خالد جهاد - فاروق شوشة.. فارس على صهوة اللغة العربية

المبدع لا يموت بل تظل سيرته وأعماله ومواقفه خالدةً في أذهان الناس، بل وتتحول بمرور الوقت إلى علاماتٍ يسترشد بها حين تحار العقول وتختل الموازين ويكثر اللغط وتنحرف البوصلة بعيداً عن الصواب والحقيقة وسط مشهد يتسم بالفوضى والعبثية وتتابع الفتن، لذا كانت ولا زالت استعادة مسيرة كبارنا وأيقوناتنا ضرورة للتذكير بما نفتقده وما ينبغي أن نكون عليه، وبما أن اللغة العربية بحرٌ واسع يحتضن محبيه من كافة الثقافات لا بد أن نتذكر أحد عشاقها ومحبيها وحراسها وفرسانها.. الفارس والشاعر والأديب والمثقف المصري الكبير فاروق شوشة..

ولد فاروق شوشة في ٩ كانون الثاني/ يناير/ جانفي عام ١٩٣٦ في قرية (الشعراء) بمحافظة دمياط، ونشأ في بيئةٍ ريفية بسيطة تعتمد في تلقي العلم على الكتاتيب المنتشرة فيها، فكان لها الفضل في غرس اللغة العربية في وجدانه منذ طفولته المبكرة، كما لعبت مكتبة والده المكتنزة بدواوين الشعر وكتب التراث العربي القديم دوراً مهماً في تأسيسه شعرياً، فقرأ في سن الثامنة الطبعة الأولى من ديوان (الشوقيات) لأمير الشعراء أحمد شوقي، وكان يعتمد عليه في كتابة موضوعات الإنشاء وهو ما لاحظه أستاذه (أحمد عبداللطيف الشنهابي) وجعله يعجب لذلك، ومالبث أن تحول العجب إلى إعجاب جعله يشتري له كل شهر كتاباً جديداً يهديه إليّه، وأتم حفظ القرآن الكريم كاملاً في سن العاشرة من عمره وتعلم معه اللغة العربية التي تعلق بها من خلاله وظل مقيماً بقريته حتى أنهى تعليمه، ثم التحق بالجامعة في سن السادسة عشرة من عمره ليتخرج من كلية (دار العلوم) ب(جامعة القاهرة) عام ١٩٥٦، ومن (كلية التربية) التابعة ل(جامعة عين شمس) عام ١٩٥٧ وعمل كمعلم بمدرسة النقراشى النموذجية ب(حدائق القبة) في نفس العام قبل أن يلتحق بالإذاعة المصرية في العام الذي تلاه عام ١٩٥٨، فبدأ في (البرنامج العام) قارئاً لنشرة الأخبار ومقدماً للبرامج، إلى جانب تطوعه للعمل وتقديم (البرنامج الثاني) مع صديقه الأديب الكبير (بهاء طاهر) بالإضافة إلى العديد من البرامج مثل (مع النقاد)، (مع الأدباء)، (كتابات جديدة)، (شاعر وديوان)، (زهور وبراعم)، ثم تدرج بالعمل فيها لسنواتٍ طويلة راكم فيها من خلال تجربته خبرةً كبيرة كانت سبباً في رحلة إعارة إلى الكويت بين عامي ١٩٦٣-١٩٦٤ ليعمل هناك مدرباً بإذاعتها ثم رئيساً للقسم الأدبي فيها، ويذكر أن إذاعة الكويت تملك تجربةً خاصة ومتميزة ثقافياً وكانت إلى جانب البث التلفزيوني الكويتي محطةً هامة لأهم وجوه الفن والثقافة والأدب في العالم العربي، وبعد عودته إلى مصر أثرى مكتبة إذاعتها المحلية والعربية بما قدمه من إنجازات كبيرة تخللها إصداره لعددٍ كبير من دواوين الشعر فاقت ٢٥ ديواناً في حالةٍ فريدة امتدت على مدار نصف قرن قدمت إلى جانب نصوصه العاطفية الأدب الذي يرتكز على الإنسان وحياته وهمومه، بدأت بإصدار ديوانه الأول عام ١٩٦٦ وكان بعنوان (إلى مسافرة)، وتلاه أعمال بارزة مثل (العيون المحترقة) عام ١٩٧٢، (لؤلؤة في القلب) عام ١٩٧٣، (في انتظار ما لا يجيء) عام ١٩٧٩، (الدائرة المحكمة) عام ١٩٨٣، (لغة من دم العاشقين) عام ١٩٨٦، (يقول الدم العربي) عام ١٩٨٨، عشرون قصيدة حب عام ١٩٨٩، (هئت لك) عام ١٩٩٢، (سيدة الماء) الصادر عام ١٩٩٤، (وقت لإقتناص الوقت) عام ١٩٩٧، (وجه أبنوسي) عام ٢٠٠٠، (الجميلة تنزل إلى النهر) عام ٢٠٠٢، (الأعمال الشعرية في مجلدين) عام ٢٠٠٤، (أحبك حتى البكاء) عام ٢٠٠٥، (موال بغدادي) عام ٢٠٠٦، (ربيع خريف العمر) عام ٢٠٠٨، (النيل يسأل عن وليفته) عام ٢٠٠٩، (وجوه في الذاكرة) عام ٢٠١٠، (أبوابك شتي) عام ٢٠١١، (الرحيل إلى منبع النهر) عام ٢٠١٢، (ينفجر الوقت) عام ٢٠١٣، (قصائدي التي تصحبني) عام ٢٠١٤، (نخلة الماء) (صدر بعد وفاة الشاعر) عام ٢٠١٧، كما تعتبر أيضاً (عذابات العمر الجميل) و(العلاج بالشعر) و(لغتنا الجميلة)و(أحلى عشرين قصيدة حب في الشعر العربي) و(أحلى عشرين قصيدة في الحب الإلهي) و(لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة) من أهم مؤلفاته التي اتسمت بالرومانسية والعذوبة والصفاء وسهولة الكلمات إلى جانب الفصاحة وقوة المعاني والأفكار وجمال الصور والبناء المتين لها، كما ضمت أعماله أيضاً ٧ دواوين شعرية خاصة للأطفال منها (حبيبة والقمر) عام ١٩٩٨ في تجربةٍ مميزة ونادرة عربياً أطلقها شعوره بهم بعد أن رزق بعددٍ من الأحفاد، عدا عن حرصه على مناقشة قضايا لغة الضاد في برامجه، وأصبحت قصائده التي تجمع بين الحب والمشاعر الوطنية علامات بارزة مثل (بغداد يا بغداد)، و(لحظة بقاء) و (رسالة إلى أبي) و (الشهداء)..

وخلال مسيرةٍ حافلة قدم عدة برامج صنفت كمحطات بارزة في تاريخ الإعلام العربي مثل البرنامج الإذاعي المعروف (لغتنا الجميلة) الذي انطلق عام ١٩٦٧، ومن خلاله ناقش شوشة أهم القضايا المتعلقة باللغة العربية بالإضافة إلى إلقائه الشعر بصوته العذب على المستمعين والذي حصل على الجائزة الأولى في (مهرجان الإذاعة) عام ١٩٧٩ وتحول إلى كتاب ضمن مشروع (مكتبة الأسرة)، والبرنامج التلفزيوني (أمسية ثقافية) الذي بدأ عام ١٩٧٧ بعد برنامجه الإذاعي بعشر سنوات والذي استضاف من خلاله رموز اللغة العربية وشعرائها وكتابها، والذي قام فيه بتوثيق السيرة الذاتية لعدد كبير من الشعراء والأدباء في مصر مثل عبد الرحمن الأبنودي، يوسف إدريس، أمل دنقل وغيرهم عدا عن برنامجي (دنيا ودين) و (صور شعرية)، وشغل منصب مدير عام البرامج الثقافية عام ١٩٨١، ثم نائباً لرئيس الشبكة الرئيسية بالإذاعة عام ١٩٨٦، ثم رئيسًا لشبكة البرنامج العام في عام ١٩٩٠، ثم نائباً لرئيس إذاعة القاهرة في نهاية عام ١٩٩٠ أيضاً، كما كان أستاذاً للإلقاء والتذوق في كلية الإعلام لعدة سنوات، واستمر في عطائه الإبداعي في عالم الإعلام حتى توجه بتولي إدارة الإذاعة المصرية عام ١٩٩٤ وبدأ معها مرحلةً مختلفة من مشواره الغني الذي تخللته مشاركات في مهرجانات الشعر العربية والدولية..

ولم تقتصر رحلته على هذا المنصب بل شغل عدة مناصب منها الأمين العام ل(مجمع اللغة العربية) في القاهرة، وعضو (مجمع اللغة العربية)، وعضو لجنة الشعر ب(المجلس الأعلى للثقافة)، و(رئيس لجنة النصوص في اتحاد الإذاعة والتلفزيون)، رئيس مجلس إدارة (جمعية المؤلفين والملحنين)، عدا عن إلقائه لمحاضرات في الأدب العربي ب(الجامعة الأميركية في القاهرة) لأكثر من عشرين عاماً، كما تلقى الراحل العديد من التكريمات من دول ومهرجانات ومؤتمرات كثيرة في مصر وخارجها، منها جائزة الدولة في الشعر عام ١٩٨٦، وجائزة (كفافيس) العالمية عام ١٩٩١ وهي جائزة تمنح للمبدعين من مصر واليونان في مجالات الشعر والقصة والنقد الأدبي، جائزة الشاعر (محمد حسن الفقي) عام ١٩٩٤، جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام ١٩٩٧، وكان آخر ما حصل عليه جائزة (النيل في الآداب) في يونيو/حزيران/ جوان عام ٢٠١٦، وهي أبرز جائزة سنوية تمنحها مصر بمجالي الثقافة والفنون..

عرف عن فاروق شوشة تواضعه وتفانيه في العمل وسعة إطلاعه وعطائه الكبير ودماثة خلقه وقراءته الصحيحة للواقع كما عرف عنه ولعه الشديد باللغة العربية وغيرته عليها ودفاعه عنها حيث كرس حياته لخدمتها ولم يتردد في نقد وسائل الإعلام والمثقفين وكل من لا يعطي هذه اللغة العظيمة قدرها بشكل مباشر ولاذع وجريء، كما رفض أن تحل العامية بديلاً عن الفصحى فقال في أحد تصريحاته: (إن كميةً مهولة من الأخطاء تظهر على ألسنة العاملين بأجهزة الإعلام وعلى ألسنة الضيوف في برامجهم، وأصبح من النادر أن نجد متحدثاً يجيد لغته أو يستطيع السيطرة عليها، اللغة العربية قادرة على استيعاب كل العلوم وليس هناك مؤامرة على هذه اللغة لكن لا بد من إرادة قومية للدولة تهتم بمسألة النهوض بها، أعتقد أننا نحن الذين تخلفنا، ونحن الذين أهملنا لغتنا العربية ونزلنا بمستوى التعليم إلى الحضيض، وإذا كان هناك متآمرون فهم نحن..

وفي وصفه للمثقفين بعد تأمل طويل صرح قائلاً.. أنتم صناع هذا الفساد، وعباقرة هذا التردي، وأنتم من ألغيتم القيم الصحيحة والنبيلة، وجعلتم من المؤسسات مجرد كيانات لا تقدم ولا تؤخر شيئاً، ثم تأتون لتقولوا إن الثقافة كان ينقصها كذا وكذا، أين كانت ضمائركم وعقولكم؟، كما أن المثقفين أنفسهم لم يسلموا مما يوصف به الإنسان المتهالك، المتطلع، المستعد، أن يبيع أى شىء من أجل أن يغنم منصباً أو وظيفة أو وضعاً أو شهرة أو جائزة أو دوراً، وتحت هذه العناوين رضخ كثير منهم للواقع الذى كان موجوداً ولايزال، وظنوا أنهم أفضل من غيرهم بينما سعوا للحصول على منصب، وترددت أسماؤهم بمناسبة أو غير مناسبة وظهرت صورهم فى الصحف والقنوات وأفرطوا فى الكذب والخداع والمساومات والنفاق والشللية، كما أنهم يتفرغون لتصفية حسابات قديمة بمجرد تقلد منصب ما، وأصبحت كلمة (مفكر) تطلق على من ليس له أدنى حظ من التفكير، وقد يكون مفكراً كبيراً وعندما تسأله.. مفكراً في ماذا ومفكر كبير بإمارة ماذا؟ فلا يجيب..

قصيدة (أنا إليكِ)..

أنا إليكِ مبتداى، حاضري ونهايتي..
أشعلت أيامى فصارت نارها حقيقتي..
فإن سألت عن هواى هذه حكايتي..
ندية كوجهك الملئ بالطفولة
رخيمة كصوتك المنساب فى سريرتي..
عميقة كعطرك الزكى فى حديقتي..
حسبي على طول الزمان أنتِ حبيبتي..
*****
لو نجمة تنير لي لو كان يهمس القمر..
بأن موعداً لنا، نسرقه من القدر..
فالتنطلق أنفاسنا، وشوقنا الذى استعر..
وليحمل النسيم الشجي بوحنا إن عبر..
ولتسترح عيوننا....في واحةٍ مدى البصر..
ياكم تشاكينا.. ظمئنا..
ثم أقبل المطر..
*****
سيشرق الصباح حبيبتي، سيشرق الصباح..
فليسكت الأسى الذي أظلنا، ولتسكت الجراح..
اليوم لا مكان للدموع في عيوننا، ولا نواح..
إنا معاً على المدى، يظلنا معاً جناح..
مادمت ملء خافقي، فألف اهلاً يا رياح..

توفي شوشة يوم ١٤ تشرين الأول/ أكتوبر عام ٢٠١٦ عن ثمانين عاماً تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً ووجدانياً ومسيرةً تستحق التقدير والإحترام والمحبة، وقد نعاه وزير الثقافة المصري (حلمي النمنم) في بيان قائلا (كان شاعراً كبيراً ومعلماً عظيماً تربى على يديه ملايين المصريين والعرب)، كما نعاه مجمع اللغة العربية بالقاهرة وكثير من الكتاب والأدباء والإعلاميين العرب ليتحول إلى أحد أيقونات اللغة العربية وأعمدتها في التاريخ العربي المعاصر، وليظل مكانه خالياً وذكره معطراً بأبجديةٍ شاسعة تحيك من حروفها أوسمةً من الحب تليق بما قدمه من عطاء ٍ في ميادين الفكر والثقافة والأدب الذي يبحث عن فرسان ٍ في مكانته وهو القيمة والقامة التي لا تتكرر...

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى