سعيد رفيع - مطلوب محاسب

يجول بناظريه في أنحاء القاعة، ويتفقد الوجوه القلقة.. عشرات.. وعشرات.. وكل يحمل رقما.. ولكن رقما واحدا فقط سيحالفه الحظ.. فهل يكون هو ذلك المحظوظ؟
يدس يده في جيبه، ويخرج قصاصة مطوية، يبسطها، ويعيد قراءة الإعلان:
"شركة........... تعلن عن حاجتها إلى محاسب حديث التخرج.. ويشترط في المتقدم ....."
تحين منه التفاتة إلى ملف الأوراق الجاثم فوق ركبتيه فيرفعه إليه، ويتفحصه متمتما: "هذه شهادة الكلية.. وتلك شهادة الميلاد.. وها هي الصور الملونة.. أربع صور بالتمام والكمال كما جاء في الإعلان، أما هذه........"، يتنهد بارتياح وهو يغلق الملف ويضمه إلى صدره، ثم يتحسس الرقم البلاستیکی بیده، رقم ۳۰، ويغمغم : سيستغرق ذلك وقتا".
يشعر بالوقت يمر متثاقلا، فيعمد إلى مرواغته بالتمعن في ملابسه، ويشعر بالرضا وهو يتحسس قميصه الأبيض، الذي أشتراه خصيصا لهذه المناسبة، ويتأمل الخطوط الزرقاء الدقيقة التي تخترقه من أعلى إلى أسفل، وحذاءه اللامع الذي يمنحه شعورا بالثقة، ولا يهم الجورب، يسر لنفسه، فقد رتق باتقان، وبابرة أمه الخبيرة، التي لا يكشف حيلها أحد.
موجات جديدة من المتقدمين تتدفق إلى القاعة، والحارس ذو السترة الصفراء، الذي انغرس على باب اللجنة ينادي على رقم ۲۹، يتضاعف توتره، ويضيق ذرعا بالجلوس، ينهض، يذرع الطرقة جيئة وذهابا، وهو يرمق الوجوه الجالسة على الجانبين، هاهو رقم ۲۹ يقف، ويتقدم نحو باب اللجنة شاب وسيم، يبدو واثقا من نفسه، من يدري ربما يحمل توصية من شخصية مهمة، يعود فيتحسس قميصه، ثم يتساءل هل من المجدى أن يبقى ؟ هل هناك أدنى احتمال لفوزه بالوظيفة ؟.
يخرج رقم ۲۹ مبتسما كمن ضمن فوزه، فتحدثه نفسه مرة أخرى بالانسحاب، لا.. لا يجب أن أكون متشائما.. لن أخسر شيئا لو جربت، يقولها وهو يغالب اليأس، ثم يفيق على صوت الحارس وهو ينادي على رقم ۲۷.. رقم ۲۷ يدخل.. يخرج دون أن يعكس وجهه شيئا، رقم ۲۸........ رقم ۲۹................ وعندما رفع الحارس صوته بالرقم السحری، انتفض، وصاح وهو يلوح بالرقم البلاستيكي : "انا هو .. انا رقم ۳۰"، وبقفزة واحدة كان أمام الحارس، الذي أدار مقبض الباب ثم تنحى جانبا، فدلف ليجد نفسه وجها لوجه أمام لجنة الاختبار بأعضائها الثلاثة.
مع أولى خطواته داخل الغرفة شعر بقلبه يقفز بین ضلوعه، وبدقاته تنتقل من صدره إلى أذنيه، فألقي بجسده على أقرب مقعد، دون أن ينتظر اذنا بالجلوس، وراح يتفقد الوجوه: كان الرجل الذي يجلس إلى اليمين ضئيل الجسم، يرتدي نظارات سميكة، وتبدو عليه علامات الإرهاق، بينما كان الرجل الجالس إلى اليسار طويلا، نحيلا، توحي تعبيرات وجه بالطمأنينة، أما ذلك الرجل السمين، الذي يتوسطهما، والذي كان من الواضح أنه رئيس اللجنة، فقد كان ظاهر الأناقة، ذا رقبة قصيرة مكتنزة، يعلوها وجه مستدير صارم، وقبل أن يستجمع انفاسه، بادره السمين قائلا:
- اسمك؟
- مجدي سليمان عبد الله.
تنفرج أسارير السمين، ويميل على رفيقيه، ويسر لهما ببعض الكلمات، ثم يقول بلهجة ودودة :
- قل لنا يا استاذ مجدى.. المحاسبة علم أم فن ؟ يعتدل في جلسته، وقد شعر ببعض الطمأنينة، ويجيب: - أنها علم يتطلب تطبيقه فنا.
يرمق السمين رفيقيه بنظرة ذات مغزى، ثم يقول وهو يهز راسه :
- ماشاء الله.. ما شاء الله.. إجابة عظيمة.
يستدير السمين ناحية اليسار، ثم ناحية اليمين، وتدور همهمات بين ثلاثتهم، يقطعها السمين بقوله: "هات أوراقك يا استاذ مجدي".
ترتعش يمناه وهي ترفع الملف، كأنما ترفع جبلا، فيتلقفه السمين، ويقلب الأوراق، ثم يمعن النظر فيها، ورقة.. ورقة، وقد تعلقت به عينا مجدي تتصيد بشائر الأمل.
لم يستغرق تفحص السمين للأوراق دقيقتين، انهمك بعدها في مشاورات هامسة مع رفيقيه، ثم قال، وهو يضغط على أحد الأزرار:
- أوراقك كلها مكتملة.
- الحمد لله.
- وتنطبق عليك الشروط.
- هذا من حسن حظى.
"أفندم يا سعادة البيه"، أطلقها الحارس وهو يقتحم الغرفة، فناوله السمين الملف، وقال وهو يرمق مجدى من طرف عينه:
- سلمه لشئون الموظفين.. وأبلغهم أن الأستاذ مجدی سیستلم عمله غدا.
يستلم عمله غدا.. هكذا ببساطة ؟ وبعد سؤال واحد لا يستعصي على بقال !، غير معقول، أسر لنفسه مذهولا، أيكون الرجل قد توسم فيه النبوغ؟ أم تراه قد أخذ بأناقته وشخصيته ؟ لا.. لا... ليس لهذا الحد.. إنه حلم بالتأكيد. رفع قدمه اليمنى ووضعها فوق اليسرى، وضغط بقوة، فشعر بالألم، ثم حشر لسانه بين أسنانه، وصار يضغط، ويضغط، فتألم أيضا، إنه الواقع على ما يبدو، ودعوات أمه التي لا تخيب، الم تكن تدعو الله مع كل صلاة أن يوقف له أولاد الحلال؟ هذا السمين إذن هو أحد أولاد الحلال الطيبين.
وعندما جلجلت زغاريد أم مجدي، واهتزت لها بيوت الحي، ثم أطلت العيون الفضولية من النوافذ والشرفات تستطلع الخبر، كانت اللجنة لا تزال منعقدة بمقر الشركة، وكان رئيسها "الطيب" يطرح أول الأسئلة على المتقدم رقم (65):
- اسمك ؟
- مجدي سليمان.
- قلت مجدي سليمان !؟
- نعم.
يبدو الارتباك على السمين، فيدس يده في جيبه، ويخرج قصاصة مطوية، يبسطها بأصابع مرتعشة، ثم يقول، وهو يطالع المتقدم بعيون زائغة:
- مجدي سليمان عبد القادر ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى