د. المختار حسني - التناص مجالات وتطبيقات في المغرب والعالم العربي.. ه- في العراق

هـ - في العراق:


كان الأستاذ حاتم الصكر قد أشار إلى مفهوم التناص في كتابه: "كتابة الذات" حين تعرض في فصل من فصوله إلى تحديد موضوع الدراسة فيما سماه "ما بعد النص". وهذا عنصر من بين عناصر ثلاثة تُكون الفصل: "ما قبل-ما حول-ما بعد" ، ويقصد بها، كما يقول، الجوانب التالية:
1.«ما قبل النص: ما يسبق النص من معلومات ومعطيات قَبْلية…كسيرة الكاتب وزمن النص ومناسبته…الخ.
2.ما حول = التناص: ما يحدث داخل النص من احتواء مضموني أو شكلي.
3. ما بعد النص: ما يرِد عند تقديم النص للقارئ أو يطرأ بعد إنتاجه»( ).
وهذا الجانب الأخير هو المعني بالدراسة لدى الباحث، والذي يسميه "جيرار جنيت": النص الموازي أو العتبات، مما لم يرد ذكره عند الباحث، ومع أن الدراسة مخصصة لهذا الجانب فقد خصص للتناص تعريفا، وقال بأنه مفهوم: «يشير إلى علاقة النص بسواه إما بطريق التضمين أو السرقة أو الامتصاص أو المعارضة أو المناقضة أو المحاكاة الساخرة، وربما كان التناقض( ) داخليـا بطريق إعادة إنتاج سابق للشاعر نفسه»( ) وهذا تعريف ردده كثير من الباحثين غربيين وعربا، إلا أن الباحث، وكأنه أحس بشيء من التقصير في التعريف، أحال في هوامشه على بعض المراجع وهي مجلة "ألف" المصرية التي مر ذكرها، دون أن يذكر لا الصفحات ولا صاحب المقال د. صبري حافظ، وأحال على كتاب د. محمد مفتاح "تحليل الخطاب الشعري –استراتيجية التناص"، ثم بعد هاتين الإحالتين يقول: «أما التداخل النصي، فهو التواجد اللغوي لنص آخر»( )، و"يوثق" هذا القول بالإحالة إلى كتاب "جامع النص"( ) [كذا] لجيرار جنيت. وهذه الإحالة تدل على أن الباحث يظن بأن التداخل النصي شيء غير التناص، وهو وهم، لأنه لم ينتبه إلى أن جيرار جنيت نفسه إنما يتحدث، في المرجع الذي أشار إليه الباحث، عن التناص لا عن شيء آخر، وإذا كان قد وجد هناك ما يسمى "التداخل النصي" فإنما هي فقط الترجمة التي اختارها مترجم "مدخل لجامع النص" ذ. عبد الرحمن أيوب لمصطلح التناص Intértextualité. وأظن أن الذي زاد من التشويش على الباحث، بالإضافة إلى مصطلح التداخل النصي، حديثُ "جيرار جنيت" إلى جانب التناص عن "التعالي النصي"، فوهم أنهما سواء، بينما كان قصد صاحب "مدخل لجامع النص" بيان أن "التعالي النصي"( )، أعم من التناص، وأن التناص جزء منه، ولتوضيح جزئيته يورد ذلك التعريف المحدد. وهذا سياق كلام "جيرار جنيت": «لا يهمني النص حاليا إلا من حيث "تعاليه النصي"، أي أن أَعْرِف كلَّ ما يجعله في علاقة خفية أم جلية مع غيره من النصوص: هذا ما أطلقُ عليه "التعالي النصي" وأضَمِّنُه "التداخل النصي" بالمعنى الدقيق والكلاسيكي منذ جوليا كريستيفا. وأقصد بالتداخل النصي: التواجد اللغوي (سواء أكان نسبيا أم كاملا أم ناقصا) لنص في نص آخر، ويعتبر الاستشهاد أي الإيراد الواضح لنص مقدم ومحدد في آن واحد بين هلالين مزدوجين أوضح مثال على هذا النوع من الوظائف …»( ). وهذا الكلام كان جيرار جنيت قد زاده بيانا في كتابه "أطراس".
وإذا كان ذ. حاتم الصكر قد تطرق للتناص بشكل عرضي في هذا الكتاب، فإنه قد تناوله، وفي جانبه التطبيقي، في دراسة له بعنوان "قصيدة النثر والشعرية العربية الجديدة"( )، ضمن مكونات أخرى لهذا النوع المسمى "قصيدة النثر"، ويرى أن التناص هو «إعادة حياة عدد من النصوص في النص الجديد»( ) ويشير إلى خمسة أنواع من التناص، وهي:
1.«الإشارة إلى النص الأول واستدعائه بدءا من العنوان ومن خلال أبرز دلالاته، وهو نوع بسيط من التناص»( )، ويمثل لهذا النوع بقصيدة "ليل إلى امرئ القيس" لسيف الرحبي :
لَيلٌ لا يُمْكِنُكَ أنْ تُقَطِّعَهُ بِمِنْشَارٍ
أَحْياناً يُشْبه مُهَرِّجاً فِي سَاحَةٍ عامّة
…لم يُرْخِ سُدُولَهُ بَعْدُ
… ليلٌ وَعْرٌ
وقد أرخى سدولَه على عُنُق العَالمَ( )
ويقول معلقا على القصيدة من وجهة التناص: «وهي تقترب، وتبتعد، من ليل امرئ القيس، مرة بتضمين عبارات (أرخى سدوله)، و (لم يرخ سدوله بعد) وأخرى بالابتعاد عنه مسافة كافية لإثارة دلالاته …»( ).
2.«استثارة جوهر النص الأول دون تفاصيل ليقوم بمهمة شعرية خالصة في النص الجديد، ونموذجه قصيدة "نورى الجراح": (الحائكة)»( )
الجميعُ يَنزِلُ ويَذْهَبُ
… إلا أنا
…باقٍ على المقعد
بأطرافٍ تَكسَّرت من الرجرجة
أتأمل الحائكة العمياء
مستغرقةً
إلى أن ينفُذ النورُ من جدار حِياكَتِها( )
حيث تستحضر الشاعرة هنا قصة "بنيلوب" التي تنتظر عودة "أوليس" وفي انتظارها تغزل وتنقض ما غزلت «فيتخلق بهذا التناظر المقتصد والمؤثر مشهد عبثي يضج باللاجدوى والخواء»( ).
3.«إعادة بناء النص الأول بعد تحوير متنه ودلالاته، وهذا ما فعله "فاضل العزاوي" في تمثل منزل "كافكا"…»( ) في قصيدته "عندما وصلنا إلى بيت كافكا متأخرين":
تَرَكْنَا بْرَاغَ وَراءَنا
…بَاحثِينَ عَنْ بَيتٍ أسْوَدَ
يَسْكُنُهُ فْرَانْزْ كَافْكَا…( )
4.تَمَثُّلُ لغة نصٍّ آخر أو أسلوبِه؛ كاستعارة "حلمي سالم" للغة المدونات العربية الشعبية ذات المنحى الحكائي كألف ليلة وليلة، في قوله:
أيُّها الإِنْسِيُّ الدَّفِينُ
هِيتَ لَكَ أيُّهَا الإِنْسي الدّفين( )
5.التناص الذي يحاكي «المخطوطة العربية القديمة في الهيئة الكتابية وتوزيع الأسطر الشعرية، والعناوين، والاستدراكات، والهوامش، حتى تبدوَ الورقة جزءا من مخطوطة»( )، ويقدم الكاتب مثالا على ذلك العملَ الشعري "جوائز السنة الكبيسة" لرعد عبد القادر( )، إلا أنه لا يمثل لذلك بنموذج من شعره. وإن كان هذا النموذج والنموذج الذي سبقه لا يدخل –حسب تقديري- في التناص، وإنما يدخل في باب التأثر بخصائص الحكي في النموذج الأول (رقم 4)، والتأثر بأشكال المخطوطة العربية عموما (في رقم 5) ، وفي كلا الحالين لا يحيل النص على خطاب معين في نص محدد نستطيع موازنته مع كل مكوناته للنظر في قلبه أو نفيه أو تعضيده، فقول "حلمي سالم": "أيها الإنسي" ليس كافيا لاعتباره تناصا مع ألف ليلة وليلة، بينما تمثل ذلك عبارة "هيت لك" في تناصها مع القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان امرأة العزيز وَغَلَّقَتِ الأَبْوابَ وَقَالَتْ هِيتَ لَكَ…) (؛ لكونها تشير إلى نص محدد. أما العموميات التي مَثّل لها الباحث فَأَدْخَلُ في التأثر بالمصادر الأولى(2) منها في التناص. ومن هذا القبيل، أيضا، وللتوضيح، المعجم الرومنسي والروح الرومنسي لدى شعراء هذا الاتجاه، إذ يمثل ظاهرة متفشية ولا نستطيع، مع ذلك، أو لربما، بسبب ذلك الادعاء بأن قصيدة شاعر رومنسي ما تحاور بالضبط قصيدة شاعر معين في نفس الاتجاه. ذلك لأنهما معا شركة في نفس الخصائص مع غيرهم، فالنسج على منوال اتجاه ما وتقليدُه في أسلوبه وطريقته لا يتضمن بالضرورة تناصا، فقد يكون تأثرا من نوع النصية المتفرعة التي تحدث عنها "جيرار جنيت": «قول نفس الشيء بطريقة مغايرة، وقول شيء مغاير بنفس الطريقة»( )، إلا أن يُنقل التعبير "الخاص" أو ما كان يسميه ابن رشيق "خاص البديع".
ويختم ذ. حاتم الصكر دراسته بكلام نختتم به هنا هذا العرض وهو: «إن الإفادة من التناص هنا، تمنح قصيدة النثر إيقاعا خاصا تُقرأ على أساسه، وهو يجعل لها كيانا علائقيا يحيل إلى ما يذخر القارئ من تجارب، ويثير من خلال الوقع أو الأثر المتحصل بالقراءة كوامنَ الشعر في وعي المتلقي ودواعيَ الحرية والرفض في أعماقه التي تجمدت وجفت بما اعتراها من تكرار للنماذج، ورتابة في الرصف»( )./.
.............
الهوامش
– من هذا الاهتمام، مثلا بدء إصدار النادي الأدبي بجدة مجلة "علامات في النقد الأدبي" برئاسة د. عبد الفتاح أبو مدين، منذ ماي 1991. وتعنى بالأبحاث والدراسات العربية والمترجمة.
– وقد تضمن عدد كبير منها مقالات ودراسات وترجمات ومناقشات حول مفهوم التناص نحيل هنا على بعضها:
- "فكرة السرقات الأدبية ونظرية التناص"، د. عبد الملك مرتاض، ج:1، مج:1، ماي 1991؛ ص: 69-92.
- "ملاحظات وتعقيبات على السرقات والتناص"، د صالح معيض الغامدي، ج:2، مج: 1 ديسمبر 1991؛ ص: 183-189.
- "التناص عند عبد القاهر الجرجاني"، د. محمد عبد المطلب، ج: 3، مج:1، مارس 1992؛ ص: 49-89.
- "النص والتناص"، د. رجاء عيد، ج: 18، مج: 5، ديسمبر 1995، ص: 175-208.
- "التناصية"، مارك أنجينو، ترجمة محمد خير البقاعي، ج: 19، مج: 5 مارس 1996؛ ص: 123 –156.
- "(المعارضات الشعرية) بين التقليد والتناص"، حسن البنا عز الدين، ج: 20، مج: 5، يونيو 1996؛ ص: 84 –107.
- "التناصية"، ليونسومفيل، ترجمة وائل بركات، ج: 21، مج: 6، ديسمبر 1996؛ ص: 233-257.
– ينظر عنه التقرير الخاص لمراسل الآداب البيروتية من المغرب ذ.عبد الحق الأبيض.- الآداب عدد 3-4 أبريل 1995 ص: 43-52
ديوان بن الفارض؛ 221.
– الأصمعيات؛ الأصمعية 14.
– الآداب،م.س، ذ. عبد الحق الأبيض: 47.
– المعارضات الشعرية، د. عبد الرحمن إسماعيل؛ 5-6. نقلا عن:- "(المعارضات الشعرية) بين التقليد والتناص"، د. حسن البنا عز الدين، ضمن: -علامات، ج: 20، مج: 5. (1417-1996). ص: 88.
– نفسه؛ 106.
– أنجز البحث سنة 1984، وصدرت طبعته الثالثة عن دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع. الكويت-القاهرة 1993. وعليها نعتمد.
– نفسه؛ 86.
- نفسه؛ 87.
- نفسه؛ 13.
– نفسه؛ 139.
– نفسه؛ 320. وينظر الكشاف التفصيلي لمواد الكتاب عند مادة "النصوص المتداخلة" وتؤخذ على الخصوص الصفحات 13-55-56-62-73-320 وما بعدها.
– نفسه؛ 139.
- نفسه؛ 140.
- نفسه؛ 141.
- نفسه؛ 142.
- نفسه.
- نفسه؛ 143.
- نفسه؛ 320-321
- نفسه؛ 321
- نفسه؛ 325.
– نفسه؛ 325-326. والقصيدتان مثبتتان في آخر الكتاب 343-348.
- نفسه.
- نفسه. وديوان الشريف الرضي؛ 107:2.
– نفسه.
– نفسه 328.
– نفسه؛ 331.
– نفسه؛ 330-331.
– نفسه؛ 333.
- نفسه.
– نفسه؛ 337.
- نفسه.
- نفسه؛ 339.
- نفسه؛ 340-342.

1652099237032.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى