محمد مزيد - العنكبوت

دعيتُ قبل سنة، لإلقاء محاضرة في عاصمة الأرجنتين بيونس آيرس، بإعتباري أحد علماء الحشرات، وخاصة العنكبوت، مضمون محاضرتي حول سلوك العناكب.
قبل دخولي هذا البلد، لم أكن قد أعددت المحاضرة، إذ أن بإمكاني التحدث أكثر من عشر ساعات عن العناكب من دون أي خطأ علمي.
لم أكن أتصور نفسي مشتتاً، غير قادر على التركيز، مثل هذه المرة، فما أن دخلت الى هذه البلاد، حتى وجدتُ قبائل رهيبة من العناكب، تعيش في قاعات المطار، وفي زوايا الشوارع والحدائق والساحات، رأيت خيوطها السود اللامعة على أسطح العمارات، وفوق المصانع والورش.
وبعد مشاهدات دقيقة مباشرة، لقبائل هذه الحشرات، طرأت فكرة المحاضرة، التي كان يجب أن أخوض بها لغرض كتابة محاضرتي، أنكببت بعد الغداء أكتب وأكتب وأنا أحسب الوقت على عدد الكلمات التي سوف ألقيها أمام جمهور الحاضرين من العلماء والمتابعين والصحافة والتلفزة .
ُطلب مني أن يكون زمن محاضرتي بحدود الخمسين دقيقة، ولما قرأتها لنفسي جالسا أمام المرآة، تأكدت انها لا تزيد عن الخمسين دقيقة، بعد الانتهاء من قراءتها، ألقيت بجسدي على الفراش، نمت الى صباح اليوم التالي، ثم أقلتني سيارة حديثة الى مركز بحوث العناكب في مركز العاصمة.
دخلت الى بهو القاعة، أرشدني المنسق بالصعود الى المنصة، صعدت الى المكان المخصص لي ضمن مجموعة من الباحثين العناكبيين، بعد دقائق، أعلن عن محاضرتي، فبدأت بإلقائها. أخبرت الحاضرين بأن سلوك العناكب في الوقت الحاضر صار عدوانيا، وأخشى أن يتحول هذا السلوك، الى بث موجات هائلة من الخيوط المخاطية التي تفرزها، لتقتل كل شيء في طريقها، أخبرتهم بأن بلدانا مهمة كانت مسالمة تعيش حياتها بسلام و حبور، غير أن العناكب دخلت اليها من دول مجاورة لها، غزت كل مفاصل حياتها، أستولت على مراكز القرار الوطني، أحاطت بصنوف الجيش والأمن، بدأت تغزو تجمعات العشائر والقبائل الإنسانية الأصيلة في البلد.
لا أحد يمكنه أن يفسر سبب عداء العناكب القادم من البلد المجاور، أخرست العناكب كل الأصوات النبيلة، التي كانت تدعو الى الحرية والانفتاح والسلام، بدأت تصفي النشطاء الذين كانوا يريدون خلو بلدهم من موجاتها الشرسة، حيث تلقي بخيوطها اللزجة على البشر، فيتحولوا الى فريسة سهلة، تؤكل في الليل بهدوء، من دون أن تلتفت الحكومة الوطنية الى خطرها. صفق لي الحاضرون بحرارة بسبب الزاوية التي وجهت بها انظارهم الى خطر العناكب.
ولما ذهبت الى فندقي، بعد أن تناولت العشاء، صعدتُ الى غرفتي، وقبل أن آوي الى فراشي، طرق باب غرفتي، فإذا بفتاة في الثلاثين من العمر، جميلة جدا ، ينسرح شعرها الأسود الكثيف على كتفيها، رأيته يتراقص حتى مؤخرتها الكبيرة، أخبرتني أنها معجبة بالمحاضرة، جلست على حافة السرير، ترتدي تنورة قصيرة كشفت فخذيها، طلبت مني إطفاء المصباح، لأنها لا تستطيع أن تركز بالحديث معي، ثم أخذت تقترب مني شيئا فشيئا، حتى لمستني بجسدها البض وصدرها العامر، قبلتني قبلة ساخنة، طارت فيها روحي الى السماوات، بعدها انطرحنا ... في الصباح، غادرت الفتاة من دون علمي، ولما ابصرت وجهي في المرآة لكي أغسله ، وجدته اصبح عنكبوتا، وأن لدي أربعة سيقان اتدحرج بها في مساحة الغرفة، نزلت الى صالة الفندق، اسير بسيقاني الأربعة، هلعا مذعوراً، بحثا عن الفتاة من دون فائدة ، بدأت أرمي مادتي اللزجة على كل ما يقع عليه بصري، وانا انظر وجوه الفتيات، لعلي أعثر عليها، فلم أجد لها على أثر ، عدت أسير في ممرات الفندق، وأصرخ ولا أحد يسمع صراخي ، فقد تحولت كما تشاهدوني عنكبوتا بشريا .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى