حسام المقدم - تشكيل طيني يُشبه حبّة القمح

في عُمري الأخضر رأيتُ وجوه البشر تُشبه الأُسُود أو البقر أو الماعز، شجرة الجميز امرأة حامل، مئذنة الجامع قلم رصاص، أي شيء يُشبه كذا أو كذا..
بمرور الزمن قَلّ وَلَعي بالتشبيهات، لكن لم أنسَ حبّة القمح، ولا ذلك الشبه الفريد بينها وبين المكان الحميم في الجسد الأنثوي.
يُمكنني الآن أن أقول: عضو الخصوبة الأنثوي هو الشبيه بحبة القمح لأنها سابقة في الوجود، تُخبرنا الكُتب المُقدّسة أن النباتات والحيوانات وُجدَت على الأرض قبل الإنسان.
**
بذرة اكتشافي هي أمي.
ظلّت حتى سَنَتي الرابعة أو الخامسة تستحم أمامي، تغرف الماء الدافئ من الحَلّة ثم تدلُقه على رأسها وهي مُقرفصة فوق كرسي خشبي وسط الطّشت النّحاسي الكبير، تدعَك شعرها وظهرها، مرّة واحدة تنتصب واقفة لتصبَّ الماء فوق جسمها كله. أرى المكان المغناطيسي، الشّق القاتم، لا يُناوشه في الذِّكرى سوى النّهدين المَفروطَين، لم أُحب شَكلهما، كأنّهما حيوانان مُعلّقان من الذّيل، ثعلبان أو خروفان صغيران، لهما حَلَمتان ظاهرتان في مكان الفم. منظر جعلني طُول عمري لا أرتاح إلى نهدين يتدلّيان بلا كابح. أضَفتُ رائحة اللبن الرائب الفائحة منهما كلّما احتضَنتني أمي، حُموضة دائمة أبعَدَتني إلى سحر آخَر.
في صُدفة عبقرية، بينما أمي تُغربل القمح، طارت حبّة واستقرت أمامي، أمسكتها، رأيتها تنقسم إلى نصفين مُلتحمين، نصفين واضحين، فكّرتُ في فصلهما، كسرتُ الحبّة بأسناني فانفلَقَت. في داخلها بَياض، عرفتُ من أمي أنه الدّقيق الذي يخرج بعد الطّحين، أما الأصفر الخارجي فهو الرَّدَّة. النصفان في يدي، وضعتُ أحدهما في فمي، مضَغتُه، إلى حد ما له طعم الخبز الناشف. أرى أمي، الجالسة بجواري مُنهمكة في عملها، واقفة في الطشت، ما بين فخذيها مضموم، نصفاه مُلتحمان، مع فارق أنهما لا يحتاجان إلى تكسير لينفصلا، يكفي أن تُقرفص مرة أخرى لأرى الانفصال.. والانفتاح المحدود الكاشف عن قتامة وغموض. أصبح اكتشافي مُؤكّدَا: الشّبه مع حبة القمح يكون لحظة الوقوف، لحظة التصاق الفخذين والتئام ضفّتي الشّق الصغير.
**
"من هذا المكان جئنا".
قال صاحبي ذات يوم، بعد أن تجرّأت وكشفتُ له عمّا في نفسي. تكلّمنا كلاما غائما عن الرجل والمرأة والعيال. كان يكبرني قليلا ويعرف أكثر مني. زاد تشتُّتي: هل جئتُ حقا من هذا المكان، وكل الناس جاؤوا منه؟
على الفور ربطتُ بينه وبين الأرض السّوداء، فمن جوفها الغامق تخرج النباتات والأشجار، هذا الشيء أيضا له عُمق لا أراه، فيه يتكون الناس، تنبت لهم أذرع وأرجل ورؤوس، ثم ينزلون كاملين.
في ذلك الزمن كانت بيوتنا بالطوب النَّيّ، الجدران عريضة تقارب نصف متر، الطراوة في الصيف والدفء في الشتاء، وحتى لا أكون موهوما بالحنين إلى جنّة لم تُوجَد؛ أُضيف أن بيوتنا كانت عامرة بالفئران الصَّديقة والسّحالي والثعابين المختبئة في قَش وحطب السطوح، لا أنسى براغيث الشتاء المختبئة في تلافيف سراويلنا الصفراء المبقّعة، ولدغاتها الحامية التي تستدعي الهَرش العصبي حتى إدماء الجلد. أما عذاب الصيف بلا شك فهو الناموس، لم تنفع معه أقراص "كيتو" الشهيرة أيامها، نضع القرص الأزرق فوق زجاجة اللمبة الجاز المشتعلة، بعد قليل يبعث رائحته النفّاذة، تَدوخ وتختفي تلك الكائنات مؤقّتا، إلى أن تعود للزَّن واللسع بعد أن نكون نمنا. في المقابل جرَّبنا الوسيلة الفعّالة الأخرى التي كانت تخنقنا بالمعنى الحرفي، نُشعل مَنْقدا مملوءا بالتّبن، نتركه يُدخن ويملأ حجرة النوم قبل دخولنا، دُخان دُخان، نَفَس مقطوع، سُعال مخنوق، نتحمّل كل ذلك إلا لسعة الناموسة بنت الجِنيَّة، الناموسة التي تقف على الذّراع أو ظهر الكفّ فنطرقع فوقها باليد، نقتُلها، ينطبع دمنا فوق الجلد. إذا نَجَت وطارت إلى أجساد أخرى، تختلط الدماء، لا تترك لحما إلا وتغرز فيه إِبرتها الماصَّة، حتى لو كان ذلك المكان المُتواري الحميم.
لم تُبعدني التفاصيل اليومية عن سر حبة القمح، الطوب النَّي المعمول من الطين، برائحته المُتخمّرة، رائحة الجدران نفسها، طعم الدم على الجلد بعد فَعص الناموسة، أنفاسنا كلنا في حجرة واحدة، أبي وأمي على سرير يواجه سريري الصغير، اختلاسي نظرات هيَّابَة نحو قميص أمي المحسور عن رِجليها المضمومتين. رأيتُنا في عُمق حبّة قمح، في قلب ذلك الشيء نفسه وقد اتّسعَ كثيرا واحتوانا. مكان دافئ ليِّن، نعوم فيه على طبقة من مادة تشبه المَرَق السّمين. بعد سنوات، في معمل العلوم بالمدرسة الإعدادية، شُفتُ تحت عدسة الميكروسكوب أشكالا تتحرّك وتسبح في مادة قاتمة، تذكرتُ كل شيء، عرفتُ أنني لا أزال هناك، صغيرا مع عائلتي في حجرة واحدة، يزنُّ فيها ناموس يلسع ويمصُّ الدم.
**
من الطين صنعتُ ما يُشبه حبة القمح، أكبر كثيرا منها.
كنا أيامها نُشكّل من الطين مُجسّمات لكل ما نرى: كلاب وبقر وحمير وجَرَّارات زراعيّة وكَرَّاكات، نرسم على التراب خطوطا متوازية، ثم نسقيها بأيدينا فتصير أرضا، أرضنا الصغيرة التي نُجهّزها للزّرع.
جَسّمتُ ما رأيتُه وانطبعَ في دماغي، كَوَّرتُ الطين وشَكَّلتُه حتى أصبح مطابقا لما رأيته عند أمي. رحتُ أعرضه على العيال أصحابي، أسألهم ضاحكا: ما هذا الشي؟ وماذا يُشبه؟ يُمسكونه بالعَرض وبالطّول، يقولون إنه فَم حيوان، مَركب، ساندوتش، قطعة حلويات مَحشيَّة! رُدود بعيدة لم يصل أي منها إلى الشيء المقصود، وإن كان تشبيه "المَركِب" استوقَفَني، رأيتُه مركبا بلا شراع.
تضايقتُ يومها، ركنتُ ما صنعتُ، تركته قليلا، وحين عدتُ إليه وجدتُّني مشوقا إلى فعل أي شيء. لم أكن مجنونا لحظتها، كل ما في الأمر أننا في صِغرنا نفعل ما يخطر على بالنا، يغلي دمنا فنعمَى عن أي محظور. وقفتُ أمام المرآة الكبيرة في حجرة أمي، عرّيتُ نفسي، وضعتُ الشيء بين فخذيّ، أبعَدتُ عُضوي قليلا، البلبل أو الحمامة كما يقول العيال، استعرضتُ شَكلي الجديد، نُسختي المزدوجة، ابتسمتُ، تمايلتُ، قرفصتُ فانفرجَ فخذاي، هذه المرّة ظهرَ عضوي صغيرا منكمشا، أصبح لي شيئان، أحدهما "مَركِب" والآخر بلَحة ذابلة، قَرَّبتُهما، أصبحا مُتلاصقين..
فجأة سمعتُ صوت أبي قادما في الشارع، انتفضتُ ولبستُ هدومي.
ضممتُ الشيء الطيني في يدي، صعدتُ إلى السطح مُتسلّقا درجات السلّم الخشبي، خبّأته هناك في مكان آمن.
**
تعمّدتُ أن أترك خَبيئَتي يومين. ذهبتُ وأخرجتُه من القَشّ وراء عِشّة الفراخ، تحوّلَ الطين الأسود إلى الرمادي، على سطحه الناعم انتشرت شقوق صغيرة. أمسكتُه في يدي، أصبح جامدا، وفي استطاعتي تشديد قبضتي عليه دون أن يتأثّر. اختلفَ ملمسه الصلب، صار مثل كائن مُحنّط. قرّبتُه من أنفي، لا رائحة للطين الناشف، اختفت الرائحة الدّسمة التي تكون للأرض المَسقِيّة. لونه الفاتح أعطاني انطباعا بأنه ليس هو، لا وجود للقَوام الطّري الذي كنتُ أضغط بإصبعي عليه فيترك أثرا لا يتلاشى إلا بعد أن أُسوّيه.
سألعب به مثل أي لعبة. صعدتُ إلى السطح، أحضرتُ ما صنعتُ: تماثيل لكلب وبقرة وخروف. جمعتُهم في صفّ واحد، جعلتُ أمامهم ذلك الشيء، كأنهم يستعدّون للأكل من مِذْوَد مقفول على ما لذّ وطاب. رأيتُ البقرة تُدلّي رقبتها، يمتد لسانها يلحس الطين الجامد فيتَرطَّب، تلتقطه بشفتيها، تُقلِّبه في فمها وبعد قليل تُخرجه. يُغامر الكلب ويقترب، يتشمَّم مرتين ثم يرجع. لم يتحرك الخروف، بقي في مكانه يلوك وكأنّ الأمر لا يعنيه. عدتُ من سرحاني إلى كائناتي الثلاثة وتشكيلي الطيني. لو أنني واحد من هذه الكائنات، فأَيهُم أكون؟ الكلب؟ الخروف؟ أختار البقرة، هذه المسالمة، الجميلة في جسمها ومشيتها، رأيتُها منذ قليل تحاول أَكْل الشيء، لماذا لفَظَته؟ لو أنني جرَّبتُ أَكْلَه؛ ما طعمُه في فمي؟ لو لحَستُه لَحسَة صغيرة، ماذا سيحدث؟ ثَبَّتُ عينيّ على أشيائي المرصوصة، قمتُ أحملها في كرتونة صغيرة، إلى مكانها خلف العِشّة.
**
أسبوع، أسبوعان، والشيء معي. أتمَمتُ الكثير من تشكيلات الطين، لكني بقيت مشغولا به. في أحلامي يفاجئني طائرا في الهواء، بمثل تكوينه المغلق على نفسه، يطير بسرعة إلى أن يخبط في جبهتي بقوة، أسمع صوت ضحكات آتية من مكان ما، يُكرّر ألعابه معي، يدخل من النافذة، يتجلّى مرسوما في كتاب القراءة، يندفع خارجا من التليفزيون الأبيض والأسود، يخرج من فم المُذيعة. في يَقظتي يُخايلني، أحملُ سكّينا في يدي، أعمل بدَأب على تحديد حوافّه، في موضعه عند أُمي الواقفة كتمثال مُغمض العينين. أُراعي الدّقة قدر الإمكان، أريده دون المساس بأي لحم آخر. حين أتمكّن من ذلك أَلفُّه في ورقة جرنان وأضعه في سيّالة جلبابي، لا أستدير بعدها لأرى أمي بدونه، لن أتحمّل تفتيح عينيها فجأة، والنظر إليّ نظرة تحرقني في مكاني.
**
في تلك الأيام انتفخت بطن أمي، بعد شهور شرَّفَت أختي، أصبحتُ أنا وأبي في مقابل أمي وأختي، اثنان ضد اثنين. أذكر جيدا سبب ذلك التقسيم، شَدَّني نداء غامض إلى فَرْشة أختي المبلولة، أزحتُ برفق طبقات اللفَّة المحكومة حول جسمها، نظرتُ.. بين ساقيها الطّريتين البيضاوين تظهر حبّة قمح صغيرة، فاتحة وردية وليست قاتمة مثل الأرض، قلتُ لنفسي إن حبوب القمح تكون هكذا في بداياتها قبل أن تأخذ لونها النهائي. ستكون أختي محط نظري، وهي تكبر في الشهور والسنوات، واقفة مستسلمة لأمي تُحمّيها وتدعك ما بين فخذيها بالليفة والصابون، أو نائمة بلا اهتمام في أيام وليالي الصيف الجهنمية في لبس خفيف لا يُداري حبّة قمحها الصغيرة.
شاركَتني أختي اللعب أحيانا بهذا الشيء، وفي وجود أمي التي تَظنُّه بالتأكيد واحدا من تماثيلي الكثيرة. أضعه أمام الصغيرة مع مُجسّم القطة ورأس الماعز، تلخبط يدها الأشياء في بعضها، قد تنكسر رقبة أو رِجل، فأعيد صُنعها من طين الترعة القريبة.
**
أذكر أن عينيّ أبي لم تكونا مرتاحتين لتصرّفاتي، نظرتُه إليّ كلما رآني ألعب بأشياء لا تشغل بال عيال في سِنّي؛ يلعبون الكرة، أو يضربون بعضهم بغشوميّة في "صَلَّح".
حتى اليوم لا أزال أشكُّ أنه عرفَ سِرّ الشيء المُحرّم الذي صنعتُه، ولاحَظَ انشغالي البالغ بكرتونتي العامرة، حين كنتُ أُغيِّر أماكنها، من تحت سريري، إلى فوق الدولاب، إلى السطح مدفونة في القش.
هل كان هو الذي أخذ ذلك الشيء تحديدا من الكرتونة، دون أن يمسّ باقي الأشياء؟ يومها بحثتُ في الدار وعلى السطح، والنتيجة: فَصّ ملح وذاب. أتذكر استعراضي لتماثيلي أكثر من مرّة، صَففتُهم أمامي واحدا واحدا، بلا أمل في ظهور ذلك الناقص. عدتُ وجمعتُهم، ذاهبا بهم إلى تحت الكنبة في الصالة، دون أن أشغل نفسي بمدى أمان المكان من عدمه.
الغريب أنني لم أصنع شيئا جديدا يُعوّض ما فقدته مثلما أفعل مع مُجسّماتي الأخرى، انطفأت رغبتي في إنجاز تشكيل طيني يشبه الذي ضاع.
إلى هذه اللحظة لديّ اقتناع أنني لو فعلتُ؛ ما وصلتُ إلى تمام الشّبَه الذي كان.
***
حسام المقدم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى