محمد أبوعيد - همسة

دائماً فوق كل قمة قمة ؛ وفوق كل ذي علم عليم ؛ فهذا نبي الله موسى عندما تحدثت إليه جوارحه سراً وليس جهراً وهمست له "يا موسى أنت أعلم أهل الأرض " فأرسل إليه ربه العبد الصالح ليقطع لسان جوارحه وقد كان ؛ الفكر ليس حكراً على العلماء والفلاسفة والأدباء ولا أصحاب العمائم ؟ فرب فكرة تأتي يوماً إلى عقل بسيط محدود الرؤى وتجمع في مخيلته ما بين السماء والأرض من روائع الغيب وأضواء الحكمة ؛ إن في محراب الفكر أزاهير ودافقات من رياحين تعطر كل قلم تقابله عند ناصية الورق ؛ كل ما عليك ؟ قف على باب هذا المحراب ؛ اخلع نعال عينيك ثم أدخل بيمين الإحساس تجول زواياه استنشق العطر من هذه الورود ؛ تدبر ثم استدر وارحل دون أن تحمل على أنفاس قلمك زهرة واحدة ؛ حينها ستجلس في حضرة أوراقك وعندما تتحدث معها بلسان القلم ستتحدث معك بلسان ليس من نسل الأرض ! هذا اللسان سيخبرك أنك شعلة من الفكر لاتنطفىء أبداً شعلة خشعت لها البحار الطاغية حين تصدعت جبال الموج وانهارت أمامها ؛ إن آية الليل تمحو آية النهار وآية النهار تمحو آية الليل وهكذا كل مايسكن كتاب الكون آيات تمحوها آيات إلا آية واحدة وهي آية الفكر المسترسل من فيض الحمأ المسنون آية لايمحوها المحو ولا يدركها الموت ؟ صانع الفكر يرحل ويموت تذهب روحه إلى حيث شاء لها الله أن تذهب إنما يظل فكره في الحياة يسبح في الملكوت يبحث في كل الأزمنة والأمكنة عن بيت العقول ؛ يدخل يمسح بأنداء لآلئه كل الأتربة العالقة بالجدران ؛ يرتب وينظم البيت ليليق بضيافة اليوم والغد ومابعد الغد ؛ وكما قدم إليك الأجداد شمعة تتوكأ عليها في كسر عتمة أيامك عليك أن تصنع شمساً من دموع هذه الشمعة وتقدم أفكارها الساطعة لليوم والغد ؛ ولتعلم أن اللغة التي كانت تتناسب مع أجواء "الخيام والطبيعة القديمة لا تتناسب أبداً مع القصور ونظم العيش الحديثة" لابد من ابتكار مادة أدبية تليق بالتطور الحياتي حينها ستدخل مسجد الأدب إماماً للفكر ؛ تسير فوق الأشواك ممشوقاً تدهسها فتنبت أزهاراً عبيرها الفواح عطراً لنجمات السماء .


محمد أبوعيد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى