طيبة فاهم ابراهيم - ابنة البطلة جيما

كان اسمها غريبا عنا، وبدت بملامحها وهيأتها وكأنها فتاة اجنبية لا تمت للعراق بصلة، اذ كانت لورا شابة في الخامسة والعشرين من العمر، تمتاز بطول متوسط وجسد رياضي وجمال غربي خارق وخلق متين ، بقيت احسبها اجنبية لولا اسم ابيها (ربيع) واجادتها للغة العربية ولهجتنا العراقية.
تؤدي لورا دوما تمرين التسلق عبر الحبل، وهو ما يماثل تسلق الجبال ولكن في قاعتنا المصغرة، ويعد من اشد تماربن القوة، فضلا عن تمرين (الشناو) وهو ارتكاز الجسد كله على اليدين، والذي تكاد تستمر فيه دون انقطاع.
كانت لورا من النوع الذي يدخل قلبك دون استئذان، لبراءتها وطيبها وحبها للتعاون وصدقها مع نفسها والآخرين.
فهي اذا ما وعدت نفذت الوعد، واذا ما شعرت بحاجة احد لشيء فانها لا تتأخر لحظة في إبداء المساعدة.
وجدتها فرصة سانحة حين بادرتني هي بالسؤال عن نفسي ، فأجبتها اني مصارعة منذ سنين طوال، وحين ارادت التعمق، لم أشأ الاطالة لعدم حبي مدح الذات، فاجبتها بعد الحاح منها وباختصار كوني بطلة العراق في المصارعه وثاني بطلة للعرب ، وبطلة افريقيا في الملاكمة، واسعى للعالمية ومعها حصولي على شهادة المحاماة .
لاحظت في عينيها وهج فرح حقيقي، فاقتربت منها وصارحتها انها تعد لغزا لنا نحن البنات، فنحن لا نعلم نسبها وسر هذا الشكل الاجنبي الذي تحمل فأجابت:
من الواضح يا طيوب انك مثقفة، فهل تعلمين شيئا عن بطلات المصارعة؟
اجبتها : لقد شاركت في بطولات عدة، وبكل تأكيد لي صداقات مع بطلات لبنان وسوريا ومصر وافريقيا وكذلك جميع المصارعات العراقيات..
اجابتني : كلا، انما قصدت بطلات العالم في عقد الثمانينيات ..
اجبتها ضاحكة : انا ابنة العشرين ربيعا يا حبيبتي، لربما كانت لي معرفة بجودي مارتن وليلاني اكاي وبعض بطلات امريكا ، لكني لا ازعم معرفتي بالجميع، فهنالك مليونا مصارعة قديمات وحديثات ، وانا لست جهاز حاسوب...
ضحكنا معا ثم قالت :
عزيزتي طيوب، امي هي المصارعة جيما باست، بطلة بريطانيا واوربا لعشر سنوات...
جيما التي ملأت شهرتها الصحف وغطت الآفاق، كانت اقوى امرأة في زمانها، وصرعت بطلات العالم أجمع، ثم اعتزلت بعدما صارعت اربعمائة امراة خلال ربع قرن ، ولم تخسر سوى خمس مرات..
ظل اسم جيما يدور بخاطري، فانا منذ صغري اتابع أخبار المصارعات، ومسكاتهن ، لكني لم اتذكر الاسم الا حين ارتني صورتها فتذكرتها وبعض نزالاتها وهي في عنفوان شبابها، وكأنها نسخة من ابنتها.
في اليوم التالي، فوجئت باحضار لورا لامرأة مسنة، وقدمتها لي على انها امها جيما!!!
صعقت حقا وانا اقف أمام واحدة من اشهر المصارعات ، لكن المفاجأة اضمحلت حين سحبتني البطلة نحوها برفق، ثم احتضنتني بحنان الام، فشعرت تجاهها بمحبة فاقت حبي لابنتها.
حدثتني بلغة عربية مقبولة عن قصة تعرفها بزوجها ربيع العراقي ، والذي كان يعمل مهندسا للنفط في ايرلندا قبل ٣٠عاما ، وكيف كان مولعا بالمصارعة الحرة، وحين شاهد لها نزالا ادمن على الحضور، ثم عشقها وكان الزواج، وقد عاشا معا في بريطانيا
٢٠ عاما، حتى مل الغربة، فطاوعته جيما بالمجي معه إلى بغداد والاستقرار فيها.
كانت قصة مثيرة حقا، اذ استغربت وجود بطلة عالمية تتزوج عراقيا وتعيش بيننا، مثلما ابدت المصارعة الام اعجابها بممارسة المرأة العراقية للمصارعة، وكذلك اعجابها بالقاعة ولمساتنا الفنية فيها.
ثم باغتتني الام بطلبها ان نتصارع، فقد استبد بها الحنين للعبة التي تركتها منذ سنين طوال، فاعتذرت لها بخجل، فقالت : يا بنيتي، نساؤنا يصارعن وهن في التسعين، والام تصارع البنت والبنت تصارع الجدة، فعلام الخجل وكلنا نساء ها هنا في حيز مغلق؟؟
وقفت أمامها بخجل اكبر، وتماسكنا، وبدا جسدها مرنا قويا، لم احسبه بهذه القوة ابدا، اضافة لبراعة وسرعة لم تزل تحتفظ بها، وبعد دقائق معدودة تمكنت من تثبيتها بصعوبة ، ثم احتضنتها بحنان معتذرة، فقالت : من عليه ان يعتذر هي ابنتي، إذ تعمدت تأخير العد للصرعة لعلني انتصر!!
قضيت مع الام وابنتها اجمل يوم، حيث ظلت تشيد بأدائي ، وتعطيني من النصائح الجميله والمهمه ما يدل على خبرتها العظيمه في اللعبة، مع اطلاعي على عشرات الصور وهي تصارع في مختلف مراحل عمرها، وعلمت كم هي صادقة ونقية ، تحاول تعليم ابنتها دوما الدقة في القول والفعل.
تعمقت علاقتي بلورا اكثر، وصرت اميل لها بشدة، ولعلها من القلائل اللواتي ازورهن في ديارهن، فانا لا ازور الا من تكون موضع ثقتي المطلقة.
كنت احاول اقناعها دوما بالانضمام الينا والتدريب معنا على اللعبة، لكنها تؤكد لي انها ترغب بالرشاقة وتمارين القوة لآنها مع اناس تحبهن مثلي انا وعبير وسلامة لا غير.
وتمر الايام، وتزداد اواصر العلاقة قوة ، حتى اذا ما حلّ يوم صيفي متوهج، اصطحبتها للتجوال عند مول قريب من القاعة، وبعد اتمام مهمتنا ونية التوجه للدار، تعرض لنا شابان تبدو عليهما علامات التسافل والانحطاط، فتغاظيت عنهما لعلمي ان المرأة لا ينبغي لها ان تتشاجر في الطريق لتصبح بمنظر معيب لا يليق بالمرأة، وهي التي بنبغي ان تظل امرأة كل حين، عندئذ حاول احدهما وضع يده على ذراع لورا، ولا اعلم كيف وجدته يتلقى لكمة جعلته يطير في الهواء ويسقط ارضا وهو عاجز تماما ، ثم اتجهت لورا صوب الاخر ووجهت ركلة لبطنه أنسته اسمه فسقط الى جانب صاحبه، وكانا يتلويان مثل ثعبانين قذرين..
وهنا، سحبت لورا ودفعتها داخل العجلة وصرخت باللهجة الدارجة: (عزة بعينج لور، احنه ببغداد مو لندن، نخجل ونستحي من نفسنه ، ذول مو صعب اصارعهم ، لكن احنه مو بلندن تجطلين الرجال بالشوارع وفرحانه)..
قدت عجلتي ضجرة مشتعلة، ولورا تعتذر وتقبلني وتؤكد انه الدفاع عن النفس، فأفهمتها انا نرد بالنظرات لا الركلات، ثم نظرت لها بحدة وقلت لها : انت مصارعة بهذا المستوى وتخبئين علينا، سأمزق رقبتك بمسكة المشنقة..
تعالت ضحكتها، وقبلتني ثانية معتذرة عن عصبيتها المفرطة، فضحكت وتقبلت اعتذارها على ان اصارعها غدا ، وانا متأكدة من الفوز كما صرعت امها ، فوافقت، وهي تقول: سوف اصرعك ضحكا...

تعليقات

وتتوالى سرديات الاديبة المصارعة والبطلة العراقية والعربية المشبعة بعنصر التشويق وجودة الحكي وجزالة اللغة.. حكي شائق تستقي مادته من ميدان المصارعة وحلبة المبارزة بثقة ورباطة جأش ، وبوافر من الحقيقة والتواضع والأدب وسمو الاخلاق نفس السلوكات التي تميز اللاعبين وتسمهم بميسم الهدوء والرصانة والكياسة والايثار وحب الخير للغير..
ما احلى واجمل ان يحكي ذوو الاختصاص عن تجاربهم الميدانية .. وهم يفتحون لنا قلوبهم الطيبة باريحية وحب
 
أعلى