مبارك وساط (شاعر غبار الأرض ووهجِ الأفق) - انتظــار...

يُطلقون العنان لأنفاسهم، وينتظرون الأوتوبيس، ومِنْ حولهم الهواء بارد ومُغَضّن، ويثير الرّيبة. تدبّ الرّعشة في الأجساد، بسبب رائحـة قوس قزح، وتُقضقض أسنانُ الهيكل العظمي المركون مع الدراجات إلى جدار الفنــدق القريب من النّهر.

الرَّجل النحيف يبتسم لفتاة قبالته، تَقْرعُ الهواء البارد بمطرقة العُنُق.

وارتفـعَ صوت، فارتطمت ركبتان بِصَداه. أكانت تلك الهمسةَ التي قصمت ظهرَ الجمل؟ ثم وجّهَ المطر مسدّساته إلى أصداغ السيارات. في الوقت نفسه ضغطَ الموسيقيّ على زناد الأرغن. والحافلة لا تأتي، لكنّ تابوتاً مَرق على عجلاته المضيئــة.

واكتشف الرجل النّحيف أن طائر الرّخ ليس سوى بناية من ريش. آن لنا، إذن، أن نتعقّل. أن نحنوَ على الفراشة الصّماء التي تقترب منا. على الطفل الذي عَلِقَـتْ قدمُه بين أسنان الصابونة.

طبعاً، أنا الرَّجل النَّحيف. أما الطِّفل فهو العبقريّ الذي اكتشف المعادلـة. كنتِ قد أيقظتني من نومي لتسألي: أيُّ معادلة؟ ألا تعملين؟ تلك المدونةُ عـلى عانة قارورة العطر. التي ستُمكّن يوماً ما من إنشاء طوفان صغير. من الإنصات إلى بوح تـنّورة. ومن صُنع قفازين للهيكل العظمي الذي يعطس مركوناً إلى جـدار الفندق.

قبل أن نخرج لننتظر الأوتوبيس، أطللتُ من النافذة، فإذا بالرَّابية، قبالتي، عارية تماماً. شعرتُ بالذنب لكوني تَلصصْت. ثم سِرْتِ أمامي لكي نَنتظر، تقرعين الهواء بمطرقة العنق.

السّواطير السّيكوباتية تُحلِّق جنب نوافذ الفندق، ولا يأتي الأوتوبيس. نُصابُ بِرذاذ القهوة التي تهمي من عين الغراب، ولا أمل. تتكاثر الشفاه حول الأشجار، وأُعديكِ بألمي، ولا أمل.

والآن تَظهر الشّمس، وسرعان ما تتّخذ شكل قاطرة. ومِن غرفةٍ في الفندق، يتناهى إلينا نواح: إنها امرأةٌ تبكي طفلها، رهينَ الحمّام على الدّوام، بعد أن علِقتْ قدمه بين فكَّي الصابونة. وهنالك شاعرةٌ ترْمش بسرعة بسبب نَزق العصافير. وراعيةٌ تبكي بعد أن سَرى السّمّ في دمِ رابية عارية. إنها نفس الأصوات التي، ربما، كنتُ سمعتُها صبيحةَ صلّى جدي على سجّادة من الصّمغ فبقي ساجِداً طيلة النهار حتّى فككناه. في ذلك اليوم، تمكنَـتْ واحدة من دموعي من عبور ثقب إبرة، وتمّ العثور على مصائب قوم عند قوم آخرين، وتأجّج دمُ جرادة، فسُحِبتْ أسماء الحشرات منْ معاجم كثيرة. وها أنتِ الآن تستوردين الهمهمات من ذاكرتي. فهل ستُـنَـقّبين معي عن الأسرار المخبوءة تحت ياقة فراشة؟

ويُقْبل نحونا التابوت على عجلاته. يقف أمامنا، نحن المنتظرين. التابوت فارغ، يستلقي فيه واحدٌ منا، فيُـقـلـع به إلى مكان مجهول.

وتتكاثر الشّفاه حول الأشجار. وتمرُّ الدراجات الحزينة. ويُعديكِ حُبي للتّيه. وإذْ يتكاثف الغبش، نُعلن، نحن منتظري الأوتوبيس، إجلالَنا للمجهول الذي سافَر في التابوت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى