أمينة السر


بدت وكأن لصمتها حكاية أو سر كامن.. وقفتُ أتأملُ وجهها ذو السحنة القمحية وقد سطرته التجاعيد.. وأُحدِّق في ابتسامة عذبة تنسدل من ثغرها الرقيق، تخفي وراءها حزنا عميقا.. تقعدُ على جدع نخلة منبطحٍ على أرض ضيعة هادئة..تبدو في ربيعها الثالث.. بادلتني النظرات بعينين واسعتين، يحفظهما حاجبان غير واضحين يشبهان هلالين في ليلة غائمة تُنذِر بنزول مطر منحبس..تنزلق عليهما خصلات شعرٍ بُنِّيٍّ لامع أضْفَتْ على ملامح وجه هذه الفتاة نصيبا من الحسن والجمال..
ربما ثمة شيء جذبني نحو هذه التحفة الفنية، ومن رسمها أجبرني على أن أقف شارد الذهن، لا أنتبه لتحركات من حولي ولا أسمع همسات حديث زوار المتحف.. أقرأ بعين المتفحص كل الألوان والخطوط التي خطتها ريشته، فهو فنان فيلسوف حول ذهني إلى حلبة تتصارع فيها الأفكار و ميدان تتناسل فيه الأسئلة.. بقيت على حالتي كمتفرج أحتار في إيجاد الأجوبة. حتى خيل إلي أنها تريد الكلام، وتريد البوح بسرها. فجأة انتصبت واقفة و انقلبت ابتسامتها إلى قهقهة مدوية يسمعها القاصي والداني، أبدت سعادة كبيرة وافتخارا لا مثيل له لتخرجني من حيرتي وهي تقول:
- لا تعجب أن أكون حلمه الذي ظل منقوشا على فؤاده، و رؤياه التي فتحت له الباب للركض وراء الأمل و ولوج عالم الفن. و أن أكون أنا مُلْهِمَتَهُ التي خلقت منه مبدعا فيلسوفا.. فَأرْداني شخصية ساحرة تشكل لك الآن سمفونية في مشهدك، فكنتَ أنتَ من ضَحايا سِحْري و كان هذا قدرك..
- صحيح يجب على الفنان أن يكون واضحا أو شيء ما قليل الوضوح مع نفسه، لكن لا أجد هذا الوضوح على ملامحك.. حقيقة أنتِ مونليزا مغربية ، لا أعرف أتعانين من جرح يظل بين ثناياك؟ أم تُضْمِرين اغتصاب طفولة مبكرة؟ أم تواجهين واقعا عائليا لتعويض هشاشة اجتماعية ؟ أم تريدين الانفلات من العيش تحت مظلة عادات وتقاليد بلدك؟
- لن تصل إلى حقيقتي، لتعلم أن الفنان المبدع يخفي وصيته في إبداعه، ولو أظهر سره لما كان كذلك...
وأنهت المناقشة، وانبطحت مرة أخرى على جدع النخلة مبتسمة منتشية بانتصارها في هذا الحوار الجدلي حيث كنت أحسبها سهلة الانقياد. ذَكَّرَتْني بالمثل القائل "البنت سر أبيها" فإذا بها أمينة سر من رَسَمَها. . إلى أن انبعث من خضم تلك الأفكار المتراكمة في مخيلتي صوت خافت وهو يهمس في أذني:
- لقد حان وقت الإغلاق.
إنه محافظ المتحف...

نورالدين بنبلا ( المغرب)​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى