سحر الهنيدي بالمر - الاشتياق بين التجربة والوعي: قراءة في نص "اشتياق" للشاعر نمر سعدي

زوِّديني من الثمر المتلهِّف،
من قُبَلٍ زَمَّها الملحُ في الشهدِ،
حتى تفتّح وردُ العناقْ،
كنتُ أكتبُ شعراً على الماء للريحِ،
أشتاقُ للنسوةِ الناجيات من الاشتياقْ
ـــــــــ
لا يقدِّم هذا النص الاشتياق كانفعالاً عابراً، بل كحالة تُعيد تشكيل طبيعة القرب ذاته. منذ بدايته، يتخذ الصوت موقعاً واضحاً يقوم على الطلب لا الادعاء. "زوِّديني" لا تحمل استعجالاً أو اندفاعاً، بل تكشف عن وعي بالحاجة، وعن علاقة لا تُبنى على السيطرة، بل على اعتراف متوازن بما ينقصها.

صورة نمر سعدي.jpg

تأتينا الصورة الأولى: "الثمر المتلهِّف"، لا تشير إلى شيء ملموس، بل إلى نتيجة إحساس أو تجربة. الثمر هنا ليس عطاءً جاهزاً، بل ما يتكوّن بعد مرور بشيء ما. كلمة "المتلهّف" تضيف توتراً داخل هذا النضج، وكأن ما يُقدَّم ليس مادّة، بل حصيلة شعور مشحون بالرغبة. كلمة "المتلهِّف" تضيف حرارة وكأن ما يُقدَّم ليس مادَّة، بل إحساس.
تتبلور الفكرة أكثر في عبارة: "مِن قُبَلٍ زَمَّها الملحُ في الشهد". هنا تتكثّف الفكرة. القُبَل ليست مجرد تعبير عن القرب، بل مساحة يُعاد فيها تشكيل الشعور. الشهد يمثل الحلاوة، والملح يدخل كعنصر يضبطها. فعل "زَمَّها" مهم، لأنه لا يشير إلى مزج فقط، بل إلى شدٍّ، ضبط، وتكثيف. أي أن الملح لا يفسد الحلاوة، بل يمنعها من أن تكون سائبة أو سطحية.
بهذا المعنى، القُبَل ليست لحظة عاطفية فقط، بل حالة مركّبة تحمل في داخلها توازناً بين اللين والتجربة. فيها رهافة، لكن فيها أيضاً حدٌّ يحفظها من التسيّب. القرب هنا لا يأتي كنتيجة اندفاع، بل كصيغة مدروسة من الإحساس.
""حتى تفتَّحَ وردُ العناقْ" تأتي كنتيجة لهذا التوازن. العناق لا يحدث مباشرة، بل يُفتح. وكأن النص يقول إن القرب لا يُمنح بسهولة، بل يتكوَّن عبر تجربة شعورية تحمل أكثر من طبقة. الفتح هنا ليس فعلاً لحظياً، بل نتيجة تدرُّج داخلي.
في الجزء الثاني من النص، ينتقل الصوت إلى اعتراف واضح:
"كنت أكتب شعراً على الماء للريح". هذه صورة دقيقة عن تعبير لا يمكن الإمساك به أو الاحتفاظ به. الكتابة على الماء تختفي، والريح لا تحتفظ بأثر. هنا نرى تجربة سابقة من الإحساس الذي لا يجد مكاناً يستقر فيه لأن الإطار الذي يُقدَّم فيه غير قادر على احتوائه.
هذا التحوُّل يربط بين الماضي والحاضر في النص. الطلب في البداية ليس عفوياً، بل يأتي بعد تجربة من التعبير الضائع. كأن الصوت يقول: لم أعد أبحث عن أي مساحة، بل عن مساحة قادرة على استقبال ما أقدِّمه.
أما الجملة الأخيرة: "أشتاقُ للنسوةِ الناجيات من الاشتياقْ"، فهي تحدّد موقف النص بدقّة. الاشتياق ليس ما يجذب الصوت، بل ما تم تجاوزه. المرأة المطلوبة ليست تلك التي تعيش الاشتياق، بل التي مرّت به وخرجت منه بوعي. بهذا، يتحوّل الاشتياق من حالة إلى مرحلة. ومن تجربة قد تكون مفتوحة أو مستنزِفة، إلى معرفة تُعيد تعريف القرب. من تعبر هذه المرحلة لا تعود إلى الشكل الأول من الإحساس، بل تقدّم حضوراً أكثر تماسكاً واستمرارية.
النص لا يتحدث عن الحب بوصفه فكرة عامة، بل عن نوعية التجربة العاطفية. عن القرب الذي يُبنى على وعي، لا على اندفاع. وعن التعبير الذي يجد مكانه، فلا يضيع. ما يمنح النص قوّته هو دقّة صوره. كل صورة تحمل طبقة دلالية، من دون شرح زائد أو استعراض لغوي. هناك اقتصاد في التعبير، وبناء هادئ لمعنى يتكشف تدريجياً.
في نهايته، لا يفرض النص نتيجة، بل يقدّم معياراً واضحاً: ليست قيمة الاشتياق في وجوده، بل فيما ع٨ع٨يترك خلفه. هل يبقى حالة مفتوحة، أم يتحوّل إلى وعي يُعيد تشكيل العلاقة؟ وهنا تكمن دقّة الجملة الختامية: الاشتياق ليس ما يُطلب، بل ما يُتجاوز.
يُذكر أن هذا النص للشاعر الفلسطيني المقيم في الجليل نمر سعدي، وقد صدر له العديد من الدواوين الشعريَّة وبعض الكتب النثريَّة منها ديوان "ساعي بريد اللهفة"، الصادر حديثا عن دار النهضة للطباعة والنشر في الناصرة، فيما صدرت مجموعته السابقة "ظلال مضاعفة بالعناقات" الصادرة عن دار راية للنشر والترجمة في حيفا نهاية عام 2024. هذا النص لم يُنشر بعد ضمن ديوان، وهو جزء من قصائد جديدة قيد الإعداد.
سحر الهنيدي بالمر كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية صدر لها اثنا عشر كتاباً عن دور نشر دولية وتقدّم منذ أكثر من عشرين عاماً برامج باللغة الإنجليزية حول الوعي والقيادة الذاتية وتعمل مرشدة حياة للقيادات وصنَّاع المحتوى وتكتب أعمدة ومقالات نقدية في مجلات عربية وعالمية وتعمل حالياً على إصدار مجموعتها الشعرية العربية الأولى "أنثى السَّحر".




سحر الهنيدي بالمر
/ شاعر وناقدة وبودكاستر بريطانية من أصل فلسطيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى