عصري فياض - زيارة لمرة واحده

كنت أعرفه، لكني أعرفها اكثر، طوتنا السنين، ومضى كل إلى غايته، وذات يوم التقيته، فأمسك بي، وأصر على دعوتي لبيته على فنجان قهوة، بالرغم من محاولاتي الفاشلة للاعتذار، إلا أن إصراره قيَّدني، وما كان مني الا الاستجابة على مضض، وصلنا، دخلنا، كان فرحا بهذه الزيارة، وكأنه يقلب الذكريات، نادته من الصالون...
قال لها : إدخلي... لا تخلجي.. أريد ان أعرفك على صديق الطفولة
دخلت على إستحياء... كانت حدقات عينيها تتسع، وقسمات وجهها تنشد بسرعة، وهي تحدق بي من فرط دهشتها... لم أستطع استلهام كل هالتها... كانت عينايّ ترتفع كحمالة البنيان...
قال لها : صديقي عبد الكريم.... أمضيت معه أجمل سنوات الطفولة
نظر الي وقال : زوجتي دنيا " ام سعد"
رحبت بها بحروف متقطعة وبإيماء مرتجف
وضعت الضيافة وخرجت مسرعة.. فلملمت طرفي معطفي وجلست...
واستغرق أبو سعد بالحديث... حتى عادت لتقديم اطباق الفاكهة... كانت أكثر توازن وأعمق هدوءً... لم أكن اعرف عما كان يتحدث أبا سعد ... طال المقام بي في غرفة الضيافة فأغرقني في الذكريات، وصمت كلامي امام تكرار إبتلاع ريقي المستحلب... نظرت الى الساعة فأدركت انني تأخرت... إستأذنت بلطف وتملصت من إصرار أبا سعد على ابقائي في أسره... وخرجت فجاءت تشارك زوجها في وداعي بكل أدب وحشمة ووقار، ترسم على شفتيها ابتسامة الواثق، وفي عينيها لمعة صافية... نزلت الدرج الخارجي بسرعة لأتوارى عن الانظار...كثيرة هي المشاعر التي خالجتني، التوتر، الندم، الصدمة، الفرحة، وخاصة عندما سكنني انطباع أنها سعيدة في بيتها.. كل حركاتها كانت تشير إلى ذلك... سُرِرْتُ بذلك وآثرت أن لا أعود لهذا الصديق مرة أخرى... فقد كان ندمي كبيرا، وكأني حجر القيَّ في بئر فأثار فيه الدوائر التي تحرك الماء، لكنها تتكسر على جدران الصخر...

عصري فياض

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى