حيدر الناصري - مملكة الأسى...

الليلة، نزفت السماء بشدّة، لكن، حالها كحال الأيام والليالي المطيرة الفائتة، لا فائدة منها ترجى؛ أشجار الصفصاف الباكي الشاخصة في الحديقة الملكية ستظل عطشى!، تركتُ النافذة، والتفتُ إلى أبي ناقما متذمّرا من هذه العيشة المريرة التعسة:

- أي ذنب اقترفته أيدينا واقترفه أهل البلدة؛ كي نوضع بهذا الموقف البائس، الأشجار الملكية لا ترتوي إلا من دموعنا، ومَلِكُنا المعظّم لا يرد ظمأه ولا تسكره إلا دموعنا، هذه البلدة عجيبة وملعونة ومنحوسة!

أبي ظل على وضعيته، جالسا على الكرسي يتأمل القارورة الزجاجية الصغيرة الفارغة، الموضوعة على الطاولة، رفع بصره إليّ، وبتلك النظرة القاسية الجارحة المعهودة، قال وهو يشير بسبّابته الغليظة إلى الملصق الملكيّ المثبّت أمامنا على حائط غرفة المعيشة، وبصوت حازم:

- اقرأ ما مكتوب.

دون تردّد، امتثلتُ لأمره وشرعتُ في قراءة الملصق مغمض العينين؛ فهو محفور في ذاكرتي بقسوة:

-"بقدر ما تجمعه من دموعك؛ ستقايضك الحكومة الأمن والطعام والملبس وأشياء أخرى، شرط أن تكون دموعك حرّة، حاذر أن تكون دموعك مفتعلة، أو أن تكون خالية من العاطفة؛ فطعم الدمع سيكون مختلفا، سنكتشف ذلك بسرعة، ونكسر قارورتك أمامك، ويكون مصيرك الموت، إن نفدت أحزانك وأحزان عائلتك وأقربائك وأصدقائك؛ عليك أن تسعى وتجاهد في إيجاد أحزانا أخرى؛ كي تذرف دموعك عليها"

أكملتُ، فردّ أبي:

- هذا العقد مبرم وملزم بين السلطة والشعب لا يحتمل التهاون، المتهاون ليس له إلا الموت، لا تعد لهذا الكلام ثانية، تحدّثنا في السابق وانتهى الأمر؛ دعنا نستحضر ذكرى مريرة، حزنا أغفلناه، حادثة مؤلمة مرّت بنا، ونبكي؛ في الصباح علينا أن نسلّم القارورة مملوءة بالدموع، لن نستلم حصّتنا من المؤن إذا بقينا متقابلين لا نحرّك ساكنا، الفرح والسعادة والضحك والغبطة ليس لهم أهمية في هذا الزمان، ولن يقايضوك حبّة أرزّ منخورة بالمقابل، إن أردنا الاستمرار في هذه الحياة؛ سنستمر في ذرف الدموع، لدينا طريق وحيد، والسبيل إليه أن نحزن ونغتمّ، نتألم ونتوجّع، وحين يكبر أسانا؛ سيكثر رصيدنا من الدموع...

منذ تلك الليلة، وما جرى فيها من حوار حاد مع أبي، لجمتُ تفكيري نهائيا، ولم أعد أثير أي موضوع يمسّ وضعنا الغريب هذا، فصرتُ أتفنّن في النبش في الذاكرة عن أي موقف مؤلم أو محزن حدث في الماضي البعيد أو القريب لي أو لآخرين أو حكاية تجرح الفؤاد سمعتها من أحدهم، كي أبكي ... فمرّت علينا الأشهر، وشغلنا الشاغل كان فيها هو الحفاظ على بقائنا على قيد الحياة ومواصلة العيش، حتى أن أهل البلدة أطلقوا على بيتنا بيت الأحزان الكبير، وسمّونا بـ (البكّائين الثلاثة) أنا وأبي وأمي ، في الحقيقة لم نكن ثلاثة، فأمي كانت على وشك وضع مولودها الثاني... قصدتُ قابلة البلدة العجوز، وهيّأنا لها ما تحتاج من لوزم، لكن الولادة تعسّرت جدا؛ وفارقت أمي الحياة بعد الوضع مباشرة.

نظرت القابلة إلى أبي، وبنبرة عجيبة لم أتوقّع أني سأسمعها من إنسان حتى مماتي، هنّأتَ أبي:

- رُزقتَ بهديتين ثمينتين، موت زوجتكَ سيدرّ عليك وعلى ولدكَ دموعا كثيرة، وطفل سيملأ بيتك بالبكاء والنحيب، لا تفرّطا بهما، أضمن لك سنة كاملة حافلة وثريّة بالدموع!

انقضت السنة سريعا، وحلّت الكارثة؛ اكتشفنا أنّ عيني أخي الصغير لا تدمعان، وأبي جفّت دموع عينيه فجأة، فبقيتُ وحدي أبكي وأجمع الدموع، لأعيل نفسي ومن معي في البيت.

بعد هذا الموقف المزلزل، أبي فقد السيطرة على نفسه، لم يحتمل هذا الحال، كتب وصية لي ولصقها على الملصق الملكي، وتأرجح في أنشوطة حبل علّقه في سقف غرفته.

قرأتُ الوصية:

" الآن، ارتفع خزينك من الأسى، لا تفرّط به، يكفيك مدّة طويلة حتى تجد حلّا لمشكلة أخيك"

واريتُ جسد أبي التراب مع الأهل والأصدقاء والجيران قرب مدفن والدتي. أحد رجال البلدة، كان صديقا لأبي، مسك يدي وابتعد بي عن الحاضرين في الجنازة، آزرني بكلماته، وذكّرني بتضحية أبي الكبيرة، وأن موقفه هذا، لا يمكن لأي شخص أن يقدم عليه، ولا يحدث إلا نادرا في هذا الزمان، وأخبرني أن لكل بداية نهاية، وهذه النهاية ربما تطول أو تقصر، لكنها حتما ستأتي، وأدار وجهه نحو القصر وسكت!، فعرفتُ بماذا يلمّح ويقصد.

عدتُ إلى البيت، علّقتُ صورة والديّ أعلى الملصق الملكي، وفي الأسفل على الأرضية وضعتُ أخي في المهد، وبقيتُ أتناوب في البكاء، بين صورتهما، وحين يكفّ دمعي، أترك أخي وأذهب إلى زيارتهما في المقبرة... فرجعتُ في أحد الأيام لأجد المهد فارغا، سألتُ الجيران والأقارب والمارّة، إن كانوا شاهدوا مَن أخذه، فكان جوابهم الوحيد، لم يروا...

تلّمستُ في عبارات البعض منهم أنّ ما جرى لأخي (شحيح الدمع) ضربة حظ كبيرة لي، جائزة كبرى، عصفوران بحجر واحد؛ أتخلّص من عبئه كونه لا يدمع، وأبكي على فراقه أمدا طويلا...

صديق أبي تحقّقت نبوءته "كل بداية لها نهاية"، مات الملك شارب الدموع، فعمّت الفوضى، أحرق القصر وحديقة الأشجار الملكية وعائلته وأتباعه، غمرتنا السعادة ودبّ في أرواحنا الفرح، لن نبكي بعد اليوم، ولن ندّخر الدموع، عيوننا ارتاحت من عبء الذرف، وأفئدتنا برأت من مرارة الأحزان والآلام، تخلّصنا من القوارير، كمن يتخلص من جيفة، رمينها من النوافذ والأبواب ومن فوق أسطح البيوت نحو الشارع، فأصبحت لعبة الأطفال الممتعة والمفضلّة هي التكسير، بالأحذية وبالعصي وبالحجارة، حتى صارت الشوارع والأزقّة بساطا من كسر ودقيق الزجاج...

تغيّرت حالي، كما تغيّر حال أهل البلدة، تزوّجتُ وأنجبتُ بنتا. الملك الجديد ثبّت ملكه، وبدأ أعوانه يوزّعون الملصقات على البيوت، واوصوا بتثبيته بدل الملصق الملكي القديم، فوصلني الملصق، قراتُ فقراته على مهل، وأعدتُ قراءته مرّة ثانية، سقط الملصق من يدي، وجلستُ على الكرسي، زوجتي وابنتي أمامي حول الطاولة، أشرتُ بسبّابتي الراعشة:

- استعدّا للضحك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى