عزلة الذات الجريحة في "جيلان من كازابلانكا"

عزلة الذات الجريحة في "جيلان من كازابلانكا"
أحمد رجب شلتوت
تبدو نصوص الشاعر الراحل "أشرف البولاقي" في ديوانه " جيلان من كازابلانكا" وكأنها اعتراف طويل مكتوب على حافة الانكسار، تتجاور فيه السيرة الذاتية مع التخييل، والهذيان مع التأمل، والاعتراف مع الرغبة في المحو. ومنذ الإهداء، تتأسس نبرة التمرد، فالشاعر الذي لا يحب الإسكندرية، يعلن انحيازه إلى كازابلانكا بوصفها فضاءً بديلًا، أو رمزًا للمنفى الداخلي، للهروب، للحب البعيد، وربما لحياة أخرى كان يمكن أن تُعاش. جيلان التي "من كازابلانكا" تنتمي إلى البعيد، إلى الجهة الأخرى من الحياة، حيث يمكن للذات أن تبدأ من جديد.
الذات مركزا للعالم
تقوم النصوص على صوت مركزي يتكرر ويعيد إنتاج ذاته: "أنا" جريحة، وحيدة، تتشظى بين حالات متعددة: شاعر، يتيم، عاشق، مهزوم، ثائر، ومجنون في نظر الآخرين، ذات تتحدث كثيرًا عن نفسها، لكن هذا "الأنا" يدرك هشاشته، ويعلنها دون مواربة، في النص الأول يعلن انحيازه إلى الصدق بقوله:
/ لا أحب البلاغة ولا يألفني المجاز"، ورغم ذلك يبني نصه كله على مجازات الألم والرغبة. هنا تكمن المفارقة بين ما يعلنه الشاعر وما ينجزه النص، الذات هنا فقيرة، يتيمة، لكنها تسخر من نفسها
/ لم يكن معي وقتها/ غير صيف واحد/ وفؤاد يتيم/ فاخترت أن أكون مثقفا/ "وأنا مواطن فقير
على كتفي حقيبة من هموم".
حلم مؤجل
جيلان في النص وعنوانه ليست مجرد امرأة بقدر ما هي معادل شعري للحلم المؤجل، وللأنوثة المراوغة، وللحب الذي لا يكتمل، يكرر الشاعر مخاطبتها في أغلب النصوص، يقول:
"أنا أطرق الباب/ فافتحي الآن يا جيلان"
ويقول:
"أنا طيب وحنون كما تعرفين/ سأهمس في أذنيك لو فتحت الباب/ بكلام حلو وجميل عن عينيك"
لكنها لا تفتح وتظل قادرة على الهجر والطعن:
"كيف لم أكتشف / أن يدك الرقيقة/ تتحسس وتصلي/ كيف لم أكتشف/ أنها تبحث في لهفة
عن موضع خالٍ ونظيف/ ليستقبل آخر طعنتك".
وفي نص ثان يقول:
"كانت موسيقاك/أكثر أغراء وإغواء/ من أن ألتفت إلى خنجرك الصغير".
طعنات وندوب
تمثل العزلة في الديوان البنية العميقة التي تتأسس عليها الذات الشاعرة، فهي ليست مجرد شعور عابر بالوحدة، بل حالة وجودية شاملة تجعل الأنا منفصلة عن الآخرين وعن العالم معًا، فتبدو كما لو كانت منفية داخل الجسد، وتشعر دائمًا بأنها زائدة عن المشهد أو أن حضورها نفسه عبء ثقيل.
" ولا تعجبني أحوال البشر / يظنونني مجنونًا / وأصدقائي يعرضون عني"
هكذا يكشف النص عن ثلاث دوائر متراكبة من الاغتراب، عن المجتمع، وعن الأصدقاء، ثم عن المعايير السائدة للعقل، بحيث يصبح اتهامه بالجنون علامة على عجز الآخرين عن فهم اختلافه.
غير أن هذه العزلة لا تفضي إلى الصمت، بل إلى كلام متوتر يبحث عن مخاطَب غائب. من هنا يتكرر نداء “يا جيلان” في النصوص كمحاولة مستمرة للتشبث بإمكانية وجود آخر يُنصت ويفهم. لكن جيلان تبدو في أغلب الأحيان بعيدة، أو عاجزة عن إنقاذ الشاعر من وحدته، فتتحول إلى رمز للخلاص المأمول أكثر من كونها شخصًا واقعيًا.
وهكذا نجد الديوان كله كتابة للمنفى الداخلي؛ والجسد هو مركز التجربة إنه موقع الألم، والرغبة، والندوب، والطعنات وأيضًا مساحة للرغبة المكبوتة، التي تظهر في نصوص مشحونة بتوتر جنسي واضح، لكنه يظل معلقًا بين الرغبة والمنع.
ولا يبقى الديوان أسير العلاقة الثنائية بين الشاعر والمرأة، بل ينفتح على المجال العام، فعند الحديث عن زينب يربط بين بكائه ومشاهد الشهداء:
"وأذكر أنني بكيت
وإخوة لي يموتون في ثورة يناير
بينا أنا جالس على مقعدي
أمام التلفاز أنظر إلى أرواحهم"
أيضا تظهر إشارات إلى الفقر، الشوارع، الأطفال، الجوع، القصف، الطغاة. وكلها تمنح النص خلفية اجتماعية تجعل التجربة أوسع من مجرد سيرة حب.
هاجس النهاية
يحضر الموت في الديوان كفكرة دائمة ترافق الذات، فيصبح الموت موضوعا للتأمل، والتخيل، بل وللترتيب المسبق:
"أريد أن أموت يا جيلان /في التاسع عشر من أغسطس"
هذه الجملة ليست تعبيرا عن انفعال لحظي، وإنما افتتاح لبنية نصية كاملة تقوم على تخيّل الموت وطقوسه، إنه يحدد حتى زمن الرحيل، وكأن الموت موعد شخصي، ثم يتساءل: "كيف يمكن أن أموت دون أن يقول الناس انتحر؟"
هنا يتجلى مأزق الذات التي تريد الهروب من العالم، لكنها لا تستطيع الانفصال عن حكمه عليها، بما يكشف عمق الانقسام الداخلي، ويتعمق هذا الصراع أكثر حين يقول:
"سأصير مؤمنًا وأصلي/لكي أترك بيتي/ ليعرف الناس/ أنني التزمت بتعاليم ديني أخيرًا"
ليست التوبة هنا تعبيرًا عن يقين روحي، بل جزءًا من إخراج مشهد النهاية بطريقة مقبولة اجتماعيًا. وهذا يكشف أن الذات بلغت من الإنهاك حدًّا جعل حتى المقدس يدخل في لعبة الألم والتمثيل، وبالتالي يبدو الموت هنا ليس رغبة في العدم فقط، بل رغبة في الاعتراف. فالشاعر يتخيل ردود أفعال الناس، ويفكر في أثر موته عليهم، وكأنه يريد من الموت أن يقول ما عجزت الحياة عن قوله.
غير أن الشاعر، ينتزع من الموت سطوته، ويجعله جزءًا من دراما إنسانية أوسع، يواجهها بالسخرية ففي موضع آخر يقول:
"سأفكر أن أفتح نافذة في الفراغ /وألوح لجمهرة غفيرة تحت بيتي"
فكلما اقترب النص من حافة الانتحار، أعاد إنتاج سبب جديد للاستمرار، فكأن أشرف البولاقي في نصوصه لم يكن يكتب الموت كنهاية، ولكن باعتباره وجها آخر للرغبة في الخلاص.










y5sJD9cqKgs.webp
كاتب المنشور
احمد رجب شلتوت
https://akherelkalam.net/?p=13193

عزلة الذات الجريحة في جيلان من كازابلانكا - أخر الكلام

AKHERELKALAM.NET
عزلة الذات الجريحة في "جيلان من كازابلانكا" - أخر الكلام

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى