ثقافة شعبية صبحي حديدي - الحكاية الخرافية العربية ومشافهة الغرب

الألماني أولريخ مارزولف، الأستاذ المتقاعد للدراسات الإسلامية في جامعة مدينة غوتنغن، شديد الانهماك بنمط خاصّ في الآداب ذات الأصول العربية والفارسية والعثمانية، هو الحكاية الخرافية، أو الـFable كما في الاصطلاح الغربي؛ وله في تعقّب آثارها العميقة على آداب أوروبا باع طويل وعميق ورصين، جدير بالتحية عند كلّ إصدار جديد.
تلك كانت الحال مع كتابه «101 حكاية شرق أوسطية وتأثيرها على التراث الشفهي الغربي»، 2020، بالإنكليزية، ضمن منشورات جامعة واين في ديترويت ـ مشيغان؛ حين استكشف دراسياً عشرات الأقاصيص وأخضعها لمعيارَين صارمين: الأوّل والأهمّ، أن يكون الشرق الأوسط مهد الحكاية والأصل في نشوئها وذيوعها؛ والثاني، أن تكون تأثيراتها في الغرب شفاهية أساساً، أي منقولة على لسان راوٍ غربي بدوره، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وكلا المعيارين يخدم أولريخ في مسعى ترصّد التأثير طويل الأمد لبعض الحكايات «الشرقية»، والأهلّة من عنده، على الذائقة الشعبية الغربية؛ أكثر من، أي قبل، تأثّر الثقافات الكتابية والأدبية الغربية بهذه المرويات.
كتابه الجديد، الذي صدر مؤخراً عن منشورات بريل في لايدن ـ هولندا، بالإنكليزية أيضاً، حمل العنوان التالي: «الحكاية الخرافية العربية: جرد بالقصص القصيرة التي تصوّر حيوانات ناطقة وشخصيات أخرى غبر بشرية خلال الأدب العربي ما قبل الحديث»؛ ويقع في 430 صفحة، تتوزع على مقدّمة وخمسة فصول تمهيدية قصيرة، ثمّ جرد بالحكايات المبعثرة، والحكايات في الأدب (ابن المقفع أولاً، وابن الهبّارية صاحب أراجيز «الصاحب والباغم»، والكلاعي صاحب «أحكام صنعة الكلام»، وابن ظفر الصقلي صاحب «سلوان المطاع في عدوان الأتباع»، وأمثال لقمان الحكيم، وابن عربشاه صاحب «فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء»، ثمّ ألف ليلة وليلة، بالطبع).
القسم الثاني يتألف من مسارد عالية النفع، طافحة بالكثير من الجديد، وللمرء أن يتخيّل الكثير من المثابرة والمشقة والتفاني خلف إنجازها: تطابق الحكايات مع مخطوطات المكتبة الوطنية في باريس، ومختارات من النصوص والحكايات العربية المبعثرة، وسلسلة المراجع الثانوية والرئيسية والمقالات (على امتداد 28 صفحة!)، وفهرس الشخصيات الحيوانية، والتراتب الزمني، وتطابق المراجع الرئيسية والدراسات والترجمات، والفهرس العام الشامل.
وفي كتابه هذا يساجل مارزولف، ليس من دون وجاهة بحثية، أنّ الحكاية الخرافية العربية «نوع مراوغ»، وحين يسعى امرؤ إلى تعريفها، من موقع الثقافة الغربية تحديداً، فإنّ نموذج إيسوب الإغريقي ـ اللاتيني يقفز إلى الذهن فوراً؛ وهذا لن يسعف كثيراً في التوصّل إلى تعريف ملموس للنوع، يشمل القسط الأعظم من خصائصه ومكوناته. وما يزيد في خصوصية الحكاية العربية، الخرافية دائماً، أنها لا تنوس بين الشفاهي والمكتوب فقط، بل بين أدب النخبة والأوساط الشعبية؛ الأمر الذي قد يجعل اصطلاح «النوع» إشكالياً في ذاته، بالنظر إلى طبائع الثقافة التي يُستمدّ منا، أو يُنقل عنها للتطبيق على ثقافات أخرى. وفي كلّ حال، يبقى تساؤل مشروع حول جواز استخدام المعنى الغربي للاصطلاح، في قراءة نصوص الحكايات العربية وتحليلها.
ويكتب مارزولف: «التداخل بين الحكايات الخرافية الإغريقية والعربية أكثر ثبوتاً من أن يُقابل بتحدٍّ جدّي. وسؤال ما إذا كان ذلك التداخل ناجماً عن تبنّي الحكايات الخرافية الإغريقية في التراث العربي، أو عن تراث متوسطي مشترك دليله أنّ التراث العربي المكتوب ظهر لاحقاً؛ هذا السؤال لم يُناقش بتفصيل كافٍ». وفي كلّ حال، يتابع مارزولف، فإنّ العدد غير القليل من الحكايات الخرافية «الإيسوبية» التي ظهرت أولاً أو يُشهد عليها استثناءً في اللغة العربية، يوحي بأنّ التداخل لم يقتصر على، أو لم ينجم أساساً عن سيرورة الاقتباس.
وهو يذهب أبعد وأعمق بالمعنى التاريخي، حين يجادل بأنّ الحكايات الخرافية في الأدب العربي ما قبل الحديث، على غرار نظيرتها الحكايات الخرافية الإغريقية؛ مدينة بدرجة ما إلى تراث شرق أوسطي وآخر من بلاد الرافدين، وعلى نحو أكثر وضوحاً في خرافات الوزير الآشوري أحيقار الحكيم (قرابة 500 ق. م.). وفي كلّ حال، يسلّم مارزولف بأنّ بحث الأصول يستوجب من المرء عدم تناسي وجود تراث عربي في ذاته، يخصّ «الدراية البدوية ما قبل الإسلام» حسب تعبيره، وهذه تستبطن الكثير من القِيم والحِكم السائدة في المجتمعات البدوية.
ومارزولف يعتنق مقاربة ذرائعية، كما يصفها، تعتبر أنّ معظم المادّة المقدّمة تاريخياً في الأدب العربي ما قبل الحديث تحت مسمى الحكاية الخرافية، إنما تنتمي إلى النوع ذاته المعروف بهذا الاسم، وأنها بذاك تتداخل مع التراث الإغريقي القديم. بذلك، فإنّ الحكاية الخرافية العربية تحمل سمة الحيوانات الناطقة أو الشخصيات غير البشرية. وبمعنى الوظيفة، هي نوع فرعي من «المَثَل»، وتُروى غالباً على سبيل تشبيه يجسّد إشكاليات المواقف أو الحوادث الواقعة بين شخصيات بشرية.
وذاك، في يقين هذه السطور، أحد أبرز البواعث التي جعلت الحكاية الخرافية العربية تستقرّ عميقاً في الوجدان السردي لشعوب أوروبا، أو الغرب عموماً، وأن تكون المشافهة هي وسيلتها الكبرى في النقل والتناقل؛ وهكذا سوف تظلّ حتى أمد غير منظور، كما يلوح من معطيات راهنة أنثروبولوجية وسياسية وثقافية شتى، بين «شرق» و»غرب».

صبحي حديدي
  • Like
التفاعلات: خيرة جليل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى