أمل الكردفاني - العناية بالأيام.. قصة

يقول غالو
"سأعتني بأيامي رغم أنها تقودني إلى الموت حتماً"
يقول ويدخل إلى المرحاض ليتخلص من منغصات اليوم التي زرعها البارحة بيده. ثم يخرج بارتياح، ويتجه إلى غرفته ويمسح بكفه المرتعشة على بندقيته السوداء الملقاة فوق سرير النوم الكبير.
في هذا الصباح، يلقِّم البندقية، ويبدأ في إطلاق الرصاص النحاسي الكبير على أجساد الكلاب الثلاثة التي جلبها من الخارج. كانت كلاباً مشردة، كانت في الحقيقة حرة، بل شديدة الحرية، قبل أن يحاول عبر دمائها أن يعود إلى ماضيه حينما كان مجرما بأمر القانون في الكتائب العسكرية التي ذهبت للدفاع عن مصالح أقلية عرقية ضد أغلبية تم تجهيلها ودفعها نحو الحضيض باستمرار حتى لا تقاوم.
نعم سيعتني غالو بأيامه دون أن يعرف كيف. ربما بإطلاق الرصاص على الكلاب المشردة والتي استدرجها بخدعة دنيئة إلى باحة منزله الذي بناه هنا ليختفي عن الجواسيس الذين يلاحقونه ليقتلوه. الجواسيس؟ لقد نما كل شيء في عقله أكثر مما يجب. امتلأت جمجمته بأدغال من الأوهام.
ويسألني ممرض نحيل عن ذلك، فأجيبه بأنني لست محتاجاً للخيال كثيراً لكي أكتب رواية. لقد التقيت بآلاف البشر. إنني أملك ثلاثة نماذج سابقة لأي شخصية جديدة ألتقي بها. إن البشر يحاولون الاعتناء بأيامهم على نحو مفرط ولكن بأيامهم القادمة وليست تلك التي يعيشونها. أولئك الذين يطالبونك دوماً بعدم التعميم لأنهم لم يقرأوا يوميا تعميمات السوسيولوجيين وعلماء الطبيعة، وجدل الاستقرائين المزمن مع الساخرين منهم.
وإنه لمن المؤسف -كما كانوا يقولون في الجمل القديمة- وإنه لمن المؤسف أن نستيقظ منذ الصباح لندخل مباشرة إلى المرحاض ونضغط على معجون الأسنان من أسفله ونشتري الصابون والمنظفات ومطهرات المناطق الحساسة ثم نندهش -بعد كل ذلك- من إطلاق غالو الرصاص على الكلاب المشردة لأنها جواسيس أرسلتها له أشباح الأسرى من أعدائه الذين فصل رؤوسهم عن أجسادهم بسكينه في مناطق العمليات العسكرية. لا.. لا شيء يدعو للاستغراب. وهو بعد هذا كله -وربما الكثيرون غيره- يذهب إلى شراء زجاجات الخمر الغالية بمعاشه العسكري القليل، لأنه لم يحصل على ترقياته بسهولة قبل إقالته من العمل بصورة مشرفة بمسمى محترم وهو الإحالة إلى المعاش الإجباري. كان المبرر المكتوب في ملفه السري ليس أكثر من جملة قصيرة جداً: (مصاب بالجنون). كانت مكتوبة بالحبر الأحمر وبخط سريع متعرج.
لكن مالنا وغالو. نعم.. ما لنا وغالو. وهل يستحق كل هذا اللغو؟ إنه لا يستحق ، لا هو ولا غيره من كل تلك الآلاف من النماذج البشرية التي التقيت بها. غير أن غالو ليس سوى مدخل جيد لنحكي عن مأساتنا. مجرد مدخل لقصص حُكيت قبلنا منذ أن تعلم الإنسان الكتابة ليحمي أمواله وتجارته. نعم لم تكن الكتابة الأولى بدافع قرض الشعر والتعبير عن الحب، بل فواتير ومخالصات وعمليات حسابية مالية. لم تعد التجارة بكماء بل خلق لها الإنسان فماً لينطلق هو بها وتنطلق به هي نحو العناية بالأيام.
ومن سقف غرفة غالو تتساقط الأحجار الطينية التي نقشت فيها تلك الحسابات، والجلود وأوراق البردي والأوراق القطنية، والقماشية والالكترونية.. تساقطت فوق رأسه، فازداد جنونه وأخذ يطلق الرصاص على كل جدران الغرفة وطاشت رصاصة عبر النافذة لتردي إنساناً مجهول الهوية، لكن من يكترث بالدخان وهو يرى النار.
وكان مما يزيد من دهشة الصبيَّة ذات العينين الواسعتين وهي تتسلسل إلى غرفة غالو أنها وجدت مجلات ذات ورق لامع ثخين، بها صور نساء جميلات، سمراوات، وشقراوات، وسوداوات، وحمراوات،..الخ. وكان هناك أطفال ورجال وسيمي الوجوه، فأخذت تتصفح تلك المجلات حتى نسيت نفسها. وكان غالو قد نام في أحد مكبات النفايات بعد أن سكر. نام نوماً ثقيلاً. وهو ما كان يتمناه طوال حياته. ثم عاد في صباح اليوم التالي، ووجد مجلات أمه قد اختفت فهرع نحو مخبأ أسلحته فوجدها في مكانها. بعدها كان قد استدرج كلباً بائساً، ليشرع في مناورته بإطلاق النار تحت قدميه وفوق رأسه وعلى الجنب، دون أن يصيبه، ولما تكور الكلب على نفسه من الرعب، أطلق عليه رصاصة الرحمة.
أين هو منزل غالو؟
إنه وسط المنازل الأخرى، لجيران يخافون من التورط معه في مشاكل، ويفضلون أن يبقى صيده مقصوراً على الكلاب.
ويزوره مراهق قوي البنية فيلعبا الشطرنج وينهزم غالو بسعادة من الفتى الذي يغادر البيت مطبقاً إبطه على صندوق الشطرنج الخشبي الذي يرافقه في كل مكان. فيصيح غالو:
- أعرف أنك أصبحت جاسوساً عندهم لكنك ابني رغم كل شيء.
وتراقب الصبية ذات العينين الواسعتين المشهد، وتحمل مجلاتها لتتصفحها تحت السرير وروحها الحالمة تهيم مع موسيقى يوجين دوغا وترى نفسها تتحرك كعارضات الأزياء، واضعة قدماً أمام قدم. غير أن شيئاً من أحلامها هذي لن يتحقق، لا لشيء إلا لأن هذه هي الحياة.
وتتسلل مرة أخرى إلى منزل المجنون، وتبحث عن أشياء أخرى، حتى تجد نفسها أمام نفق مظلم تفوح منه رائحة عفنة، فتهبط درجه بلا خوف حتى تجد نفسها أمام جلود الكلاب المعلقة على الكثير من حبال الغسيل. وهنا يضيء النفق وترى غالو يقف أعلى الدرج محدقاً فيها:
- جاسوسة صغيرة..
ثم يقهقه بجزل.
- أنتِ من سرق مجلات أمي؟
ظلت صامتة بلا خوف.
- لماذا لا تنطقين.
قالت باستعطاف:
- هل ستقتلني؟
نحا جانبا وأشار بيده لها لتخرج:
- أنتِ جاسوسة جيدة التمثيل.
فقهقهت ببراءة وخرجت ببطء.
وظل يراقبها من نافذة الغرفة وهي تغادر باحة المنزل وعلى شفتيه ابتسامة مغتبطة.
إن الإنسان شرير بطبعه، ولذلك يعيق سعادته وسعادة الآخرين. هذا ما ينتج القصص والروايات والأفلام والقنوات الفضائية الإخبارية والرياضية، والمصانع العسكرية، والغزو والبورصة، والقانون والشرطة والنيابة والقضاء، والأحزاب..الخ. إن ما يسمونه شراً هو ما يجعل الحياة حياة، وليست موسيقى السيد يوجين دوغا.
وترفع الشمس من قوة أشعتها، فتهبط الطيور لتختبئ تحت ظلال الأشجار وكوات الأكواخ الفقيرة وأسقف المعابد الخالية من العابدين. تعرف الطيور نماذج التشعبات الظليلة من خلال خبرة الارتحال الطويل.. وتعرف متى يغمر الحزن الشوارع والمباني في القرى والمدن. وتظل العصفورة ذات العينين الواسعتين تتصفح مجلات الموضة والأزياء وتحلم. ويظل غالو يقتل الكلاب ويرى في كل الكائنات جواسيس ينتهكون أسراره العسكرية العظيمة، فيعتني بأيامه أكثر وأكثر.

(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى