محمد أحمد مخلوف - إلى أبي... بريدنا السري ، سيرة الأنا ... سيرة الغائب.

إلى أبي... بريدنا السري هو الكتاب الثاني لريحان بوزقندة بعد روايتها البكر « المنسي في الحكاية » ، و كأنّها تأبى النسيان فتكتب لأبيها أسرارا جمعتهما و تخرجها لنا في هذا الكتاب الصادر عن منشورات ابن عربي للنشر و التوزيع في 131 صفحة من الحجم المتوسط بصورة غلاف تعتمد تقنية التّلصيق أو الكولاّج ( collage ) ، فنرى باب الغربي و القرنفل و المقبرة و العطرشاء و زهرة النارنج و صومعة جامع بورقيبة و النقوش العربية و الغروب على شاطئ السواني و رسالة مكتوبة بخط اليد ،
و جميعا سنجد لها صدى داخل الكتاب و كأنّها تمهّد لنا ما سيحويه .
جميع هذه الصور يتوسّطها العنوان بخطّ بارز ، هذا العنوان على بساطته هو العتبة الأولى التي تعلم به ريحان بوزقندة القارئ أنها تكتب في جنس مخصوص هو « أدب الترسّل » ، فالعنوان مقسم إلى جزئين ، الأول
« إلى أبي » و هنا إشارة واضحة انها تلفت انتباه والدها الحاضر - الغائب بأنها تخاطبه عبر « بريدنا السري » ، الذي هو أمر مشترك بينهما و لكنها في نفس الوقت تعقد مع القارئ اتفاقا ضمنيا بأنها ستعريّ له بعض هذه الجوانب السريّة في علاقتها بوالدها ، ربما هو ميثاق لا يغيب فيه السّير ذاتي أو الحميمي فيما عاشته ريحان بوزقندة مع والدها في سنين حياته فتوجّه له الخطاب مباشرة و تكسر مع القارئ حاجز السرية التي ادّعتها في العنوان.
هذه السريّة المدّعاة ما هي إلاّ حيلة سرديّة توخّتها الكاتبة آليّة من آليّات التّشافي بالكتابة إثر صدمة فقدان والدها الذي وعدته أن تعود إليه لاحقاً و لكنّها لم تعد ، لتقرّ بأنّ. : « تلك المكالمة التي لم تكتمل صارت ندمي و حسرتي لكلّ السّنوات اللاّحقة » ( ص 08 ) ، لتكون تلك المكالمة الأخيرة التي لم تكتمل قادحا لكتابة هذه الرّسائل دون إغفال ذلك الدّفتر الهديّة من تلاميذها وهو الذي حوى رسائلها الممتدّة على خمس سنوات من 2017 إلى 2021 لتقرّر كتابتها على الحاسوب سنة 2022 و تنشرها في كتاب ضمّ أربعين رسالة ، و هنا الرقم « أربعون » هو عتبة من عتبات الكتاب و إن لم تشر إلى ذلك ريحان بوزقندة مباشرة و لكنّه مضمّن بين ثنايا الكلام ، فالرّقم أربعين يحتلّ مكانة خاصّة في العديد من الثقافات و الموروثات الشعبية حول العالم بما في ذلك الثقافة العربية ، و لكن سنشير فقط إلى الرقم أربعين في موروثنا و عاداتنا التونسية في علاقته بالموت و الفراق وهو الأمر الذي وظّفته الكاتبة لتنشر رسائلها ، فالأربعين بعد الوفاة حدث هام عند أهل الميّت الذين يعتقدون أنّ الرّوح تظلّ قريبة من الجسد لمدّة أربعين يوما ، كما أنّه يعتقد أنّ بعض الأحوال و خاصّة النفسية تتحسّن أو تستقرّ بعد أربعين يوما ، و ربّما هي فترة إنهاء الحزن ، و هنا تقول ريحان بوزقندة مخاطبة والدها : « لكن هذه الرسائل أيضاً هي وثيقة إنهاء حدادي عليك ، ذلك الحداد الممزوج من الذّهول و الشوق و الجنون ، على الأقلّ إنهائه علنًا ، لأحملك و حزني عليك أبدا في قلبي و علامة تسِمُ قلمي في كتابته عنك و إليك .» ( ص 12) .
هذا عقد أو هو ميثاق غليظ تجعله ريحان بوزقندة رقيبًا على كتابتها و حالتها النفسية
و تُشهدُنا كقرّاء عليه لتشركنا في تفاصيل الرّسائل التي ستجعلها سيرتين ، سيرتها و سيرة والدها الغائب - الحاضر دائما من خلال مخاطبته و كأنّه ماثل أمامها لتستحضر سيرتهالتي تبحث عنها بين طيّات الذكريات فتتساءل :« ماذا أفعل بك يا أبي ؟ بالصّور
و الذكريات... بالأماكن و الملابس... ماذا أفعل بكلّ شيء ؟ أتناسى ؟ أنشغل ؟ أعمل ؟ » . ( ص 38 ) .
لن يطول انتظارنا كقرّاء ، يدفعنا الفضول لمعرفة هذا الأب ، فإذا هو واضح المعالم من خلال سؤال طرحته الكاتبة على والدها وهو :
« لماذا حُرمت كلّ هذا ؟ » ، لنفهم ممّا سبق :
« عرفة... الحج .. الصيام.. ختم القرآن كلّ شهر... » ( ص 38) ، أنّه رجل ورع و تقيّ ، هو رجل يحضن أبناءه و أحفاده و يحبّ القرنفل ( ٱنظر صورة الغلاف ) و " بحر الفالاز في وقت الشّروق " ( ص 90 ) ، إنّه كما تقول ريحان بوزقندة : « أشتاقك أيّها الجميل البهيّ الطيّب ، يا جميل الرّوح و القسمات ». ( ص 104 ) ، وهو يحبّ السباحة باكراً : « رأيتك في عومة الصباح الباكر... و في السّابحين إلى المنارة في شاطئك الأثير ... » ( ص 124 ) .

هذه السيرة الموجزة جداً عن سي عمر قد تنير لمن لا يعرفه شخصيّا جوانب من شخصيّته المحبوبة في المنستير وهو المختصّ في التراث و تشهد عليه المتاحف و أحجار الرّباط و أعماله كفاعل في المجتمع المدني ، و قد يكون هذا خيارا من الكاتبة لتبقي جوانب من شخصية والدها سريّة و خاصّة بها ، و لكنّها في المقابل تطنب في الحديث عن سيرتها من خلال ما تكتبه في رسائلها الأربعين لوالدها ، هذه السيرة التي يحصل و أن نتماهى معها في بعض الجزئيّات و خاصّة فيما يرتبط بالجانب الحزين عند فراق والدها يوم الجمعة ، هذا اليوم الفارق في حياتها و الذي يعتبر من اهمّ العتبات في هذا الكتاب : « اليوم جمعة أيضاً ، هي ذكرى جمعة الغياب دوما.. » ( ص 104 ) ، و لكنه أيضاً يوم للإتصال و التواصل الروحي خاصة عند زيارته في مقبرة المنستير.
و في الحقيقة تواصل الكاتبة مع والدها الغائب - الحاضر عندها لا يقتصر على يوم الجمعة فقط ، بل هو تواصل شبه يومي عبر الكتابة المباشرة له في أسلوب بسيط لا يخلو من التداعي الحرّ و بثّه جميع اوجاعها و أحزانها و كذلك نجاحاتها و أفراحها ، فهو يرافقها في كلّ لحظة : « شكرا إلاهي على كلّ شيء .. و شكرا أيضاً لك أبي... لم و لن أنساك أبدا ... أنت حيّ فيّ و في ذاكرتي إلى يوم يبعثون [ ... ] » .( ص 128 ) .
و لعلّ هذه الرفقة الدائمة هي تكفير عن ذنب تلك المكالمة الأخيرة و ما لحقها جرّاءها من جلد الذات و الندم و تعبير عن حبّها له ، فكلمة
« أحبّك أبي » مبثوثة في جميع الرسائل تقريباً ، علّها بهذه الكلمة التي لم تنقطع عن لسانها تخفّف مصابها و تتشافى من ألم الفراق ، و هو ما عبّرت في كلمة الإهداء على نسختي : « هذه الرسائل حكاية من عالم مختلف ، عالم الحزن
و الشجن ، هي حكايات عبر سنوات كانت فيها الكتابة سبيلي للتشافي » .
و لعلّ هذه الكتابة لن تنقطع مادام الإتصال بوالدها متواصلا ، وهو ما ختمت به كتابها حين أعادت الروح لآخر مكالمة جمعتها به ( ص 131 ) .
و نختم بقولنا أننا كلنا نطأ أو ندوس على جمرة الفقد و لكن من منا أدرك أنه يجب أن يترجم ذلك الألم إلى لغة أو نصوص ترتّب تلك المواجع و تضعها في خانة الإبداع اللّغوي المكتوب الذي يجعل القارئ يتماهى مع تلك الكتابة و تلك المعاني المدمجة بين طيّات الأسطر المكتوبة ، و ها أنّ ريحان بوزقندة كانت سبّاقة لذلك فقدّمت لنا « إلى أبي.. بريدنا السري » .
م أ مخلوف 🇹🇳

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى