د. المختار حسني - التناص مجالات وتطبيقات في المغرب والعالم العربي.. القسم الثاني - تتمة

القسم الثاني
التناص. مجالات وتطبيقات.
(تتمة عرض إنجاز المرحوم عبد الله راجع في المجال).


هذا، وإن كان الباحث قد تتبع بيد خبير أوجه الشبه والاختلاف في عملية التناص عند الشاعرين فإن ما أ شرنا إليه من عنف اللغة لدى محمد بنيس يتكرر هنا عند عبد الله راجع، فلغة التدمير، في نظره، من خصائص الشعر "المعاصر" !، وهذا الاعتقاد المستبد برؤية الباحث يفسد عليه ما توصل إليه في التحليل، لأنه يعتقد بأن "التدمير" و"النسف" هو الذي يتحكم في "لعبة" التشابه والاختلاف، وقد يفسد عليه التحليل ذاته فيعرض عن الانتباه إلى هذه "اللعبة" وتكل أدواته إذا رأى مسبقا أن النموذج الذي سيتناوله ليس من النوع المدمر. وهذا ما وقع للباحث، مثلا، مع الشاعر عنيبة الحمري، فبعد النموذجين السابقين يأتي دوره فيورد له من قصيدته (مرثية للمصلوبين) قوله :
"بأي مشيئة عمرو" تعاتبنا على الأحلام
تحصي كلام الليل والإشراق
وكلَّ ملامح التعريف
تمازجت الحقيقة بالخيال
فبدِّدوا الأوهام
تحطمت الخرافات الخوالي وانقضى ما كان
في الأذهان
من التلفيق والتحريف()
مضمنا قول عمرو بن كلثوم [الوافر]:
بِأيِّ مَشيئةٍ عَمرَو بنَ هِندٍ تُطِيعُ بِنا الوُشاةَ وَتَزدَرِينَا
تَهَـــــــدَّدْنَا وَأَوْعِــــــدْنَا رُوَيْــداً مَتى كُنّا لأُمِّــــــــكَ مَقْتَوِيـنَا()
وضمن مناقشة يبدو فيها كثير من التمحل، يقول الباحث: «كان ينبغي، في الواقع، أن يزال القوسان لنجد أنفسنا، لا أمام نص مضمن ومنصوص على تضمينه، بل على نص احتُذي احتذاء»(). ويورد مزيدا من شعر عنيبة الحمري وابن كلثوم متمحلا التأويلات المناسبة لإيجاد التطابق بين معاني الشاعرين، مع أن ما قالاه مختلف في "النظم" على حد تعبير عبد القاهر الجرجاني، وهي الفكرة التي نالت إعجاب الباحث في مكان آخر، قبلُ، حين استخرجها من نص لإمام البلاغة فعبَّر عنها بقوله: «أما الكلام فلا يمكن أن يؤدي معناه بعبارات مخالفة، وكان عبد القاهر ينتبه هنا إلى المجال النفسي المحيط بكل كلام؛ فقد يُؤتَى بالعبارة حرفيا، ومع ذلك يظل المقام مختلفا، فكيف يعقل أن يرد المعنى الموروث بعبارات مخالفة داخل النص الجديد ثم نقول مع ذلك بأن المعنى هو هو»(). فهو هنا يزكي كلام عبد القاهر في كون الشاعر لا يقول الشيء نفسه وإن أخذ نفس العبارة لشاعر آخر. فكيف يستقيم إذن، أن تكون معاني عنيبة الحمري هي نفس معاني عمرو بن كلثوم، والحال أن العبارة أيضا مختلفة!؟ وكيف يستقيم أن نطلق على ما قام به عنيبة مصطلح "الاحتذاء" وقد اطلع الباحث، على توضيح المفهوم من هذا المصطلح لدى عبد القاهر الجرجاني ضمن رده على فهم القاضي عبد الجبار المضطرب؟ فمن الأمثلة التي يقدمها الباحث دليلا على (الاحتذاء) أو تطابق المعاني بين الشاعرين، بالإضافة إلى ما سبق، قول عنيبة:
كأنك تجهل الأيام
تمازجت الحقيقة بالخيال
فبددوا الأوهام
وقول عمرو بن كلثوم :
فإنَّ قَـنَاتـنا يـا عَـمْرُو أَعْــيَـتْ علــــى الأعــداءِ قَـــبـْــلَــكَ أَنْ تَـلِـينَـا
فَهل حُدِّثْتَ في جُشَمَ بْنِ بَـكرٍ بِـــنَـقْــصٍ في خُطـــوبِ الأوَّلــــينــــــا()
فالنموذجان، عنده، متطابقان! لكونهما معا يتحدثان عن تجاهل الآخر للحقيقة الواضحة وهي قوة الخصم(). هكذا يقضي الباحث بين النموذجين دون أن يتحدث عن السياق أو "المناخ السائد" كما فعل مع الأشعري وبنيس، ودون أن يتحدث عن العَمْرَين (ابن هند، وابن كلثوم) اللذين يقصدهما عنيبة الحمري كما فعل الأشعري الذي استحضر شخصية امرئ القيس فقال الباحث في صالحه مقررا: «أليس في الأمر ما يدعو إلى اعتبار امرئ القيس شخصا معاصرا من هؤلاء الذين يملكون القدرة على امتلاك أي شيء؟». والحقيقة أنه لو كان قد فعل لوجد أيضا مناخ عنيبة غير مناخ عمرو بن كلثوم، و"عمْرَه" غير "عَمْرِه"، ولوجد عنيبةَ غيرَ عمرو بن كلثوم، إلا أنه لم يفعل لعدم عثوره على آثار للدمار والنسف ! هذا مع العلم أنه، حتى وإن لم يعثر على مثل هذه الآثار لدى الأشعري، فإنه يلتمس له المبررات، على سبيل المثال، حين لم يزد الأشعري على أن"نظم" و "اجتر" سيرة أبي ذر الغفاري() فأعلى الباحث من شأنه ما شاء. ولعل "تعديل" الباحث ل"قانون الاجترار" الذي سبقت الإشارة إليه أن يكون تم تفصيله على مقاس مثل هذه الحالات الطارئة، وليس لحاجة علمية، قال الباحث عن قصيدة الأشعري: «والقصيدة في هذه الحدود لم تزد على أن روت حقيقة تاريخية سجلتها شخصية أبي ذر الغفاري. ولكن من العبث أن نتصور أن الشاعر إنما أراد أن ينقل هذه الحقيقة التاريخية شعرا إلى الناس، وحتى في حالة كهذه يظل السؤال مطروحا عن الأسباب التي أدت بالشاعر إلى اختيار شخصية أبي ذر دون غيره وعن الدافع إلى العودة إلى التاريخ بصفة عامة»(). وبعد الحديث عن هذه القصيدة مرة أخرى() يذكر نظائرها في التعامل مع مثل هذه الشخصيات قال: «من بينها بعض قصائد الشاعر عبد الله راجع...»()
فالباحث هنا يحترس وينزه هؤلاء من أن يكون قصدهم إعادةَ الماضي واستنساخَه، بينما يُلزِمُ، في المقابل، أمثالَ عنيبة الحمري بإعادته!.
لقد أشرنا في هذا العرض إلى نماذج النص الغائب التي حللها عبد الله راجع في مجالات الذاكرة الشعرية، والتاريخ، والكلام اليومي، ونورد في الأخير تعامله مع النص الغائب المتمثل في القرآن الكريم والذي نراه قاصرا كما وكيفا، رغم تصريح الباحث بأن "للقرآن حضوره القوي في المتن"()، فمن حيث الكم لم يشر الباحث إلا إلى قصة مريم عليها السلام وهي تهز النخل، وقصة نوم أهل الكهف، وقصة تكليم الله سبحانه لموسى عليه السلام، مما هو مشهور تناوله بين النقاد، وأَدخَلُ في تأثير الكتاب المقدس في الشعراء والنقاد عن طريق الشعراء المسيحيين غربيين وعربا، أكثر مما هو داخل في الاستمداد المباشر من النص القرآني()
أما من حيث الكيف فيظهر ذلك في عدم توثيق النص القرآني أو إرجاعه إلى"مناخه السائد" حسب تعبيره، كما فعل مع كثير من النصوص العادية، أوفي تعليقاته السريعة بعد إيراده لنماذج شعرية؛ فبعد تمثيله لنموذج من شعر محمد بنطلحة يقول: «والنص الغائب وراء هذا المقطع، تلك الآية القرآنية التي نقتطف منها وَهُزِّي [إِلـَيكِ] بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ [عَليكِ] رُطَباً جَنِــيّاً...»(). وبعد نموذج لأحمد بلبداوي، يقول: «نلاحظ هنا كيف تتوارى خلف هذا المقطع سورة أهل الكهف[كذا]()، بل إن النص بكامله يستوحي صورته وروحه العامة من هذه السورة التي أخذت في القصيدة طابعا رمزيا جذابا»(). وبعد نموذج للشاعر أحمد بنميمون يقول: «وتتكرر في هذا النص مفردة الجبل جبل "الكلمة والحكمة" الجبل الذي يعطي للناي الصادح في الشفتين الإنشاد العذب. وتظهر صورة هذا الجبل الذي سيتكلم فيه المعبود مع عبده»(). وهذا كل ما فعله مع النص القرآني .
لا نريد هنا أن نناقش كل ما ورد في البحث، ولكن حسبنا أن نستخلص من ذلك أن تدخل الإيديولوجيا، فيما اعتقد، والإحساس المسبق بالتفوق على الآخر في المجال الشعري، واستخدام معايير غير محايدة تبعا لذلك…عناصر كفت كثيرا مما كان ينتظر أن ينجزه عبد الله راجع وكذا محمد بنيس في الموضوع لما لهما من مكانة علمية وذوق شعري وطاقة نادرة على البذل والعطاء.




1652095116795.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى