محمد مزيد - بلاغة الأصابع

أستيقظتُ في الصباح، فوجدتُ فمي مغلقاً، كما لو كان هناك غراء لصقت به الشفتان، يبدو أنه قد جرت عملية اللصق ليلا، وأنا نائم ، لأنني لم أشعر بالألم أو الوخز . نظرت مدة طويلة الى وجهي في المرآة ، وأنا أغسله ، ثم حاولت فتح فمي من دون فائدة، فلم أستطع. أصبتُ بالذعر والخوف على مستقبلي ، وجدت زوجتي في المطبخ تعد الفطور ، " صباح الخير يا زوجتي العزيزة " تحركت أصابع يدي اليمنى لوحدها ، وقالت ذلك بدلا عن فمي ، قالت زوجتي وظهرها الي ّ، "صباح الخير يا زوجي العزيز " ، عندما شممت المخلمة التي كانت تعدها، انفتح فمي وبدأت اتنفس من خلاله ، جلسنا الى طاولة الفطور الصباحي ونحن صامتان، لست أحب أن أكون ناقما منذ الصباح على التفاهات، التي غالبا ما ينقم بها الازواج على زوجاتهم، هذه عادة تعلمتها منذ زمن بعيد ، لكن أنغلاق فمي وتوقفه عن اصدار الاصوات تثير أكبر النقم ، فكرت أن أقول لها " إنني سأخرج مبكرا اليوم " فخرجت فكرتي بصوت رخيم من أصابعي ، ازددت رعبا وخوفا ، كيف تحولت افكاري الى أصابعي بهذه الرخامة، لاتنظر زوجتي الى وجهي حين اتحدث معها، وهذا من محاسن علاقتنا الزوجية او مساوئها ، لا ادري ! فهي قد ملت كما يبدو من النظر الى وجهي بعد زواج دام اكثر من ثلاثين سنة ، فقالت وهي ترتشف الشاي وتنظر الى النافذة " براحتك عزيزي ، اعتدت على خروجك المبكر في الصباح وكأنك ستحل مشاكل الكون ، فما الجديد في هذا اليوم لتخبرني بذلك ؟ " أحب تهكمها وسخريتها ، أعرف أن قلبها ممزق لأنني أحب الشقراوات في هذا البلد ، وأكتب تفاصيل أجسادهن الجميلة في يومياتي ، و لايفيد أبدا أن أكرر أمامها انها من صفات النساء اللاواتي يرسمهن صديقي الرسام ، فلا تقتنع ، وفقدت القدرة على إقناعها على إنها أجمل امرأة في حياتي .
خرجت الى مقهاي الذي أطل منه على نهر الجمال الأنثوي، وأنا مازلت أشعر بالرعب، بسبب تحول الأصوات من فمي الى أصابعي، مضت ساعة، فأذا بصديقي الرسام يأتي ويقف عند رأسي، وقبل أن يجلس قال " ماذا تكتب ؟ " لم أنظر إليه ، خرج صوتي من أصابعي " لا أكتب، بل أتأمل الجمال فحسب " لم ينتبه صديقي، الى أن الصوت قد خرج من أصابعي فقال " عذبتني بائعة الملابس التي حكيت لك عنها طويلا ، بالأمس ظهر إنها على علاقة بشاب لديه سيارة حديثة، ما إن أنتهى عملها ، حتى صعدت سيارته، وألقت علي تلك النظرة المستخفة الوقحة " ثم قال يائسا " انا لا أطلب منها أي شيْ سوى أن تنظر الي مرة واحدة نظرة طويلة ، أحتاج الى هذه النظرة حتى يمكنني رسمها ، لم أنظر إليه ، قالت أصابعي " أنت صاحب نظرية " الجمال المجرد " كيف بك تتعلق بجسد امراة وهو مجرد جسد لايبحر عميقا في اسرار الحياة؟ " ، نهض متعصبا ، عدل حزام بنطاله وقال غاضبا " كيف تقول أنه مجرد جسد ، هل رأيت وركيها عندما تمشي أمامك ؟ يا إلهي ، أنا مستعد أدفع نصف عمري فداء لحظة واحدة أرى مؤخرتها على الطبيعة ، إنها مخلوقة كاملة " وجدتني غير قادر على مواصلة هذه المماحكة وأنا في فورة الرعب الذي أعيشه من جراء انتقال صوتي الى أصابعي ، فانتبه الرسام الى انني حين أحدثه لا أنظر إليه ، وهذا يعد في قرارة نفسه ، تقليل من شأنه ، فقال " لماذا تحدثني ولا تنظر إلي ؟ فقلت ضاحكا وأنا اجيل النظر الى الجمال خارج المقهى " لا أحب النظر الى " جهرتك " التي سئمتها " وبقيت أصابعي تضحك ، غير أنه ضحك فيه شيء من الرعب أكثر ما فيه أريحية " ها أنت تسفهني ثانية ، لن أبقى معك اليوم ، سلام " غادر المقهى وتنفست الصعداء .
تركت المقهى واتجهت مرعوبا الى طبيب الأنف والأذن والحنجرة ، وهو صديق عربي ، وأخبرته بالذي يجري لي ، أخبرته بذلك وهو يقلب هاتفه ، كانت أصابعي تخرج أصواتها مترددة خائفة ، قلت له أنظر الى وجهي ، لن تراني أتحدث بفمي ، بكبرياء وتعال الاطباء، نظر بطرف عينه ، فحدثته أصابعي ، والآن هل تأكدت ؟ رمى الطبيب هاتفه الى المنضدة وأصابه الفزع ، بل أصابه المس والخوف ، نهض ، رجع الى النافذة ، كاد يسقط منها رعبا ، فلم امكث معه طويلا، خرجت من عيادته واتجهت الى المترو الذي سيقلني الى شقتي ، جلست بجانب امرأة عجوز تضع الاصباغ على وجهها، وأحمر شفاه شديد الاحمرار، ففكرت أن هذه العجوز من سلالة منقرضة ، فقالت أصابعي ذلك بلغة أهل البلد " هذه العجوز من سلالة منقرضة " التفتت إلي غاضبة " ماذا قلت عني أيها السيد ؟ " نظرت إليها، وأصابعي قالت لها " لماذا تضعين أحمر الشفاه على وجهك وأنت من سلالة منقرضة ؟ " صرخت العجوز ، لأنني كنت أحدثها وعيناي في عينيها، راقبت فمي فلم تكن الأصوات تخرج منه ، صرخت العجوز ونهضت واخبرت الركاب أنها تسمع أصوات تخدش الحياء بجانب ذلك الرجل وأشارت إلي ، فاقترب مني الشباب والشياب متحفزين ، قالت أصابعي وأنا أنظر اليهم " تعالوا هنا أنا الصوت الذي يحدثكم، وليس هذا الرجل المسكين ، استحسنت ذكاء أصابعي، وهي تبعد أنظار الناس عني ، بحثوا عن صاحب الصوت فلم يجدوه ، فقال أحدهم " أشباح .. أشباح تغزو المدينة " توقف المترو وتطافر الركاب من أبوابه هلعا، راكضين من وجود الاشباح ، وانا نزلت معهم أركض خوفا مثلهم من الأشباح ، ولما رآونا الناس الواقفين على الرصيف أو المتسوقين أو أولئك الذين يضعون اصابعهم بانوفهم ، إننا نركض ، بدأوا هم بالركض معنا ، جميعهم يصيحون أشباح ، أشباح ، أشباح ، وأخذت المدينة كلها تركض خوفا من أصابعي الناطقة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى