نقوس المهدي - هكذا تكلم عباس الرابع

"... وعنكم أروي
عن أطفال الإسمنت، عن الفول المَسلوق على نغمات الغيوان بقيسارية الحيّ
عن النسوة إذ يتصفَّحن على مهل أدوات الزينة
عن جيل يولد في "الجِيرْكِ" ، وينشأ في "الرِّيكِي" كَي يكبر في "السْميرْف"
ولا حول ولا قوة إلا بالعدس المسلوق وبالشاي البائت.... "
أعلنتُ عليكم هذا الحب - عبد الله راجع




1- دعوة لنبيذ الأحزان

إنه القحط ..
وحينما تحضر سنوات الجدب، يزورنا الفقر في سحنات الدراويش وأعينهم التي أذبلها رمد السنين وحولها كالجمر الخامد.. يحضر حاملا معه القمل والعمش وآلام البطن والأوبئة.. تجدب الجيوب وتفرغ نظراتنا للأشياء من مفاتنها وتصبح كالشبح الضامر، وتنزلق الابتسامات من شفاهنا كالصفير.. وحينما نحاصر أبجديته داخل فضاءات الذاكرة، نصرخ في عتمة النهارات الجافة مشتعلين شوقا لقطرات الماء، وتغمرنا الشهوة للتخمة، والوجبات الدسمة تذكرنا بفرحة اللقلق العائد من متاهات الغربة والحنين..
إليك أيتها الرياح الديسمبرية.. أرفع احتجاجي لأنك تزفرين بدون دموع.. وتجرفين بقايا السنين العجاف عبر أراض متآكلة بالعشق.. غبراء جرداء قاحلة كبطن ذئب أنهكه السغب..
أيها القحط.. أخمد نيران صخبي المحموم على عجل.. لأني أحلم بمعانقة دجاجة تؤدي ضربة مقص في بركة من زيت، أحول جسدها ريفا لجوعي المشبوه، واغتيال حزني الراعف من دماغ بلون اليأس.. إن ألوان اليأس باهتة كالذاكرة المعتمرة بالأوهام..
كم أمقتك.. كم أعشق رحيلك متدحرجا عبر قنوات دورات المياه والبالوعات من تحت أحزان أراضي الفلاحين المشبوحة على خرائط الحرمان..
قل إنك ترحل.. أيها القحط المريض بدوار الرأس وأنيميا الاخضرار والقيء والإسهال المزمن الساكن بمخاض الأعوام ومنعرجاتها..
قل: إنك ترحل دون رجعة، لك أوجاع المفاصل ومتاهات الغربة والحنين بكل الأزمنة المجبولة بالحرمان والممنوعة من الأفراح والمعمدة بالأحزان المعتقة وقرحة المعدة وآلام البطن وفقر الدم وبكاء الصبية والهزائم المتكررة والرهبة والخوف..
خذ قلما أيها القحط وسجل...
أشهد أني الموقع أعلاه.. دفعت بإخوتي للاشمئزاز وقمع الضحك والفتك بالطيور والأشجار... في الزمن الأسود تواعدنا كان القيظ ثالثنا والموت يخرج من أعماق المجهول بعكازتين وعينين من رماد نتآمر على سلامة مدن البدو بالغبار والنقع والجوع والحرمان... سأحزم حقائبي وأرحل، وإذا افتقدتموني، ابحثوا عني في مزابل الفقراء، ووجبات الفول والعدس ومدن الصفيح وأقبية المخافر وحكم الطوائف وحصار الموت وأمراض الصدر وطوابير القمل والسوق السوداء والقهر في وضع تسلل..
أيها القحط..
هذه السماوات هل تبكي..؟
هل في مآقيها يورد الياسمين ..؟
هل تهدينا الرياح ضفائرها..؟
ها أنا أبدأ الآن صقل ربيع جديد.
أنثر بهاراتي على ضفاف الكلمات.
وأسمو بالمعاني فوق سقالات العنفوان.
وأسلم لريب المودة طيفه..
عله يطلع من هشيم الخيال مخضبا بنفح الطيب..
وأتلو سورا من إشراقات النشيد المؤتمن على حمى الشوق الدفين مثل زهر وخمر..
أي شوق هذا الذي يشوي كذكريات نبتت ذات أصيل في دمن العري..
تفرز أجيالا من الخزامى وسريالا من اللهاث..
لنبدأ من هنا والآن..
ورويدا رويدا.. تبدأ وصلة رقصات قارية يفرزها ظل القراءة تحت لسان الحقيقة..
كي تطلع القصيدة..

2- حكاية التيه

لنحاول معا ترتيب هذا العالم من جديد.. بعد هذا البرولوغ غير المنسجم مع نص يتوخى إدخال السرور والغبطة على قلب القارئ.. أنا عباس الرابع سليل المحرومين والبؤساء والمفلسين، أعرف مسبقا أني لو استنجدت بك أيها القارئ التعيس لسلبتني ما أملك، لكني والحمد لله أملاكي فائض من الأحزان والمآسي والنكبات.. أموالي نفذت منذ ساعة.. مخمور وربي وتعتعني السكر، لكني يقظ وحريص.. لا أعرف كم حانة غزوت لحد الآن لكني أبصر بدل الواحد عشرة.. وفي الساحات الواطئة أشباح تستمنيها الممرات والسراديب المعتمة.. أناس من كل صنف ولون، أقترب منهم ويقتربون مني.. وأصوات من بعيد تأتي لنماذج قادمة من أسن طفولة بائسة يائسة معروقة عجفاء ضامرة كالحة جائعة ذات متربة.. قفزت إلى دماغي قولة ثعلب ذلك الروائي الذي يتصور ( لو أن هيمنغواي ولد في ابن مسيك لصار ماسح أحذية.. وهنري ميللر لو ولد في الحي المحمدي لكان على أكبر تقدير خرازا….) ، وتذكرت تلك اللوحة لصديقي عبد الله التي رسم فيها أطفالا يتطلعون لقمر أسود بشوق كظيم ونهم وجوع لا يوصف.. نظراتهم محروثة بالفراغ السديمي ومحاطة بسياج من الرغبات المحبطة والغامضة.. أتذكره ذاك المساء البعيد وهو يشرح لزوار المعرض الأغنياء نظرياته عن أقطاب السياسة ومصير الكرة الأرضية والصواريخ العابرة للقارات والقمم العربية والحرب الباردة والحروب النووية والمعارك المستقبلية… ويتكلم للزوار الفقراء عن الحرية وثورات الخبز والجوع وانعتاق الشعوب وأزمة التغذية والديكتاتوريات والبطالة والضياع ..
ذلك أن الفقراء يكتفون بالنظر والخشوع والإعجاب..
والأغنياء لا يحبون رؤية مظاهر البؤس والفقر في أبهاء قصورهم..
واقتناها شخص مسكون بسادية أبدية..
ذكيا كان صديقي..
ومرنا كنت أعرفه…
………
............
قال أحدهم بفرنسية مكسرة :
- لقد أغلق الله الصنابير.. سوف تأكلون ( اليرني ) كما أكلته سنة 1945
وقال آخر بأسنان مكسرة
- أكلت خبزا بدهان .. وحلمت ليلتها بأشياء وأشياء..
لكن ترى بماذا يحلم الأغنياء والصيارفة والمرابون والمضاربون وعقيلات الأعيان والقادمون من دمن حياة محنطة بالحرمان والكبت والجوع وأقراص الفياغرا.. هل أبحتم لأنفسكم مضاجعة امرأة في سن اليأس.. إنكم كمن يتوسد سجلا مفعما بأعراض مرضية أسطورية لا وجود لها… أتذكر الفتى العشريني الذي تبضعته عجوز في الستين.. كان يمارس معها ذلك الشيء بدون رغبة.. كانت بئرا غائرة مياهها تستنفر كل احتياط شبقها وشهيقها ورغبتها.. وتستعد بكل أوسمتها ونياشينها وتجاربها للصعود فلا تصل.. كان كمن يواقع بومة محتجبة في كهف مظلم.. كان يطمر تعاسة شبابه في شروخ عجزها المبهم..
كانت تمتص نضارة صباه بشبقية عقيمة..
لم تمت…
شاخ هو…
وعاشت هي 1000 سنة..
ولم يرث الذهب.

3- حكاية الفتى الساقط على رأسه..

أدركتني التخمة من أكل الغبار، ولما اختفى الدقيق من الأسواق طويت جهازي الهضمي ووضعته تحت رهن سنين التقشف والأزمة العالمية وانهيار قيمة الدرهم ومخططات صندوق النقد الدولي واتفاقية التبادل التجاري الحر.. فزكمتني رائحة الغائط.. ولما ذبت الزرقة في عروقي، قال والدي تلك رائحة البحر أتت تهديك سورتها.. إنك تتنبأ بسنين مرعبة.. لا تقصص هلوستك على أحد فتكيد لهم كيدا.. رفعت هامتي وتهاوت وتساقط زغب أهدابي، ورأيت الدنيا ضبابا وغيوما هلامية تهجع في فراغاتها طيور تنزح من حداثة الخرافة..
توجهت لدورة المياه.. كانت رائحة الحموضة تزكم الخياشيم.. ذكرتني للتو برائحة أقسام جراحة المسالك البولية.. على الحائط كانت هناك كتابات متنوعة عربية فرنسية إنجليزية وأمازيغية وطلاسم أخرى لم أفهمها.. تصورات وتخرصات ونظريات في الطبيعة والحياة والجنس.. معادلات رياضية، فيزياء، كيمياء، خطوط طولية وأخرى عرضية، خطوط متعرجة، صور لفتيات، فتيات عاريات كما ولدتهن أمهاتهن، صلبان وصلبان معقوفة.. حيوانات وأعضاء تناسلية، قبل وعناق وفروج، علامات الحرية، شارات النصر.. أسماء وأسماء فرق كروية ونتائج مباريات.. أشعار وأمثال وشعارات.. صراصير نمل وضفادع وسحليات وأعقاب سجائر وأوحال وأحجار.. فحم ويخضور..
تركت للعين حرية التمتع بهذا التشكيل وهذه الفسيفساء..
أية هلوسات هذه التي يختزلها هذا المبكى..
لم يكن في أمعائي شيء البتة..
كنت فقط أضرط وأتجشأ وأتسلى.. كانت هناك أجسام غريبة تخرج رؤوسها من فتحة الشرج، تمد ألسنتها المخروطية الشكل والشبيهة بالسباكيتي وتزغرد.. كان بالخارج شخص ينفخ في مزمار وآخرون يقرعون البنادير مؤدين وصلة عيساوية، وكانت الديدان الشريطية والدبوسية ترقص بدورها محركة ألسنتها كأنها امرأة تزغرد في عرس أو شخوص معلقة من أرجلها من حدقة مشنقة..
كنت أتلوى من ألم الفلفل الحريف ووجع الجوع ..
وكان العازفون يشحذون..
إنه الفقر..
وطني كم ظلموك..
وهم من فرط كرههم لنا ومن فرط سمنتهم.. ظلمونا وادعوا أنهم أهينوا، فسبقونا واشتكوا..
ونحن شكونا لك يا أ الله..
سلمنا بجاهك..
ويممنا وجوهنا تجاهك..
مزقت ورقة من مجلة باريسية يمينية، كانت تحمل الرقم 67 وعناوين تندد بالعرب.. آخ.. كم أكره هذا الرقم المشئوم وأرقام أخرى تنكأ الجراح.. قفزت إلى الذاكرة صور عن اندحار الجيوش العربية الشجاعة وهي تتولى مهزومة منكفئة متفككة متولية هاربة متفرقة في سيناء وصحراء النقب وشرم الشيخ ومرتفعات الجولان والضفة والقطاع.. خطب عبد الناصر الثورية، البلاغات العسكرية الوهمية بصوت أحمد سعيد ومحمد عروق التي أسقطت الطائرات وأحرقت البوارج، الأناشيد العنترية التي حررت الحدود من استوديو صوت العرب
وقف إطلاق النار..
نامت نواطير مصر عن عساكرها
وحاربت بدلا منها الأناشيد
مات أمل العرب..
مات الذي قال:
لا تصالح
ولو منحوك الذهب..
قال هذا الكلام وانسحب من الركح.. كفر قاسم دير ياسين تل الزعتر، اثنان وخمسون يوما من الحصار.. ثلاثة آلاف شهيدا استشهدوا.. آلاف الجرحى جرحوا، ستون ألفا من القذائف قذفت وكل شيء أضحى جرحا في الذاكرة، تبا لبرودة الأرقام.. بيروت، بغداد، القدس، ملجأ العامرية، جنين وصبرا وشاتيلا، وحين هوت مدينة القدس.. استوطنت الحرب.. فيروز الشيخ إمام عيسى.. الرصاص القمع الموت السجون حريق الأقصى الغازات، الخلافات.. الخلافات.. السجون .. الحجارة ، الحجارة أصدق أنباء من الكتب.. لو كنت حيا يا حبيب يا ابن أوس يا ابن الحارث لما كنت تقول غير هذا.. لكن نم قرير العين فنحن بنو يعرب، ما زال الشعر لدينا هو ديوان العرب.. وأمراء البترول العربي من مواليد برج العذراء.. ويعشقون كما عهدتهم الليل والخمر والشعر بجميع ألوانه الأشقر والأسود الموزون والمسترسل على الكتفين والحر فوق العانة والإبطين ..
ضحكت في سري من هجانة هذه الأفكار وفي هذا المكان بالذات.. ولو لم أضحك لبكيت ، لكن قلت: ماذا ينفع البكاء.. فطالما بكى شعراؤنا على أطلالهم فتهاوت بعدما كانوا يتوقعون أن تصمد بوجه السنين والأيام.. لأتجلد فنحن العرب رجال نشامى أقوياء غلاظ شداد.. إذا أسرجنا وركبنا لا ننزل إلا حينما ينهق الحمار في البحر..
كانت على الصفحة صور عديدة منها صورة المستر جيمي كارتر مهندس السلام، وأنور السادات، ومناحيم بيغن ورونالد ريغن، وآل بوش الأب والابن والحفيد، إسحق شامير وغولدا مائير، أرييل شارون، وموشي دايان، فيديل بوكاسا جعفر نميري ورضا بهلوي، أدولف هتلر موسوليني وبينوشيه، الجنرال فرانكو سوموزا ونيكولاي تشاوشيسكو، أسامة بن لادن الملا عمر وجوناس سافيمبي بوجهه القميء الذي يشبه الضفدعة، أعضاء في منظمة الكونترا، رئيس المخابرات الأمريكية، رئيس شعبة مكافحة الشيوعية، أثرياء البوكر والنفط والكوكايين والكوكاكولا والبيبسي كولا والشوينغوم والماكدونالدز واللوطو..
لم أستسغ فكرة الاسترسال في قراءة الأسماء، أعتذر لمن لم أذكر أسماءهم.. بسطت الورقة، مسحت بها إستي، طمست معالم وجوههم صفرة الغائط ، طويت الورقة حولتها لمقبرة جماعية للأشرار والمجرمين والقوادين وحكام الموت.. وقبل أن يرتد إلي طرفي سلطت عليهم وابلا من البول، وأغرقت دينهم في طوفان من الحموضة والبهدلة.. وتركت الديدان تستلذ بأكل عيونهم...


* نشرت بجريدة العلم


* من "صنائع من نوبة عراق العجب".. متوالية قصصية، 2014. انفوبريس - فاس - منشورات منتدى مطر


* مجموعة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى