محمد عبدالمنعم زهران - فى هــدوء...

..ولكنهما ما إن اقتربا حتى رأيتهما فى وضوح. رجل يحمل آخر على كتفه. ويمشى. المكان. كثيف الأشجار. ربما كان حديقة أو حقلاً. أو ربما غابة. لم يعد بإمكانى الحكم. فالأماكن تتغير دائما. ألقاه بعنف على العشب فارتطم جسده بقوة. كانت بومة فى أعلى شجرة. تتلفت بعينين تضيئان فى الظلام. وكان صمتًا.

انتهى الرجل من تثبيت الرجل الآخر بالأرض بواسطة أوتاد وحبال. ربما كان هناك عشرين وتدًا. أو يزيد. يشد جسده شدًا .

بدأت رموش الرجل – المثبت إلى الأرض بأوتاد – تتحرك. بدا أنه كان مخدرًا . أو منومًا . وأن أثر المنوم يزول. حين فتح عينيه تمامًا وبدأ فى مقدرته إدراك كل شئ، نظر ورأى الآخر واقفًا بجوار رأسه. يميل عليه. ويهمس: من الأفضل أن تظل صامتًا. كان فى يده شريط لاصق. وضعه على فمه. بعد أن وضع الشريط اللاصق. اختفى قليلاً.

عاد الآن. حاملاً صفيحة. فتحها. وبدأ يرش على جسد الرجل المثبت إلى الأرض سائلاً لزجًا. لم أستطع معرفة هذا السائل. ربما كان مادة بترولية. الرجل المثبت إلى الأرض. يراقب خيط السائل الذى ينساب على جسده. يراقبه بعينين مفتوحتين على الدوام. بعد قليل. نظر إلى لا شئ.. إلى أعلى. وأعلى كانت بومة فوق شجرة تتحرك بعنقها.

آه. اتضح أن هذا السائل ليس سوى عسل نحل. آه.. عسل نحل. تغطى الرجل تمامًا . بطبقة من العسل. اكتشفت أنه عارٍ. لأن جسده التمع فى ضوء خافت للقمر. ألقى الآخر الصفيحة من يده ولبث واقفاً. وكان الرجل المغطى بالعسل يتحرك بعينيه وينظر نظرة باردة. عينا الرجل الواقف نظرتا إليه فى برود أيضًا. تركه وجلس عند جذع شجرة.. وانتظر.

كلما مر وقت يرفع رأسه وينظر إلى الرجل المغطى بالعسل . ثم يستعيد وضعه أسفل الشجرة بانكماش. بعد قليل بدأت طلائع النمل. تتحرك على جسد الرجل المغطى بالعسل.. فرمشت عينيه عدة مرات. بدا أن هناك ماء يهبط من عينيه. تكاثف النمل شيئًا فشيئًا فمدّ الرجل الجالس عند جذع الشجرة رأسه وراقب. وكان صمتًا. وكان سكونًا.

* * *

صدرت عن الرجل الجالس عند جذع الشجرة صرخة مفاجئة. وصرخات متتابعة. إلا أن الصراخ بدا شبيهًا بصراخ امرأة.

آه. هناك ثعبان. هناك ثعبان قد لدغه. الصراخ الذى يصدر عن الرجل الذى يتلوى من الألم أسفل الشجرة يشبه صراخ امرأة تتلوى فى ألمها. سقط غطاء الرأس. بدا أنه غطاء رأس. وظهر شعرها. فتأكدت.. أنها امرأة. كانت امرأة.

إلا أنه لم يكن ثعبانًا.. واحدًا.. بل أكثر. كانت عائلة ثعابين صغيرة وكبيرة.

بعد قليل وجد النمل طريقه بسهوله.

تكاثف النمل عليها. غطى كل ملابسها ووجهها. وكان صمتًا.

…..
…..اما ………….. ما … ما …

بدا صوت. لطفل يقترب.

ويبكى.

با … با ……………. با … با …

ظهر الآن.

فى الثالثة من عمره.. أو الرابعة.

خدَّاه عليهما دموع كثيرة.

أين ذهبت يا ماما.

يمشى حافيًا بصعوبة. خفت صراخه كأنما أنهى كل ما يستطيع من صراخ. كان ينهنه. وقف أمامهما. ورآهما. وقد غطتهما كومة هائلة من النمل. وضع إصبعه فى فمه. يبدو أنه لم يستطع البكاء حتى. لم يكن النمل بعيدًا.

الآن يبدو أنه قد تعدَّى المفاجأة. فخرج صراخه هائلاً. كان النمل يتسلق ساقيه. لم يشعر. تحرك الولد فى صراخه بصورة تلقائية.. فضلّ النمل. كان ينظر إليهما ويصرخ. عاود النمل تسلق ساقيه.. ولم يشعر. استدار الولد. وجرى مرعوبًا. وقتل تحت قدميه آلافًا من النمل.

ظل يجرى صارخًا. فطارت البومة من أعلى الشجرة مذعورة.

اختفى الولد فجأة. لم أستبنه. بدا أنه أغمى عليه.. أو جرح.. أو نام. وكان صمتًا.

فى الصباح. نهض الولد ومشى فى بكاءٍ خافت.. واختفى. كنت أريد أن أعرف ماذا سيحدث له. كنت حزينًا.. لأننى سأعود وحيدًا. وربما لن يكون هناك شيء يُسلى المرء فى قبره.. إلا بعد مرور فترة طويلة. آه.. فترة طويلة. لذلك.. كنت حزينًا.





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى