تعد رواية "الملحمة الكبرى - سفر النبوءة" الصادرة عن دار المعادى جروب للنشر والتوزيع، العمل التاسع في مشروع المفكر والأديب المصري طارق حنفي، والذي تنوعت أعماله بين الرواية والقصة والمسرحية والمقال الأدبي والخاطرة والتأملات الدينية.
*
القراءة بقلم الأديبة: هالة المهدي
-----------
أولا قرأت للكاتب منذ،فترة..رواية ميدان التحرير دنفر..وكان لها وقع تحليلي لأحداث منذ خمسة عشر عاما وكانت بالتأكيد رائعة.
لكن عند قراءة تلك الروايه بالتحديد كان أول
ما تبادر إلى ذهني للوهلة الأولى بعد قراءة عددٍ من صفحات الرواية هو أيديولوجية المزج بين الخيال والواقع. فالرواية تحاكي عوالم خيال الكاتب الخصب بقوةٍ تخفي في باطنها واقعًا أشدّ ضراوة.
والسؤال الذي فرض نفسه بقوة: ماذا لو انفصل الكاتب في كتابته عن الواقع انفصالًا كليًا، فخلق منطقةً خاصةً بخياله البعيد عن الواقع المعاش أو حتى المتوقع؟
أرى أن هذا الانفصال يمكن تفسيره من عدة مداخل، أهمها المدخل النفسي. فالخيال هنا يعد ملاذًا آمنًا لإعادة تشكيل واقعٍ موجع، يحاول الكاتب إصلاحه على الورق من خلال خياله الخصب، فيطرح بالإيحاء أسئلة: "ماذا لو؟" و"ماذا لو لم يكن؟".
وهو في ذلك لا يهرب من الواقع إلى الخيال، بل يلقي القبض على الواقع ويستجوبه داخل صورة فانتازية مستحيلة، ثم يُسقط نتائج هذا الاستجواب على شخصيات الرواية برمزيةٍ محكمة.
في هذه الرواية، الانفصال عن الواقع ليس كليًا، بل جزئي_ زمني_ ومكاني. فلا يُذكر زمانٌ محدد ولا مكانٌ معين، فيصبح الخيال هو العامل المشترك الذي يطغى على السرد، فيثير سؤال القارئ: أين ومتى حدثت تلك الأحداث؟
وهكذا تتحول الرواية كلها إلى حالة دمج بين الواقع والخيال، لتبثّ رسائل غير مباشرة. ولو التزم الكاتب بالمباشرة لتحول النص إلى مقالٍ يتنافى مع طبيعته الروائية. لكن الرسائل تسربت إلى القارئ دون أن يشعر بوعظيتها، وإن ظهرت واضحة جلية في بعض مواضع السرد.
شعرت أن أسلوب الكاتب هنا مجرد تمويه للرسائل الخطرة التي يريد إيصالها عن الواقع المجتمعي، فألبس النص ثوب الخيال، وأطلق العنان لخياله الواسع. بنى عالمًا من سبعة حراس للنور، ووريثٍ لأحدهم، مقابل حراس الظلام، في حربٍ دائرة ونبوءاتٍ في طريقها إلى التحقق، وسبع مهامٍ مستحيلة، ثم ختم الجزء الأول من الملحمة بأملٍ ينتظر أن يفتحه السفر الثاني.
وضع الكاتب تفاصيل مستحيلة تتسق مع منطق الخيال داخل عالمٍ يبدو واقعيًا، فإذا بكل تفصيلةٍ تخضع لبؤرة رؤيةٍ مجردة. وخلق بقوانينه وأساطيره عالمًا يشبه قوانين الواقع لكنه يستحيل حدوثه حرفيًا.
الأيديولوجية هنا ليست مجرد تقنية سردية، بل موقف فكري أخفاه الكاتب بين ثنايا الأحداث الخيالية. رسالته واحدة: *العالم الذي تراه بعينيك ليس هو كل الحقيقة، وما يُتخيل قد يكون أصدق من الواقع نفسه. فالواقع في الرواية نسبي، والخيال قوةٌ منتجة لا هروبًا من الواقع، بل كشفٌ عن واقعٍ مستتر يطل علينا خلف خيال ممتزج به.
اعتمد الكاتب أسلوب المحاكاة لينشئ عوالم حرّة سهلة التنقل بينها، ويمنحك في النهاية فكرة محددة يمكنك إسقاطها على الواقع، ومضاهاتها بما نعيشه فعلًا.
السرد واللغة/
أجاد الكاتب توظيف تقنيات البلاغة والسرد، بألفاظٍ قوية وتعبيراتٍ عميقة. فبين كل مشهدٍ وآخر ترد جملةٌ يمكن استخلاص حكمةٍ أو قولٍ مأثورٍ منها، كأنها موجزٌ يسقط الضوء على الواقع المختبئ خلف الخيال. مثل:
- "الذين كانوا يتعبدون، صاروا يقتلون باسم الله".
- "من لم يعرف نور القلب، غرق في ظلام الفتنة".
- "ليس كل عطشان يحتاج الماء، أحيانًا يكفي أن يدرك المرء أن لديه ينبوعه".
هذه الجمل الحوارية تأتي بمثابة جسرٍ بين الخيال والواقع، فنسقطها على حياتنا. والحوار نفسه جاء مكمّلًا للسرد، إذ يحمل كل مقطعٍ منه حكمةً أو إضاءةً على الواقع النفسي للقارئ.
والسرد جاء بألفاظٍ راقية وتعبيراتٍ بليغة، مبسطةٍ في شكلها، عميقةٍ في مضمونها.
وأشيد هنا بتطور أسلوب الكاتب ونضجه مقارنةً بما قرأت له سابقًا، فكأن ما يكتبه اليوم نتاج مكنونٍ نفسي يخرج في صورة أفكارٍ خيالية نقية ومعبّرة.
الزمكان/
اختفى الزمان والمكان المحددان في الرواية، فلا عصرٌ بعينه ولا تاريخٌ ولا مكانٌ يمكن تحديد بوصلةٍ له. وأرى أن الكاتب تعمّد ذلك لتعميم الفكرة، وليترك انطباعًا بأنها قد تحدث في أي زمانٍ ومكان. وهذا يجعل القارئ أكثر شغفًا لمعرفة: من؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟
وهو إسقاط رمزي على واقعٍ قد يفرض نفسه في أي مجتمع دون حدود.
ملحوظة
يبدو الأسلوب مسرحيًا واضحًا. يتحرك الكاتب داخل مسرحٍ واحد، يصف المشهد بتفاصيله حتى تشعر أنك في الصفوف الأولى أمام الخشبة. الحركة محدودة بين المشاهد، لكن الانتقالات بين جبل النور والمدينة تتم بهدوء، كأن الديكورات تتغير على المسرح نفسه، والكاميرا تتنقل داخله لتصف الكادر بدقة.
ذكرني المشهد الافتتاحي بمسرحية الملك لير: تُرفع الستارة على عرشٍ يتقلده الملك، ثم تنتقل الكاميرا إلى وجهه، فتسلّط الأضواء على صراعه النفسي وما يعصف به من حرائق ودمار، لتبدأ الرواية بعدها بسردٍ مشوّق.
ملحوظات ختامية
تطور الأفكار وتتابعها في الرواية، والتبادلية بين السرد والحوار على لسان البطل نجم الدين، جعلا البطولة منفردةً له وحده، رغم كونه ترسًا في منظومة "حراس النور". وفي النهاية يصل الإيحاء إلى أن البطل الأوحد هو نجم الدين، فلا إسقاط هنا على الواقع سوى استئثارٍ بالانفراد.
وأعتقد أن الكاتب في السفر الجديد سيجد معضلة واضحة في إعادة توزيع باقي الشخصيات على أدوارها دون الانفراد ببطولة مطلقة.
وهناك أمر آخر، ليس عيبًا بقدر ما هو مثير للتساؤل: تتابع الأفكار والأحداث والحركة السريعة في سير الأحداث، رغم كثافتها، والانتقال بين حدثٍ وآخر، كان أمرًا مربكًا بالنسبة لي. اضطررت إلى العودة لقراءة الحدث السابق لأربط بين الأحداث حتى لا تنفلت مني.
هكذا كان تحليلي وقراءتي للرواية، وأرجو أن أكون قد وُفّقت في إظهار جماليات الفكرة. وبالتوفيق للكاتب.
*
القراءة بقلم الأديبة: هالة المهدي
-----------
أولا قرأت للكاتب منذ،فترة..رواية ميدان التحرير دنفر..وكان لها وقع تحليلي لأحداث منذ خمسة عشر عاما وكانت بالتأكيد رائعة.
لكن عند قراءة تلك الروايه بالتحديد كان أول
ما تبادر إلى ذهني للوهلة الأولى بعد قراءة عددٍ من صفحات الرواية هو أيديولوجية المزج بين الخيال والواقع. فالرواية تحاكي عوالم خيال الكاتب الخصب بقوةٍ تخفي في باطنها واقعًا أشدّ ضراوة.
والسؤال الذي فرض نفسه بقوة: ماذا لو انفصل الكاتب في كتابته عن الواقع انفصالًا كليًا، فخلق منطقةً خاصةً بخياله البعيد عن الواقع المعاش أو حتى المتوقع؟
أرى أن هذا الانفصال يمكن تفسيره من عدة مداخل، أهمها المدخل النفسي. فالخيال هنا يعد ملاذًا آمنًا لإعادة تشكيل واقعٍ موجع، يحاول الكاتب إصلاحه على الورق من خلال خياله الخصب، فيطرح بالإيحاء أسئلة: "ماذا لو؟" و"ماذا لو لم يكن؟".
وهو في ذلك لا يهرب من الواقع إلى الخيال، بل يلقي القبض على الواقع ويستجوبه داخل صورة فانتازية مستحيلة، ثم يُسقط نتائج هذا الاستجواب على شخصيات الرواية برمزيةٍ محكمة.
في هذه الرواية، الانفصال عن الواقع ليس كليًا، بل جزئي_ زمني_ ومكاني. فلا يُذكر زمانٌ محدد ولا مكانٌ معين، فيصبح الخيال هو العامل المشترك الذي يطغى على السرد، فيثير سؤال القارئ: أين ومتى حدثت تلك الأحداث؟
وهكذا تتحول الرواية كلها إلى حالة دمج بين الواقع والخيال، لتبثّ رسائل غير مباشرة. ولو التزم الكاتب بالمباشرة لتحول النص إلى مقالٍ يتنافى مع طبيعته الروائية. لكن الرسائل تسربت إلى القارئ دون أن يشعر بوعظيتها، وإن ظهرت واضحة جلية في بعض مواضع السرد.
شعرت أن أسلوب الكاتب هنا مجرد تمويه للرسائل الخطرة التي يريد إيصالها عن الواقع المجتمعي، فألبس النص ثوب الخيال، وأطلق العنان لخياله الواسع. بنى عالمًا من سبعة حراس للنور، ووريثٍ لأحدهم، مقابل حراس الظلام، في حربٍ دائرة ونبوءاتٍ في طريقها إلى التحقق، وسبع مهامٍ مستحيلة، ثم ختم الجزء الأول من الملحمة بأملٍ ينتظر أن يفتحه السفر الثاني.
وضع الكاتب تفاصيل مستحيلة تتسق مع منطق الخيال داخل عالمٍ يبدو واقعيًا، فإذا بكل تفصيلةٍ تخضع لبؤرة رؤيةٍ مجردة. وخلق بقوانينه وأساطيره عالمًا يشبه قوانين الواقع لكنه يستحيل حدوثه حرفيًا.
الأيديولوجية هنا ليست مجرد تقنية سردية، بل موقف فكري أخفاه الكاتب بين ثنايا الأحداث الخيالية. رسالته واحدة: *العالم الذي تراه بعينيك ليس هو كل الحقيقة، وما يُتخيل قد يكون أصدق من الواقع نفسه. فالواقع في الرواية نسبي، والخيال قوةٌ منتجة لا هروبًا من الواقع، بل كشفٌ عن واقعٍ مستتر يطل علينا خلف خيال ممتزج به.
اعتمد الكاتب أسلوب المحاكاة لينشئ عوالم حرّة سهلة التنقل بينها، ويمنحك في النهاية فكرة محددة يمكنك إسقاطها على الواقع، ومضاهاتها بما نعيشه فعلًا.
السرد واللغة/
أجاد الكاتب توظيف تقنيات البلاغة والسرد، بألفاظٍ قوية وتعبيراتٍ عميقة. فبين كل مشهدٍ وآخر ترد جملةٌ يمكن استخلاص حكمةٍ أو قولٍ مأثورٍ منها، كأنها موجزٌ يسقط الضوء على الواقع المختبئ خلف الخيال. مثل:
- "الذين كانوا يتعبدون، صاروا يقتلون باسم الله".
- "من لم يعرف نور القلب، غرق في ظلام الفتنة".
- "ليس كل عطشان يحتاج الماء، أحيانًا يكفي أن يدرك المرء أن لديه ينبوعه".
هذه الجمل الحوارية تأتي بمثابة جسرٍ بين الخيال والواقع، فنسقطها على حياتنا. والحوار نفسه جاء مكمّلًا للسرد، إذ يحمل كل مقطعٍ منه حكمةً أو إضاءةً على الواقع النفسي للقارئ.
والسرد جاء بألفاظٍ راقية وتعبيراتٍ بليغة، مبسطةٍ في شكلها، عميقةٍ في مضمونها.
وأشيد هنا بتطور أسلوب الكاتب ونضجه مقارنةً بما قرأت له سابقًا، فكأن ما يكتبه اليوم نتاج مكنونٍ نفسي يخرج في صورة أفكارٍ خيالية نقية ومعبّرة.
الزمكان/
اختفى الزمان والمكان المحددان في الرواية، فلا عصرٌ بعينه ولا تاريخٌ ولا مكانٌ يمكن تحديد بوصلةٍ له. وأرى أن الكاتب تعمّد ذلك لتعميم الفكرة، وليترك انطباعًا بأنها قد تحدث في أي زمانٍ ومكان. وهذا يجعل القارئ أكثر شغفًا لمعرفة: من؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟
وهو إسقاط رمزي على واقعٍ قد يفرض نفسه في أي مجتمع دون حدود.
ملحوظة
يبدو الأسلوب مسرحيًا واضحًا. يتحرك الكاتب داخل مسرحٍ واحد، يصف المشهد بتفاصيله حتى تشعر أنك في الصفوف الأولى أمام الخشبة. الحركة محدودة بين المشاهد، لكن الانتقالات بين جبل النور والمدينة تتم بهدوء، كأن الديكورات تتغير على المسرح نفسه، والكاميرا تتنقل داخله لتصف الكادر بدقة.
ذكرني المشهد الافتتاحي بمسرحية الملك لير: تُرفع الستارة على عرشٍ يتقلده الملك، ثم تنتقل الكاميرا إلى وجهه، فتسلّط الأضواء على صراعه النفسي وما يعصف به من حرائق ودمار، لتبدأ الرواية بعدها بسردٍ مشوّق.
ملحوظات ختامية
تطور الأفكار وتتابعها في الرواية، والتبادلية بين السرد والحوار على لسان البطل نجم الدين، جعلا البطولة منفردةً له وحده، رغم كونه ترسًا في منظومة "حراس النور". وفي النهاية يصل الإيحاء إلى أن البطل الأوحد هو نجم الدين، فلا إسقاط هنا على الواقع سوى استئثارٍ بالانفراد.
وأعتقد أن الكاتب في السفر الجديد سيجد معضلة واضحة في إعادة توزيع باقي الشخصيات على أدوارها دون الانفراد ببطولة مطلقة.
وهناك أمر آخر، ليس عيبًا بقدر ما هو مثير للتساؤل: تتابع الأفكار والأحداث والحركة السريعة في سير الأحداث، رغم كثافتها، والانتقال بين حدثٍ وآخر، كان أمرًا مربكًا بالنسبة لي. اضطررت إلى العودة لقراءة الحدث السابق لأربط بين الأحداث حتى لا تنفلت مني.
هكذا كان تحليلي وقراءتي للرواية، وأرجو أن أكون قد وُفّقت في إظهار جماليات الفكرة. وبالتوفيق للكاتب.