حاتم عبدالهادى السيد - إشراقات الحب الكوني وفراشة القصيدة العربية المعاصرة قراءة في ديوان (زهرة تحت الندى) للشاعرة رباب حسن

يظل الشعر العربي (ديوان العرب) كما قال حبر الأمة عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، ورغم انحراف المسارات بادعاء البعض أن الرواية أصبحت ديوان العرب، لكن مثل هذه الأقوال مردود عليها، حيث لم يستبدل العرب شعرهم بالرواية الحديثة، بل لاتزال الشعرية العربية هي الأكثر تحملاً لمتطلبات الواقع العربي، والأشد تأثيرا في الروح العربية.
ولأن الشعر هو واحة الجمال؛ حيث يكتب الشاعر ذاته عبر الأوراق ويغمسها بحبر روحه ووجدانه؛ وخلاصة فلسفته و فكره ؛ فإننا نقف أمام الشعر – دومًا – بكل جلال وسموق؛ ومن هنا كان الشعر هو موسيقا الروح وغذائها؛ وهو سيد الكلام العربي الحصيف .
وفي ديوانها ( زهرة تحت الندي) تحيلنا الشاعرة القديرة/ رباب حسن ؛ إلي مزهريات الجمال الكوني لالهامات الزهرة المُنَدّاة عبر غبش الصباح الطالع بإشراقة شمس الله علي الأرض؛ فما كُنه وجوهر هذه الزهرة التي تحدرت من عالم الجمال المشرق البديع ؟ وأي جمال نشعر به عبر الراحة المشتهاة التي نشاهد فيها جمال صنع الخالق العظيم ؟!.
وبالطبع؛ لن نقف كثيرًا عند العنوان لنتأمله؛ ونفكك شيفراته بل سندلف إلي قصائدها التي تنوعت بين القصيدة الرومانتيكية؛ والوطنية؛ والقصائد الدينية التي تظهر فيها النزعة الصوفية والقصائد الما بعد حداثية كذلك؛ حيث نراها تستخدم تكوينات بلاغية؛ وصورًا تجديدية؛ تجدد روافد القصيدة العربية؛ وتربطها بالمعاصرة؛ لتتأكد من جديد أصالة عمود الشعر؛ عبر قوة المعني؛ ورصانة المبني؛ وتجديدية الصور الفنية التي تؤكد كل يوم أن القصيدة العربية العمودية تتجدد كل عقد من الزمان؛ بل أراها تعيد تجديديتها على يدي بعض شباب الشعراء في العصر الحديث؛ ومن بينهم الشاعرة / رباب حسن.
وفي قصيدتها( يا مصر ) نراها تنادي محبوبة حاضرة عبر أداة النداء؛ تناجيها وتحدثها عبر معشوقٍ هو النيل؛ وعاشقة تتغنى بحبها طوال الوقت؛ تقول :
أقبلْ هنا فالأرضُ أرضُ سلامِ
من ذا يطاولُ مجدَها المترامي
النيـلُ يـروي في ربـــــاها قـــصةً
والشمس ترسمُ صفحةَ الأهرامِ
يا مصر يا وطني العزيزُ تحيتي
مني إليكِ على مدى الأعـــــوامِ
أحيا بأرضكِ زهرةً تحتَ الندى
تصحو على الأشواقِ والأحلامِ
ولقد جسد مقطع البداية جوهر العنوان لديوانها الماتع الجميل ؛ فنلمح الذات الشاعرة تُوقف وجوديتها وحياتها وتربطهما بالأرض؛ عبر صور بصرية متتابعة ؛ وعبر استعارات تشكل ملامح الصورة المصرية الشاهقة؛ حيث الشمس مركز الكون والنور ترسم بأشعتها المنيرة الحضارة عبر الأهرامات؛ وهي – وحدها - تقف بشموخ لتتمايل كزهرة تصحو مفعمة بالشوق والأحلام.
لقد جمعت شاعرتنا عبر تكثيف المعنى كل دلالات التاريخ والحضارة من خلال منمنمات وصور فنية غاية في الوضوح والعمق؛ وعبر بساطة تصوير غير متكلف؛ استطاعت أن ترسم صورة مصر الزهرة؛ وصورة الذات المشرقة لروحها المتوهجة؛ عبر حضارة الفراعين الخالدة.
اننا أمام شاعرة متأنقة؛ ترقق المعنى؛ وتطهو الحروف عبر عجينة الحب فتجعلنا نقف بجلال أمام مبدعة ترسم بالحروف جماليات كونية متفردة؛ عبر لغة تطيعها؛ و تمكيجها ؛ وتوشي فونيماتها؛ وتكتبها بروحها؛ عبر سُمو ٍ وعشق لأمنا مصر المحروسة؛ كنانة الله الواقفة علي عتبات عربة الخلود الكوني؛ التي تتغنى بمآثرها الجميلة؛ واهراماتها البديعة؛ ونيلها العظيم؛ فنراها كفراشة تتنقل بين حدائق النور واشراقات الجمال الممتد.
و لعلنا نلمح في قصيدتها (مولد المصطفى) مسحة ايمانية مخلوطة بعشق ايماني غاية في السموق والروعة؛ ولقد مزجت ذلك بحس صوفي نتلمسه عبر رقة الحروف؛ فإذا كانت "رابعة العدوية" قد هامت في حب الذات العَليَّة؛ فشاعرتنا / رباب حسن قد هامت في حب نبينا العدنان؛ أشرف الخلق والمرسلين؛ سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ ولقد كتب كثيرون " الهمزات النبوية " في المدح؛ إلا أن شاعرتنا هنا قد أخذت منحيً تغايريًا؛ بما يؤكد فرادتها؛ وصدق حبها؛ عبر استخداماتها للتقنيات المابعد حداثية للصورة والظلال؛ والتكثيف مع المجاوزة؛ والإزاحة للصور المباشرة لنتأول خلف ظاهر المعنى وظلاله ؛ وكأننا أمام " المعاني الثواني" التي أوردها امام وشيخ البلاغيين / عبد القاهر الجرجاني؛ فالمعاني هي ظلال تختفي خلفها معانٍ نتأولها؛ عبر صور واحالات تضمينية؛ وعبر معادل سيميائي للغة تسحر الروح؛ وتأخذ بالألباب عبر جماليات المعني المتواشج مع العشق الرابض في القلب؛ والباحث عن الحقيقة واليقين والبرهان؛ وكأننا أمام فيلسوفة تنتقي صورها المتراكبة؛ وتمزجها بعشق الروح لحبيب القلوب؛ وهي العاشقة في محراب النور النبوي تستنشق عبق المحبة؛ تقول :
إني رأيتُ الشـوقَ قد لبَّــــاني
يا شوق مالك قد سكنت كياني
يامن ملكتَ مشاعري في صفوها
وملـكت دمـعي في ربا أجـفـــاني
فارأفْ بقـــلبي لا أريــدُ صبابةٌ
فالشوقُ يهزمُ سلطةَ الفرسانِ
كم فارسٍ قد ماتَ شوقا في الوغى
من نـظـرةٍ أو رنـــةٍ لـكـمـــــانِ
لا تستحلْ اليومَ روحي إنني
طيرٌ يغني في رفيفِ بيانِ
يشدو بشجوٍ في الوجودِ كأنه
صوتُ النسيمِ يهلُّ بالريحانِ
ما ألطفَ الصوتَ الجميلَ إذا ارتجى
حـــــُــــــــــبَّ النبيِّ الصــــــــــــــادقِ العــــــــــــــــــدنان.
وفي قصيدتها الرقيقة ( أغـــنية في الهــاتف ) نلمح الرومانتيكية التي غابت عن حياتنا بسبب جفاف الواقع؛ وهموم العصر ومشكلاته؛ فنراها تأخذنا إلي منابت الحب الفطرية؛ عبر شلالات الحب العذري الشفيف لحبيب استلب كيانها وروحها وعقلها ؛فغدا قلبها معلقٌ بحبل الوصال عبر بحيرة الحب التي تنبع من نهر العشق المُشتهي ؛ عبر صور بكرٍ؛ وتعبيرات لبوحِ أنثى تُهرق الجمال من شفة الروح التي تتغيا الحب وتنشده؛ وتريد نشره في أرجاء الكون والعالم والحياة ؛ فالحب أسمي معاني الوجود الإنساني؛ وكأنها تتمثل قول كبار فلاسفة المتصوفة حين قال الحلاج : " وبالحب قد عرفت نفسي ؛ وبالحب قد عرفت الله " ؛ تقول :
ينساب صوت غنائه في هاتفي
لحنا جميلا في فؤاد الخائف
يا صوتك الألحان يسبي مشاعري
فيذوب عطري في ثنايا معطفي
وأظل أرقص كالفراشة هزني
هذا الجمال فقد يغير موقفي
فأذوب شوقا في يديه كأنني
مطر يهل على يديه ويختفي
وسمعته يرجو برقة شاعر
نامي بكفي كالزهور ورفرفي
نامي بقلبي حبيبتي وتمددي
لازلتُ طفلا ضائعا في أحرفي.
إنه الحب الذي يرقق القلوب؛ ويجعل من الحبيب الفارس طفلًا أمام قلبها الحاني؛ وتصبح زهرة تذوب اشتياقًا لمرأى الحبيب؛ فتسوح في براري العالم؛ وبين حدائق الحب المُشتهاة.
إننا أمام شاعرة تذوب رقة و عشقًا ؛ تتغزل في الوطن والحبيب والنبي "ص " ؛ وتوزع حبها الأشهى على عتبات العالم؛ وتتنقل بنا كفراشة فائقة الرقة بين زهور الحروف التي تفوح عطرَا شعريَا يزهو علي الكون بحنانه وجماله وجلاله؛ فنلمح صوفيتها الرقراقة؛ وانسانيتها الدفاقة التي تأخذنا إلي نور الإشراق في حضرة الشعر البهية؛ عبر صفاء لغة تطيعها؛ فتتساوق معها؛ وتنساب كدانوب؛ أو كنهر مثيولوجي؛ يسير بماء الشعر عبر نور الحياة .
إن شاعرتنا / رباب حسن هي شاعرة الحرف الرقيق؛ والصورة البديعة التي تنسجها بعبق روحها العاطرة؛ فيضوع من بين حروفها عطر الخلود؛ والجمال الكوني الرائع؛ عبر العالم والوجود و الحياة.

حاتم عبدالهادي السيد



1656406582353.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى