أحمد عبدالله إسماعيل - الرواية بين الهروب من الواقع ومحاولة فهمه

لا ينكر أحد أن "الإمتاع" هو الوظيفة الأولى للرواية؛ فمن دون عنصر الجذب والتسلية، يتحول العمل الأدبي إلى "تقرير" أو "بحث جاف". لكن التسلية في الأدب ليست "فراغًا"، بل هي الأداة التي نمرر من خلالها الرؤى الإنسانية. حتى الروايات التي تبدو للتسلية فقط (مثل البوليسية أو الفانتازيا) تحمل في طياتها "موضوعات" خفية عن الصراع بين الخير والشر، أو طبيعة النفس البشرية.
من الناحية البنيوية، يصعب تخيل رواية بلا موضوع. أي نص سردي يتضمن شخصيات تتحرك في زمن ومكان، هو بالضرورة يعالج "حالة إنسانية" ما.
إذا كانت الرواية تحكي عن الحب، فموضوعها العاطفة، وإذا كانت تحكي عن مغامرة، فموضوعها الإرادة. القول إنها للتسلية فقط هو تقزيم لقدرة اللغة على بناء العوالم.


FB_IMG_1778701980312.jpg

الرواية العظيمة هي التي تعمل على "مستويات متعددة":
المستوى السطحي الذي يوفر المتعة والحبكة المشوقة (التسلية)، والمستوى العميق الذي يطرح تساؤلات وجودية أو فلسفية أو اجتماعية.
الرواية التي تكتفي بالتسلية فقط قد تُقرأ مرة وتُنسى، أما الرواية التي تحمل "موضوعًا" فهي التي تعيش وتؤثر في وجدان القارئ وتغير نظرته للعالم.
الأدب ليس "مخدرًا" للهروب من الواقع فحسب، بل هو "مرآة" لفهمه. حصر الرواية في التسلية يشبه حصر الطعام في "المذاق" مع إهمال "القيمة الغذائية". المذاق يجذبك للأكل، لكن القيمة الغذائية هي ما يبنيك.
المتعة هي "شرط القراءة" الأول، ومن دونها لا تكتمل التجربة الجمالية. لكن الرواية التي تكتفي بالتسلية تظل ناقصة؛ فالإمتاع هو الوسيلة، أما الموضوع فهو الروح التي تمنح النص خلوده. الفن الحقيقي لا يخيرك بين أن تبتسم أو تفكر، بل يجعلك تبتسم وأنت تفكر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى