يذهب كارلوني وفيللو في كتاب (النقد الأدبي) وخلال تقصيهما لتاريخ النقد الأدبي المعاصر الي اعتبار ان النقد الادبي لم يتبلور كفن أدبي مستقل الا خلال القرن الثامن عشر حينما بدات الحياة الادبية تنتظم في اوربا واخذت مكانة الكاتب تتبلور في المجتمع بشكل اكبر ويمضي المؤلفان قدما في استقصاء جذور النقد الأدبي في تلك الفترة الباكرة فيتناولان ما أورده كاتب فرنسي كبير مثل (تروبييه) حَول ما عرف لاحقا بنقد الحركة وهو - بحسب كارلوني وفيللو- نوع من نقد الدعاية الأدبية يقوده كتاب شباب يحرضون علي نشر افكارهم الجديدة وذلك عبر شن هجوم عنيف علي كل ما يخالف التوجهات الادبية الخاصة بجماعتهم الأدبية او عبر الدعاية المباشرة لآثارهم ولآثار رفاقهم الذين ينخرطون معهم ضمن مذهبهم الأدبي.
وبحسب كارلوني وفيللو فان هذا الضرب من النقد قد كان ذا أثر كبير في نشأة وتطور عدد من المدارس الادبية والفنية مثل الرومانسية والرمزية خلال سنوات القرن التاسع عشر، فمن خلال (نقد الحركة) تبلورت تيارات عديدة داخل الحركة الأدبية قامت بالأساس علي ذائقة متحيزة لقيم الجماعة النقدية وقد اعتمدت تلك التيارات في تلك المرحلة علي أساليب دعائية مختلفة للترويج لأعمال الكتاب والفنانين الذين يتشاطرون رؤية خاصة بالجماعة التي ينتمون إليها وعلي هذا الأساس ظلت جماعات الغيتَو الأدبية والثقافية تدعم الأفكار والرؤي التي تنسجم مع توجهاتها الفنية وتشن هجوما عنيفا علي كل ما عداها ولم يكن الهدف إلا تحطيم القيم المغايرة وارساء قيم جديدة.
ووفقا لكارلوني وفيللو ايضا فقد كان يتم التعبير عن فكر الحركات الأدبية المنغلقة في مناشير ومقدمات ومقالات تنشر علي صفحات الصحف والمجلات..
إن المتامل لما أورده المؤلفان نقلا عن (ترابييه) يدرك بسهولة ان ما اثير حول مفهوم نقد الحركة وطبيعة ذلك النقد لا يكاد يقتصر فقط علي التجربة الغربية، بل إننا نجد ان شيئا من ذلك قد خالط أيضا تجاربنا الابداعية سواء كان ذلك علي المستوي المحلي او علي مستوي تاريخ الادب العربي المعاصر وبوسعنا هنا وعلي سبيل المثال الإشارة الي عدد من التجارب منها تجربة جماعة أبوللو التي تبنت نهجا رومانسيا واضحا في بواكير القرن العشرين وتعد ابوللو مثالا جيدا علي (نقد الحركة) الذي اشار اليه تروبييه اذا ما فهمنا هذا النوع من النقد علي أساس انه يبدأ كحركة احتجاجية دعائية في اول الأمر ثم ينتهي به الحال تأسيسا تنبني علي أسسه ودعائمه حركة أدبية جديدة.
والمتأمل لحالة ابوللو يري أنها بدأت كتيار مناهض للحركة الشعرية الكلاسيكية وعلي الرغم من ان الجماعة في ذلك الوقت قد ضمت إلي صفوفها شاعر كلاسيكي كبير مثل احمد شوقي، الا ان الدور البارز في الجماعة قد لعبته شخصيات اخري عرفت بمناهضتها لقيم ماقبل حداثة ابوللو الشعرية مثل احمد زكي ابو شادي وعلي محمود طه وحافظ ابراهيم.
وقد جعلت ابوللو وكدها في ذلك الوقت تخليق نص ادبي مغاير يقوم علي الوحدة الموضوعية للقصيدة كما إنها ركزت وبشكل اساسي علي ترجمة المشاعر والانفعالات الخاصة بالشاعر والتعبير عنها بصورة صادقة واخذت الجماعة تبشر بلون جديد من الشعر وان كانت تجربتها الرومانسية تستند بالاساس كما يرى بعض النقاد إلي إرث الحركة الرومانتيكية في الشعر الانجليزي والتي حمل لواءها كما هو معروف الشاعر العملاق وليام َ وَردذ وورث واخرين..
وفي سبيل ذلك كله فقد خاضت ابوللو بعض المعارك الشرسة لا سبيل هنا إلي استعراضها او الإتيان علي ذكرها بالتفصيل في هذا الحيز الضيق وما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو القول بان ابوللو قد بدات كجماعة ادبية مناهضة لكثير من القيم الكلاسيكية ثم اخذت تمارس شيئا من نقد الحركة حين قصرت تجربة التناول الشعري علي المنتمين اليها وانخرطت في صراع ضد مجموعات اخري وفق رؤية تأسيسية خاصة بها..
وثمة تجربة اخري قد تكون أكثر وضوحا في هذا الشان يمكن الاشارة إليها وهي تتعلق بجماعة (شعر) في بيروت، تلك الجماعة التي ساهمت بشكل كبير في بلورة مفاهيم قصيدة النثر في العالم العربي علي هدي تجربة عراب قصيدة النثر الشاعر الفرنسي (شارل بودلير) وقد التأمت جماعة شعر في الخمسينيات من القرن الماضي علي هيئة نادي ادبي مغلق تحت قيادة يوسف الخال وادونيس وانسي الحاج واخذوا وبشكل راتب يذيعون نمطا جديدا من الكتابة يعج بالغرابة من حيث الشكل ََالمضمون وقد اعتمدت الجماعة التي كانت أشبه بدائرة أصدقاء مغلقة علي منبر دعائي خاص بها عرف بمجلة (شعر) ولعل تسمية (شعر) نفسها قد شكلت استفزازا واضحا لمناوئيهم حول قيمة ما يكتب وينشر بالمجلة ومدي صلته بمعايير القصيدة العربية، وهكذا رأينا جماعة شعر تمارس النقد بناء علي مفاهيم خاصة بها حول ماهية الشعر وما ينبغي أن يكون عليه وتكفي الاشارة هنا إلي تلك المقالات اللاذعة التي شن فيها انسي الحاج حربا ضروسا علي الشاعرين السودانيين صلاح احمد ابراهيم ومحمد عثمان كجراي مدعيا خلال تلك المقالات ان تلك المحاولات التي يجريها الشاعرين في ميدان الكتابة لا تمت للشعر بصلة وانما هي محض محاولات طفولية.
اما علي المستوي المحلي فهناك علي سبيل المثال النقد الذي خلفته حركتا ابادماك والغابة والصحراء في السودان خلال ستينيات القرن الماضي وقد ظلت هاتان الحركتان متباينتين علي المستوي الفكري اكثر من المستوي الفني فقد شكلت مسألة الهوية وتمثلاتها في الفكر والادب والثقافة نقطة فارقة في تجربتهما ورغم ذلك فقد انخرط القائمون عليهما في نقد أدبي دعائي ظل محصورا ضمن نطاق صفوة الستينيات والسبعينيات ولم يكد اثره يمتد في فترات لاحقة شهدت فيها الثقافة والآدب تشظيا واضحا.
ان النقد القائم وفق تصورات نقد الحركة التي صاغها تروبييه والقائمة علي أساليب الدعاية الادبية عبر الترويج لكل ما هو منسجم مع قيم الجماعة الادبية ومحاولة نفي الاشكال المغايرة لا يكاد يتطابق بالضرورة مع مفهوم المعارك الأدبية بالمعني الواسع َوالشامل، فالمعارك الادبية لا تنشب فقط من اجل الزود عن مذهب ادبي معين او التنويه بجماعة محددة من الكتاب، بل إنها تعبر في نهاية الامر عن تباينات وتقاطعات كبيرة في مسيرة الحياة الادبية وعلي هذا الاساس فان نقد الحركة الذي عناه تروبييه إنما يندرج تحت اطار حركة النقد بشكل عام وتندرج مشاكساته ضمن نظاق المعارك الادبية بمفهومها الواسع..
ان المازق الاساسي بالنسبة لنقد الحركة حسب توصيف (تروبييه) هو انه قد يجعل الكاتب او الفنان اسيرا لتجربة (شلة) محدودة تتناول الفن وفق مفاهيم خاصة، هذا فضلا عن انه يكرس لتجارب قد تبدو متعالية في الفكر والثقافة والادب....
وبحسب كارلوني وفيللو فان هذا الضرب من النقد قد كان ذا أثر كبير في نشأة وتطور عدد من المدارس الادبية والفنية مثل الرومانسية والرمزية خلال سنوات القرن التاسع عشر، فمن خلال (نقد الحركة) تبلورت تيارات عديدة داخل الحركة الأدبية قامت بالأساس علي ذائقة متحيزة لقيم الجماعة النقدية وقد اعتمدت تلك التيارات في تلك المرحلة علي أساليب دعائية مختلفة للترويج لأعمال الكتاب والفنانين الذين يتشاطرون رؤية خاصة بالجماعة التي ينتمون إليها وعلي هذا الأساس ظلت جماعات الغيتَو الأدبية والثقافية تدعم الأفكار والرؤي التي تنسجم مع توجهاتها الفنية وتشن هجوما عنيفا علي كل ما عداها ولم يكن الهدف إلا تحطيم القيم المغايرة وارساء قيم جديدة.
ووفقا لكارلوني وفيللو ايضا فقد كان يتم التعبير عن فكر الحركات الأدبية المنغلقة في مناشير ومقدمات ومقالات تنشر علي صفحات الصحف والمجلات..
إن المتامل لما أورده المؤلفان نقلا عن (ترابييه) يدرك بسهولة ان ما اثير حول مفهوم نقد الحركة وطبيعة ذلك النقد لا يكاد يقتصر فقط علي التجربة الغربية، بل إننا نجد ان شيئا من ذلك قد خالط أيضا تجاربنا الابداعية سواء كان ذلك علي المستوي المحلي او علي مستوي تاريخ الادب العربي المعاصر وبوسعنا هنا وعلي سبيل المثال الإشارة الي عدد من التجارب منها تجربة جماعة أبوللو التي تبنت نهجا رومانسيا واضحا في بواكير القرن العشرين وتعد ابوللو مثالا جيدا علي (نقد الحركة) الذي اشار اليه تروبييه اذا ما فهمنا هذا النوع من النقد علي أساس انه يبدأ كحركة احتجاجية دعائية في اول الأمر ثم ينتهي به الحال تأسيسا تنبني علي أسسه ودعائمه حركة أدبية جديدة.
والمتأمل لحالة ابوللو يري أنها بدأت كتيار مناهض للحركة الشعرية الكلاسيكية وعلي الرغم من ان الجماعة في ذلك الوقت قد ضمت إلي صفوفها شاعر كلاسيكي كبير مثل احمد شوقي، الا ان الدور البارز في الجماعة قد لعبته شخصيات اخري عرفت بمناهضتها لقيم ماقبل حداثة ابوللو الشعرية مثل احمد زكي ابو شادي وعلي محمود طه وحافظ ابراهيم.
وقد جعلت ابوللو وكدها في ذلك الوقت تخليق نص ادبي مغاير يقوم علي الوحدة الموضوعية للقصيدة كما إنها ركزت وبشكل اساسي علي ترجمة المشاعر والانفعالات الخاصة بالشاعر والتعبير عنها بصورة صادقة واخذت الجماعة تبشر بلون جديد من الشعر وان كانت تجربتها الرومانسية تستند بالاساس كما يرى بعض النقاد إلي إرث الحركة الرومانتيكية في الشعر الانجليزي والتي حمل لواءها كما هو معروف الشاعر العملاق وليام َ وَردذ وورث واخرين..
وفي سبيل ذلك كله فقد خاضت ابوللو بعض المعارك الشرسة لا سبيل هنا إلي استعراضها او الإتيان علي ذكرها بالتفصيل في هذا الحيز الضيق وما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو القول بان ابوللو قد بدات كجماعة ادبية مناهضة لكثير من القيم الكلاسيكية ثم اخذت تمارس شيئا من نقد الحركة حين قصرت تجربة التناول الشعري علي المنتمين اليها وانخرطت في صراع ضد مجموعات اخري وفق رؤية تأسيسية خاصة بها..
وثمة تجربة اخري قد تكون أكثر وضوحا في هذا الشان يمكن الاشارة إليها وهي تتعلق بجماعة (شعر) في بيروت، تلك الجماعة التي ساهمت بشكل كبير في بلورة مفاهيم قصيدة النثر في العالم العربي علي هدي تجربة عراب قصيدة النثر الشاعر الفرنسي (شارل بودلير) وقد التأمت جماعة شعر في الخمسينيات من القرن الماضي علي هيئة نادي ادبي مغلق تحت قيادة يوسف الخال وادونيس وانسي الحاج واخذوا وبشكل راتب يذيعون نمطا جديدا من الكتابة يعج بالغرابة من حيث الشكل ََالمضمون وقد اعتمدت الجماعة التي كانت أشبه بدائرة أصدقاء مغلقة علي منبر دعائي خاص بها عرف بمجلة (شعر) ولعل تسمية (شعر) نفسها قد شكلت استفزازا واضحا لمناوئيهم حول قيمة ما يكتب وينشر بالمجلة ومدي صلته بمعايير القصيدة العربية، وهكذا رأينا جماعة شعر تمارس النقد بناء علي مفاهيم خاصة بها حول ماهية الشعر وما ينبغي أن يكون عليه وتكفي الاشارة هنا إلي تلك المقالات اللاذعة التي شن فيها انسي الحاج حربا ضروسا علي الشاعرين السودانيين صلاح احمد ابراهيم ومحمد عثمان كجراي مدعيا خلال تلك المقالات ان تلك المحاولات التي يجريها الشاعرين في ميدان الكتابة لا تمت للشعر بصلة وانما هي محض محاولات طفولية.
اما علي المستوي المحلي فهناك علي سبيل المثال النقد الذي خلفته حركتا ابادماك والغابة والصحراء في السودان خلال ستينيات القرن الماضي وقد ظلت هاتان الحركتان متباينتين علي المستوي الفكري اكثر من المستوي الفني فقد شكلت مسألة الهوية وتمثلاتها في الفكر والادب والثقافة نقطة فارقة في تجربتهما ورغم ذلك فقد انخرط القائمون عليهما في نقد أدبي دعائي ظل محصورا ضمن نطاق صفوة الستينيات والسبعينيات ولم يكد اثره يمتد في فترات لاحقة شهدت فيها الثقافة والآدب تشظيا واضحا.
ان النقد القائم وفق تصورات نقد الحركة التي صاغها تروبييه والقائمة علي أساليب الدعاية الادبية عبر الترويج لكل ما هو منسجم مع قيم الجماعة الادبية ومحاولة نفي الاشكال المغايرة لا يكاد يتطابق بالضرورة مع مفهوم المعارك الأدبية بالمعني الواسع َوالشامل، فالمعارك الادبية لا تنشب فقط من اجل الزود عن مذهب ادبي معين او التنويه بجماعة محددة من الكتاب، بل إنها تعبر في نهاية الامر عن تباينات وتقاطعات كبيرة في مسيرة الحياة الادبية وعلي هذا الاساس فان نقد الحركة الذي عناه تروبييه إنما يندرج تحت اطار حركة النقد بشكل عام وتندرج مشاكساته ضمن نظاق المعارك الادبية بمفهومها الواسع..
ان المازق الاساسي بالنسبة لنقد الحركة حسب توصيف (تروبييه) هو انه قد يجعل الكاتب او الفنان اسيرا لتجربة (شلة) محدودة تتناول الفن وفق مفاهيم خاصة، هذا فضلا عن انه يكرس لتجارب قد تبدو متعالية في الفكر والثقافة والادب....