مقتطف أيمن مصطفى الأسمر - الحقيقة الكاملة (14)

(14)

أصبح من الواضح أن الخلاف بخصوص حرب العراق قد أحدث شرخا داخل العالم الغربي، ويبدو أن التصريحات الحمقاء لرامسفيلد وبعض صقور الإدارة الأمريكية تجاه فرنسا وألمانيا وروسيا بما تحمله من نبرة استهزاء وسخرية لا يمكن تجاهلها قـد ساهمت كثيرا في صنع هذا الشرخ الواضح، ورغم أن العديدين يرون أن رفض البعض للحرب ليس في الواقع إلا دفاعا عن مصالح خاصة بهم في المقام الأول، أما الحرص على شعب العراق واحترام الشرعية الدولية وكل ما يقال من هذا القبيل فهو يأتي في المرتبة التالية للمصالح الخاصة بكل دولة، أكدت لي ندى هذا الرأي خلال اتصال مطول معها جاء في أعقاب الخطاب الذي ألقاه باول أمام مجلس الأمـن، وتقديمه لأدلة مزعومة عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وتعاونه مع منظمات إرهابية، وتضليله للمفتشين الدوليين، قلت لها:

ـ قد يكون ذلك صحيحا، لكن هناك على الأقل من لا يزال يملك بعض الحياء.

ـ أو لا يزال يرتدي الأقنعة، هل تذكر ما قلته لك في أول عشاء يجمعنا سويا؟

ـ بالتأكيد يا عزيزتي، وهل يمكن أن أنسى أي شيء يتعلق بك؟!

قالت وقد تغيرت نبرة صوتها:

ـ أحقا تتذكرني بنفس القوة وأنت هناك في نيويورك؟

ـ وهل تشكين في ذلك يا ندى؟

ـ سمعت أنه تعمل معك سكرتيرة أمريكية جميلة.

فوجئت بما قالته، لكني أجبتها بسرعة:

ـ أتقصدين كاثي؟! إنها بالفعل جميلة لا يمكن القول بغير ذلك ... لكن قولي لي من حدثك عنها؟

ـ هذا لا يهم ... ثم لا تنسى أنها تعتبر زميلة لنا في القناة أليس كذلك؟

ـ بالتأكيد وهى زميلة عزيزة، وأنا واثق أنك إذا تعرفت عليها ستصبح صديقة مقربة لك، وستعجبين كثيرا بما تقوم به من أنشطة، لقد سبق وأن أخبرتها عنك.

ـ أنا أثق فيما تقول يا عزيزي ... لقد كنت أشاكسك قليلا.

ـ هل تعرفين كم أنا مشتاق إليك يا ندى؟

سادت فترة من الصمت دون أن ترد على تساؤلي، تراءى لي شريط حي بكافة دقائق علاقتنا سويا، استرجعت كل ذكرياتي معها، تابعت قائلا وقد غلب على الانفعال والتأثر:

ـ أنا على يقين أنك تعرفين ... أليس كذلك؟

أجابت أخيرا وقد ازدادت نبرات صوتها تهدجا:

ـ ليس عندي سوى إجابة واحدة، سأظل دائما في انتظارك حتى لو كان ذلك إلى الأبد.


******

في ظاهرة لم يشهد لها العالم مثيلا اجتاحت المظاهرات الحاشدة شتى دول العالم، الملايين من البشر خرجوا شرقا وغربا ... شمالا وجنوبا ... في الدول الغنية والفقيرة ... اتفقوا جميعهم على اختلاف توجهاتهم وأعراقهم وألوانهم على الرفض الكامل لحرب لا يوجد لها مبرر أو سند أخلاقي أو قانوني، وبرغم هذه الرسالة الشعبية القوية إلا أن بوش وبلير ومن يحركونهما كانوا في واد آخر، بدا لي أن معجزة حقيقية في زمن ندر فيه حدوث المعجزات هي وحدها الكفيلة بالحيلولة دون شن الحرب على العراق، قلت ذلك لكاثي ... فأجابتني:

ـ أنا لا أؤمن بالمعجزات، قد تكون موجودة ... لكنى لا أعول كثيرا على حدوثها.

ـ وما هو البديل؟

ـ للأسف لا يوجد حاليا أي بديل سوى أن نكثف من رفضنا لما يحدث، ورغم اقتناعي أننا لن ننجح رغم كل ما نفعله في منع هذه الحرب، إلا أنه لابد من استمرار المحاولة إلى آخر لحظة.

ـ هذا صحيح.

سألتني وأنا أضع اللمسات النهائية على تقرير سأبعث به إلى القناة:

ـ هل ستشارك في مظاهرة الغد؟

ـ واجبي أن أغطيها وأنقل أحداثها إلى العالم.

قالت في حماس شديد:

ـ أما أنا فواجبي أن أشارك بها.

قلت لها مشجعا:

ـ أنا سعيد للغاية أنه لا يزال يوجد في أمريكا أناس مثلك.

ـ وأنا سعيدة أن هناك من لا يزال يثق في المواطن الأمريكي العادي.

ـ سأدعو لكم بالنجاح فيما تسعون إليه، من أجلكم ومن أجلنا، من أجل معان وقيم كثيرة أخشى أن تنهار تماما بسبب هذه الحرب.

ـ إن أول هذه المعاني التي أدافع عنها هي صورة بلادي، أعلم أنها قد أصبحت سيئة للغاية في العالم بأسره.

تابعت المظاهرة الضخمة وهى تجوب شوارع نيويورك، كانت بالفعل أضخم مظاهرة أشهدها في حياتى، ضمت مختلف أعراق الشعب الأمريكي، بيض وسود وآسيويين ولاتينيين، أما عن الأمريكيين العرب والمسلمين فقد تواجدوا بدرجة لا بأس بها وشاركوا بفعالية نادرة فى المظاهرة، أجريت لقاءات حية مع العديد من المشاركين في المظاهرة وتم بثها مباشرة، وبرغم بعض الحوادث الصغيرة والمتفرقة إلا أن المظاهرة كانت سلمية إلى حد كبير ولم يعكر صفوها أحداث شغب أو عنف واسعة النطاق، استمرت المظاهرة لعدة ساعات، تعاقب العديد من الخطباء من جماعات مختلفة التوجه، أجمعوا على رفضهم التام للحرب والتنديد بمن يسعون إليها، بل شدد بعضهم على التنديد بالممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة والتباين الحاد في الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل والعراق.


******

في جلسة حافلة بالمتناقضات فشل مجلس الأمن في الخروج بقرار جديد حول العراق، وعلى حين بذل وزراء خارجية مجموعة هامة من أعضاء المجلس الدائمين وغير الدائمين جهدا كبيرا ومكثفا لإقناع باقي الأعضاء ومختلف دول العالم من ورائهم بأن عمليات التفتيش يجب أن تستمر، وأنها تحقق بالفعل نجاحا يجعل من غير المنطقي اللجوء إلى شن الحرب، على العكس من ذلك بدا وزيرا خارجية أمريكا وبريطانيا في حالة استرخاء تام ولا مبالاة لما يدور حوليهما من مناقشات كأن الأمر لا يعنيهما، أو كأنهما يتفرجان على مسرحية سبق أن شاهدا أحداثها من قبل ويعرفان تماما كيف ستنتهي، واكتفيا بتكرار موقف بلديهما المعروف الذي يخلص صراحة ودون أي مواربة بأن الحرب هي البديل الوحيد وأنها باتت قاب قوسين أو أدنى، جمعني حوار خاص بعد انفضاض الجلسة مع صحفي أمريكي شهير معروف بتشدده تربطه علاقة وطيدة الصلة بأركان الإدارة الحالية قال لي:

ـ لم يعد الأمر سرا ... أيام قليلة وستبدأ الحرب.

ـ وهل أنت سعيد بذلك؟

ـ إلى حد ما، فأنا وكثيرون نرغب في التخلص من صدام حسين.

ـ الكثيرون يرغبون في ذلك بالفعل، ليست هذه هي القضية الآن.

ـ وما هي القضية من وجهة نظرك كعربي؟

ـ القضية أن هناك مخططا لغزو العراق واحتلاله والتحكم في قراره وموارده بغض النظر عن عدم وجود مبررات شرعية أو قانونية لهذا الغزو.

ـ وماذا أيضا؟

ـ كما أن غزو العراق ليس إلا حلقة من سلسلة طويلة تعرفها أنت بالتأكيد أفضل مني عبر أصدقائك في البنتاجون والبيت الأبيض.

ـ لا أوافقك في ذلك، المطلوب فقط هو عزل صدام حسين وتجنب المزيد من حماقاته.

ـ عزل صدام حسين وليذهب آلاف العراقيين الأبرياء إلى الجحيم، أليس كذلك؟

ـ سيكون شيئا مؤسفا حدوث خسائر في الأرواح، لكنها ضريبة الحرية والديموقراطية التي سنحققها لهم.

ـ تحققونها لهم! وماذا عن الحرية والديموقراطية لشعوب أخرى، الشعب الفلسطيني مثلا؟

ـ نحن نسعى لذلك لكنهم هم الذين لا يساعدوننا.

ـ وكيف يساعدونكم من وجهة نظرك؟

ـ بالكف عن الإرهاب والتوقف عن تهديد أمن إسرائيل.

ـ إن من يمارس الإرهاب حقا هو من يحتل أراضى الغير بالقوة، وينتهك القرارات الدولية، ويمارس سياسات عنصرية.

ـ لن يفيدك أن تقول مثل هذا الكلام هنا، لن يهتم به أحد.

ـ بل هناك من يهتمون، وأظنك تعلم أن قطاعات لا بأس بها من مواطنيك يرفضون الاحتلال الإسرائيلي وممارساته البشعة، كما يرفضون غزو العراق دون مبرر شرعي.

ـ هؤلاء مُغرر بهم وليس لهم تأثير يذكر.

ـ لن يستمر الأمر هكذا طويلا ... صدقني لن يستمر كذلك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى