فتحي عثمان - مذاق عصير إبراهيم الليموني

إلى عادل القصاص، وإلى أرواح نعرفها معا.


كان إبراهيم الليموني أعمى، ولأسباب شائعة، عن معرفة أنه سيموت عصر هذا اليوم.
في العادة، يغافلك يوم موتك الجاحد بأن يظهر لك كيوم عادي كسائر الأيام، فقط الآخرون سيعرفون أفضل منك، وهذا بالضبط ما حدث لإبراهيم الليموني.
كالعادة، أي عادته، أنه يستيقظ مبكرا ويؤدي صلاة الفجر التي تعلمها من والده ثم يذهب إلى الجرف النيلي خلف المسجد الذي بناه السلطان ليشتري قفتين من الليمون الطازج المقطوف من أشجار العم خليل المرتوية بماء النهر. يحمل القفتين على حمار يدفع أجرته لفتي يوصل الطلبات إلى السوق قبل الذهاب إلى المدرسة. أعتاد إبراهيم الليموني أن يزيد الطالب قرشين إلى الخمسة قروش المستحقة للتوصيل، فهو يحب الرقم سبعة، ولا يعطي صدقة إلا إذا كان المبلغ الذي ينوي التصدق به مفردا، ويفضل لو كان سبعة قروش أو سبع جنيهات وإن كان ذلك فوق احتماله، فهو يشتري قفتي الليمون بجنيهين وخمسة وعشرين قرشا.
بعد تنظيف كشكه وقبل وصول جيرانه من أصحاب الأكشاك الأخرى يبدأ إبراهيم في تقشير الليمون بحباته ذات اللونين الأخضر الداكن والفاتح. في العادة يبدأ بضغط الليمون بين أصابعه، يساعده في ذلك صغر حجم الليمونات الصغير، إذ كان يعرف بحدسه بأن الليمون كبير الحجم والمائل إلى اللون للأصفر لا يصلح للعصير فهو حامض اللب والعصير.
لكن متى مات إبراهيم الليموني؟
مات إبراهيم الليموني في المسافة بين الساعة الثالثة وتسعة عشر دقيقة والرابعة من بعد ظهر اليوم الذي استمع فيه إلى نشرة أخبار الساعة الثالثة.
عند الساعة الثالثة تماما حاول إبراهيم الليموني رفع صوت الراديو المعلق إلى جوار رأسه في الزاوية اليمني من الكشك. عرف أن زيادة الصوت هي محاولة يائسة لانتزاع صوت أعلى أخير من الراديو الذي ضعفت بطارياته، ومع حركة أصبعيه حول مؤشر الصوت عزم على شراء أربعة أحجار بطارية من نوع "أبو كديس" الأحمر يوم غد، لأن بعض مرتادي كشكه يشربون كوبين متتابعين من الليمون لمجرد سماع الجزء الأخير من النشرة وهو أخبار الرياضة.
بطن المذياع الدائري والمخيط بالقماش كان يهتز بوهن عندما يصدر الصوت الرخيم للمذيع: الرئيس القائد يقوم بزيارة إلى جمهورية يوغسلافيا الاتحادية يلتقي فيها المارشال جوزيف بروز تيتو، ويلتقي في بكين برئيس الوزراء الصيني شون إن لاي. وزير خارجية الاتحاد السوفياتي اندريه غروميكو في خطابه أمام مجلس الأمن يتعهد بدعم حركات التحرر الافريقي في غرب وجنوب افريقيا.
اعتاد طالب الثانوية العامة مراد تناول كوب واحد فقط من الليمون عند الساعة الثالثة والربع كل يوم عند إبراهيم الليموني. ففي هذا الوقت تنتهي الأخبار وتبدأ اخبار الرياضة. وبسبب خفوت صوت الراديو لم يتبين أيهما النتيجة التي فاز بها فريق سانتوس الذي يقوده بيليه على خصمه ساو باولو في الدوري البرازيلي.
حرك إبراهيم الراديو كأنه يستنطقه عن النتيجة، ولكن الصوت كان يموت تدريجيا.
قال مراد مسريا عن إبراهيم الموت التدريجي لصوت الراديو: "هل تعلم أن سانتوس تعني الملائكة في اللغة البرتغالية؟" في هذه الأثناء كان صوت الراديو قد مات تماما.
ضحك إبراهيم وبانت أسنانه البيضاء وقال وهو يتناول الكوب الفارغ من مراد: "اسمهم الملائكة وهم يلعبون بهذه الحرافة، فماذا لو كان اسمهم "الشواطين"، ثم استغرق في الضحك. ضحك مراد وانصرف مودعا إبراهيم إلى الغد. كانت الساعة تشير إلى الثالثة وسبعة عشر دقيقة، وبينما إبراهيم يغسل الكوب سأل نفسه لماذا لم يقل مراد اللغة "البرازيلية" بدل اللغة البرت..... ضاع الاسم البكر منه وتذكر أن يسأل مراد عنه غدا.
عندما انحنى ابراهيم الليموني لأخذ بضع جمرات لوضعها على المبخر بالقرب من حلة الليمون الكبيرة لطرد الذباب، كانت النار توشك على الخمود، نفخ بقوة على الرماد الذي تطاير نحو وجهه، لعن غباءه وهو يزيل بكم جلابيته الرماد عن عينيه.
فجأة وعندما استوى قائما كانت طعنة من نصل حاد قد اخترقت أسفل لوحه الكتفي الأيسر، الطعنة التي جاءت في الثالثة والدقيقة التاسعة عشر كانت غائرة مما اضطره للشهيق عدة مرات قبل أن يسقط على شقه الأيمن بالقرب من النار التي كانت تصارع الخمود.
بعد الطعنة أحسن بغثيان وبرغبة في الاستفراغ، ولكن تحريك بطنه من أجل ذلك كان يعنى مزيدا من دفقات الدم التي كانت يطردها خفقان القلب خارج الجسم.
مع الصيحات المتعالية حوله التي كانت تأتيه من مكان شبه بعيد كان هناك ومقابل عينه وعلى الأرض بقعة فضية من ماء على شكل دائرة غير مكتملة. نفس لون الماء الذي اعتاد مشاهدته بالقرب من البركة مع عبد السخي الحكيم. آه، تمنى لو كان عبد السخي الحكيم إلى جانبه الآن. ربما استطاع الحكيم تسكين الألم بعض الشئ ومعالجة تقلبات بطنه. عبد السخي الحكيم الذي كان يدخل الغابة لالتقاط أعشاب لا يعرفها إلا هو يعالج بها النساء من "مرض الموت". ومرض الموت الذي كان يصيب أثداء النساء لم يبرع في علاجه الا الحكيم عبد السخي بأعشابه السرية، التي كانت تغيظ الأطباء في مستشفى المدينة الوحيد والذين كانوا يسمونه بالحكيم الغشاش. عندما خرج عبد السخي الحكيم من الغابة كان إبراهيم ينتظره عند شجرة الجميز الكبيرة. كان الحكيم يحمل على كتفه جلد أصلة، فهو يعرف أن الأصلات تتخلص من جلودها في موسم معين، وكان يستخدم الجلد في العلاج. عندما وضع صاحب الكشك المجاور قطعة من الخيش على جانب إبراهيم الليموني النازف، ذكرته رائحة الخيش تلك بالحكيم الذي وضع مخلاته المصنوعة من الخيش ووضع جلد الأصلة بعناية عليه وجلس مشيرا على إبراهيم بالجلوس إلى جواره. وبينما كان الذين يسعفونه يقلبون جسده رأي الليموني يدا تمسك برأسه، يدا معروقة سوداء معفرة بالتراب تشبه تماما يد الحكيم التي كانت تشير في جلستهم تلك إلى غزالة تتناوشها مجموعة من الضباع. كانت الغزالة، والتي حوصرت تماما بقطيع الضباع، قد وقفت لتترك لبقية الغزلان الهروب من القطيع الذي كان يقوده ضبع يسميه الحكيم العارف بالغابة بالدليل. "هذه نفس الغزالة الشجاعة التي فقأت عين التمساح بقرنها لتنقذ وليدها منه" قال له الحكيم. عرف إبراهيم أن الحكيم كان يقصد التمساح الذي سمى من ذلك اليوم بالتمساح الأعور تمييزا له عن تماسيح البركة، وكان الحكيم يسميه هازئا ب "الدجال الأعور" وكان للتسمية دوما في أذني ابراهيم رنينا مماثلا لتسمية "التمساح الأعور".
لم تسلم الغزالة يومها من قطيع ضباع الدليل. وعندما جاء موسم الجفاف جفت البركة وماتت التماسيح واستغل الصيادون جلودها لصناعة الحقائب النسائية، وكذلك اختفى التمساح الأعور وحتى قطيع الضباع والذي أصبح يقوده الآن ضبع آخر أسمه "جني" تشتت ومات أفراده بسبب الجفاف. ومع جفاف الغابة اختفى عبد السخي الحكيم وأعشابه السحرية.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة إلا عشر دقائق، لم يفقد إبراهيم الليموني وعيه رغم حدة النزيف، ولكنه كان يحس بالخدر والضعف في أطرافه السفلية وبدأ تنفسه يتضاءل عندما بدأ الأطباء في معالجته وتقليبه على شقيه وتزويده بالدم. كان صوت الأطباء وحركتهم تشبه حركة وأصوات تأتي من تحت الماء وبالحركة البطيئة، في نفس الوقت الذي كانت ذكريات الماضي تأتيه بسرعة كبيرة، ذكريات شقاوة طفولته وشبابه التي أحس فيها بالندم كانت هي التي تأتي في سرعة مجنحة، قال في نفسه أنه لو عاش حتى الغد فسوف يكون شخصا جديدا وطيبا، لم يحاول التعرف على من طعنه ولماذا، بل ركز على أنه لن يكون سيئا أبدا ولن يعود إلى ارتكاب أي حماقة وسيكون شخصا آخر وسوف يدفع الصدقة حتى لو لم يمكن المال الذي معه مفردا.
عند الساعة الرابعة تماما كف الأطباء عن جهدهم لإنقاذ حياته وأنزلوا قارورة الدم المعلقة أعلى السرير ووضعوها على الأرض.
في لندن وبعد سنوات طويلة من وفاة إبراهيم الليموني جلس مراد على كنبة من الحجر الرمادي مقابلة لنصب ماربل آرش، الزجاجة الصغيرة لعصير الليمون في يده أعادت إليه ذكرى إبراهيم الليموني الذي مات مطعونا ولم يعرف حتى اليوم قاتله. بعض الروايات قالت بأن قاتله سارق أراد أن يسرق جنيهاته القليلة التي جناها ذلك اليوم من بيع عصير الليمون والبعض قال إن الطعنة جاءت بسبب ثأر قبلي.
عندما رفع مراد الزجاجة ظهر له عصير يشبه لونه عصير إبراهيم الليموني، ولكنه حامض. لم يكن عصير إبراهيم الليموني حامضا ابدا كما عرفه، وكما قال له صاحب الكشك المجاور أن إبراهيم الليموني اعتاد أن يقشر الليمون قبل عصره بالخلاط الكهربائي، لذلك كان خاليا من المذاق اللاسع لحموضة الليمون، ويذكر مراد أن صاحب الكشك المجاور قال له: "نحن كنا على عجلة من أمرنا، لذلك كان نخلط الليمون بقشره."
أخرج مراد قلم رصاص من حقيبة ظهره، ثم وضع زجاجة العصير إلى جانبه، وكتب في أول صفحة من مذكرته: " بعد أن تباغت حياتي طعنة الموت، من سيتذكر مذاق عصير إبراهيم الليموني" قصيدة لا تكتمل.

أغسطس 2022

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى