نرمين دميس - صعود

لمحته يتحين الفرصة، يحاول الاقتراب من الأرض في غفلة من قاطنيها، يلتقط أنفاسه وبعض الحب، ثم يعاود التحليق، يضرب الهواء بقوة، يغدو خماصا ويروح بطانا، ليحط على الأرض مجددا، أتساءل في عجب من أمره..
لم الهبوط وقد أوتيت سؤلك؟!
هل أدمنت ممارسة الخوف؟!
هل انبهرت بتلك المباني السامقة، وهذا الصخب الزائف؟!
هل وقعت تحت تأثير سحرها الأسود، الذي يجذبنا إلى هبوط، ويأبى علينا الصعود؟!
أم تراه ذاك الفضول الذي يدفع طفلا إلى استكشاف النار بإصبعه؟!
ووسط تساؤلات بلا أجوبة، انخلع قلبي عندما صوب أحد الصبية بندقيته نحو ذاك الهدف السهل، فأحكم قبضته على سلاحه، وأغمض إحدى عينيه إمعانا في التركيز، ثم ضغط على الزناد في ثقة؛ ليتعالى صياح رفاقه ساخرين؛ فقد أخطأ القناص الهدف، تنفست الصعداء، ورحت أستمتع بمراقبته يسبح بعيدا في فضائه الأزرق الفسيح، أكاد أجزم أنه لن يعود أبدا؛ فقد ارتدت له الأرض قناع الغدر.
ولكن تلك اللحظة الحالمة لم تدم طويلا، فقد فوجئت به يقف على سطح البناية المقابلة، يتلفت برأسه الصغير بين جنبات عالم البشر.
تأملته غاضبة حانقة، أنعته بالكبر والغباء، أصيح فيه:
ألم تتعلم الدرس؟! أم أن غرورك صور لك أنك نجوت بفضل ذكائك وفطنتك؟!
أليس لديك وليفة وصغار ينتظرون عودتك متلهفين؟!
ألا يستحقون أن تحافظ عل نفسك من أجلهم؟! أم أنك لا تستطيع مقاومة حب المغامرة والاستكشاف؟!
أتعلم؟ لن أتعاطف معك أو حتى أهتم لأمرك بعد الآن، ولتواجه قسوة العالم الذي اخترت الاقتراب منه بإرادتك.
شخصت ببصري في الأفق البعيد؛ محاولة تنفيذ ما عزمت عليه، وكلما ضبطت نفسي أسترق النظر إليه؛ أشحت بوجهي بعيدا عنه، حتى رأيته في إحدى نظراتي الخاطفة، يحوم أمام الطوابق العليا للبناية، يصطدم بزجاج نوافذها المغلقة من الخارج، حتى حدث ما كنت أخشاه..استطاع بعد محاولات عديدة أن ينفذ إلى الداخل.
يا إلهي! لا بد أنه يدور الآن في سقف الغرفة خائفا مذعورا، بعد أن أيقن وقوعه في الفخ، وبينما أنتظر خروجه من حيث دخل في قلق وتوتر، أغلقت النافذة تماما؛ فانكسر طوق نجاته الوحيد، ليواجه الصغير مصيرا مجهولا.
أطرقت رأسي في حزن، وتسللت زفرة ساخنة، تحمل ما ضاق به الصدر من غيظ وغضب؛ لما آل إليه ذلك المسكين الأحمق، بينما اقتحمت وجهي ابتسامة هادئة، عندما لمحت سرب السلام يرفرف عاليا، وكلما ارتفع بعيدا وتضاءل حجمه؛ تضاءلت معه الأرض من تحته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى