفا كاملا»().


- جريدة الشمال



1652094847244.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى