تغريبة.. إبراهيم سعد عامر (2 - 2)
بعد لحظات فُتح الباب..وسألنى مَنْ بالداخل:" انت مين"؟ سكت ولم أرد وعندما لم يكرر سؤاله عدت إلى الشارع حتى أتماسك بعض الشيء لما هو قادم.
جلست على مقهى قريب من البيت أشرب فنجان شاي قبل العودة.
فى المقهى تتنقل العيون الزائغة، المتوترة بين المحطات الإخبارية لمتابعة ضرب الجنوب اللبنانى بالطيران الإسرائيلى ( وكأن التاريخ يكرر نفسه) بعد دقائق قام رجل طاعن فى السن وقال:" غيَّرْ يا سيدى المحطة وهات لنا قناة ماسبيرو زمان" ( قالها بملل وسأم واضح من نبرات صوته) فيما تعالت أصوات من الشباب رافضة طلبه.. واستجاب القهوجى لهم. ابتسمت وبدأت استرجع تغريبة إبراهيم سعد عامر من الإسكندرية حتى بيروت.
هذه التغريبة - أو الترحال- المباغت الذى سبقه تحذير عجيب ـ للصحافيين العاملين فى لبنان ـ قبل استشهاده ب40 يوماً فى افتتاحية مجلة الحوادث اللبنانية والتى جاء فيها:
" لم يعد الصحافيون الأجانب يقبلون بتغطية أخبار المعارك فى لبنان إلا بصعوبة..والصحافيون الأجانب يقولون ـ كما نشرت الهيرالد تربيون أخيراً ـ إن قلة الإصابات بين المتقاتلين فى لبنان تدل على أن الحرب فى الهواء، وأن اللهو الصبيانى فى القتال يدل على تلذذ سادي بالخراب.. والظلام هو أحسن وقت للقتال والسرقة والنهب. فالحرب فى لبنان هى حرب يصعب الاتفاق على اعطائها تسمية محددة.إنها حرب بلا ملامح"!
أما والأمر كذلك فلماذا إذن سافر إبراهيم عامر إلى حرب بلا ملامح؟.. لماذا سافر إلى حرب فيها الظلام هو الوقت المناسب للقتل والسرقة والنهب؟!
لماذا سافر إلى حرب فى الهواء أصلاً؟ الأسئلة كثيرة والإجابات متواترة لكن المؤكد ـ كما قالت الكاتبة الصحفية الكبيرة أمينة شفيق:" إن إبراهيم عامر كان رجلاً صاحب موقف، وعاش بموقف، ومات ثابتاً على الموقف"!
وهو نفس الرأى الذى أكد عليه الكاتب الصحفى شريف الشوباشى آخر تلاميذه فى دار الهلال قائلاً:" كنت أجلس معه يومياً فى مكتبه وأراه واقفاً صلباً فى مواقفه، جسوراً فى رأيه، صادقاً فى فكره، مؤمناً بمصر وبالقومية العربية، وعندما ترك أحمد بهاء الدين رئاسة مجلس إدارة الهلال وجاء يوسف السباعى بدأت مرحلة اضطهاد ممنهجة لكل التيار الذى ينتمى له إبراهيم عامر ـ وإبراهيم بالتحديد ـ فقرر مغادرة مصر وسافر إلى الخارج" وبهذا الرأى ـ أظن ـ الآن قد عرفنا لماذا سافر إبراهيم عامر إلى حرب فى الهواء! حرب بلا ملامح!
●●●
تركت المقهى بعد 10 دقائق وعدت للعمارة. صعدت حتى وقفت أمام الباب مرة ثانية وضغطت على الجرس. جاء الصوت مسرعاً: "مين على الباب" قلت: اسمى وإننى أبحث عن منزل وأسرة الكاتب الصحفى الراحل إبراهيم عامر. رد وهو يفتح لى الباب كاملاً( فى المرة الأولى فتحه نصف فتحة):
" أهلاً وسهلاً.. انت اللى خبطت من شوية" قلت:" نعم" هز رأسه وقال:" اتفضل.. أنا ابنه سامى ( عمره الآن 73 سنة)".. دخلت إلى صالة الشقة التى تبدو للوهلة الأولى وكأنها أتيلية.. رسومات جورج البهجورى فى الأركان وأشعار صلاح جاهين معلقة على الجدران. قال الابن:" أنا خريج كلية الفنون الجميلة قسم عمارة" قلت: " واضح لمساتك الفنية والمعمارية فى البيت. بعد دقائق من التعارف بيننا( طلب كارنية النقابة ليتعرف علىّ ويطمئن.. وقد كان) وبعد شرب الشاى قال: "أنا مبسوط إن لسَّه فيه حد فاكر إبراهيم عامر" ثم سكت وأشعل سيجارة قبل أن يقول:" ولد أبى فى الإسكندرية عام 1922 ومات والده وهو مازال طفلاً صغيراً فتزوجت أمه وتركته يعيش لوحده فى بيت كان قريباً من بيتها( حجرة فوق السطوح) فقرر الاعتماد على نفسه وبدأ العمل فى الميناء وهذا ساعده فى إجادة اللغة الانجليزية والفرنسية وأكمل تعليمه حتى أخذ شهادة البكالوريا ( الثانوية العامة) ثم انتقل للعمل فى مصانع النسيج بكفر الدوار وفى هذه المرحلة قرأ كثيراً فى الفكر الاشتراكى واليسارى بعدما اقترب من العمال والفلاحين" ..
وعن الفلاح أصدر كتابه(الأرض والفلاح) الذى قال فيه:" إن الفلاحين ظلوا فى مجموعهم، بعيدون كل البعد عن عتبة الحياة الإنسانية، وظلوا جماهير غير منظمة، غارقين فى مستنقعات الفقر والجهل والأمراض المستوطنة" ومن قبل الفلاح وقضيته العادلة ترجم كتاب عن قناة السويس للكاتب الروسى جلينا نيكتيتا ( قناة السويس ـ ملكية وطنية للشعب المصرى) وأصدر كتابه عن تأميم قناة السويس( تأميم القناة ـ دراسات فى الحركة الوطنية) قال فيه:" إن الشعب المصرى يعرف أن تأميم شركة القناة هو هزيمة أخرى تنزلها الثورة القومية المصرية بالاستعمار" ثم جاء كتابه( ثورة مصر القومية) فى عام 1957 ليكمل للقارئ الصورة الفكرية والمنهجية والوطنية التى عاش ـ ومات ـ من أجلها إبراهيم عامر حيث قال:" إن دراسة تطور ثورة مصر القومية بين سنة 1919 وسنة 1952 توضح لنا خطوطاً رئيسة عامة سادت ذلك التطور ونمّتُ من الثورة وتحولت من كونها مجرد أماني إلى كونها مطالب جماهيرية، كما توضح لنا أن ثورة مصر القومية قد نمّتُ وازدادت عمقاً بصفة مستمرة"
●●●
"بدأ العمل فى الصحافة فى سن مبكرة جداً - هكذا يكمل الابن سامى حديثه وهو يشعل سيجارته بعدما جاء بالشاى والقهوة ـ وعمل فى إصدارات صحفية مختلفة حتى التحق بالعمل عام 1948 بصحيفة المصري ( آل أبو الفتح ) وبدأ العمل فى قسم الشئون السياسية والخارجية براتب قدره 25 جنيه وسافر بعد عام من تعينه إلى الهند للعمل فى القسم العربي بالإذاعة الهندية وهناك التقى بوالدتي حيث كانت تعمل فى السفارة السويسرية واتفقا على الزواج وعادت معه للقاهرة بعدما تنازلت عن جنسيتها السويسرية حيث كانت القوانين السويسرية تُسقط الجنسية عن المرأة السويسرية إذا تزوجت برجل أجنبي.
قلت: وهل تغيرت القوانين بعد ذلك؟ قال:" تغيرت وسُمح لمن فقدت جنسيتها باستردادها مرة أخرى وبالفعل فعلت هذا والدتي والتحقت بالعمل بالسفارة السويسرية بالقاهرة بعدما عاشت مع أبي حياة مستقرة إلى حد ما ثم حصل على عضوية نقابة الصحافيين فى شهر ديسمبر عام 1953 برقم عضوية ( 237) ثم انتقل فى نفس العام إلى صحيفة الجمهورية ـ بطلب شخصى من أنور السادات الذى كان يشرف عليها حينذاك.
واستمر يعمل فى الجمهورية حتى أُعتقل ـ مع تيار اليسار ـ فى الفترة من 1959 وحتى خرج فى 1964".
قلت وماذا فعلت والدتك فى هذا الظرف العصيب؟ يضحك وهو يقول:" أبداً.. طردوها من العمل فى السفارة السويسرية حتى لا يتسبب وجودها فى أزمة مع السلطات المصرية وهنا ظهرت قوتها وصلابتها وهى وحيدة ليس لها أى مصدر رزق ولا أهل يزورونها وفُصلت من عملها ولديها طفلان جمال أخى الأكبر وأنا ، فقررت تحدى كل هذه الظروف واتجهت للعمل حيث كانت تجيد عدة لغات أجنبية بطلاقة واستطاعت أن تحافظ على بيتها وأسرتها طيلة سنوات اعتقال أبي.
قلت:" ألم تفكر فى العودة إلى سويسرا؟ رد بسعادة:" عندما اتصلت بها أسرتها تطلب منها مغادرة مصر رفضت، وقالت مصر بلد أولادي.. ولن يتركوها مهما حدث ويجب أن يتربوا ويتعلموا فيها" وبالفعل عاشت (السيدة كريستيان إميلى مونو) فى القاهرة ولم تغادرها.
●●●
فى عام 1964 بعدما خرج إبراهيم عامر من المعتقل بشهور انتقل أحمد بهاء الدين من مؤسسة روزاليوسف إلى مؤسسة دار الهلال فطلب منه الانتقال معه للعمل فى مجلة المصور ـ كمدير للتحرير ـ ثم أسند له بعد ذلك رئاسة تحرير مجلة إيماج ( مجلة المصور باللغة الفرنسية). وواصل إبراهيم عامر تألقه فى الصحافة المصرية حيث مال فى كتاباته ـ تجربة بعد الاعتقال ـ إلى الكتابة الأدبية والفكرية بعض الشيء حتى أنه يُعد من أوائل من كتبوا فى البنيوية حسبما رصد ذلك الدكتور حسين محمد بافقيه ـ الكاتب والاكاديمى السعودى ـ فى كتابه(فتنة القول بالبنيوية ـ النقد العربى الحداثي.. سيرة مغفول عنها) يقول الدكتور حسين بافقيه:" والحق إن إبراهيم عامر كتب فى البنيوية فوق ما تحتمله البدايات وحازت مقالاته فى مجلة الهلال اللمحة الخاطفة، والإطلالة العجلى".
وجاء عام 1970 ليعلن زواجه - فى يوم الخميس 5 فبراير - من الصحفية جاكلين خورى ـ وكانت وقتها زميلة له تعمل فى الصحافة الخارجية حيث رأست قسم الخارجى بالأهرام وهى من مواليد حيفا عام 1925 وتزوجت فى سن صغيرة من شاب فلسطينى لبناني الأصل اسمه جون يوسف قطان ورزقت منه بطفلة أسمتها منى ثم انفصلت عنه وجاءت بها مع والدها عام 1947 إلى القاهرة ثم حدثت النكبة فظلت الأسرة بالقاهرة.
تقول ابنتها منى قطان ـ الزوجة الثانية للشاعر الكبير صلاح جاهين فى كتابها( أيام مع.. صلاح جاهين):
"هكذا كنت أرى أمي ـ كلما اتيحت لى فرصة أن أقترب منها ـ كانت منهمكة في دراستها بالجامعة الأمريكية وفى قلبها طموح الرجال" وتكمل منى قطان:" كانت أمي مختلفة عن كل النساء وكانت علاقتها بجدتي فى توتر، وبلغت ذروتها عندما استطاعت أمي أن تستقل وتستأجر شقة صغيرة بجوار عملها لتضمنى إلى جدي المسكين إذ كان مقيماً فى فندق متواضع فى شارع سليمان باشا بعد طلاقه من جدتي وكانت مصر ـ بعد ثورة يوليو - تمر بمرحلة انتقالية وتموج بتيارات سياسية مختلفة تتصارع مع بعضها البعض. وكنت أسمع أسماء غريبة (تروتسكى ـ ماركس ـ لينين)" ومن هذه الأرضية الإنسانية والفكرية والسياسية تزوج إبراهيم عامر من جاكلين خوري.
قلت للابن:" ألم تحزن والدتك من زواجه " رد وهو يضحك:" كانت تقول بالمصرى ( يا ما دقت ع الراس طبول) قال ذلك ثم سألنى:" شكلك عايز تشرب شاى تانى":" قلت: ياريت!
●●●
وبعدما ترك أحمد بهاء الدين رئاسة مجلس إدارة دار الهلال وجاء الأديب يوسف السباعى مكانه تغيرت المعادلة ـ بتغير السياسات والاتجاهات ـ وبدأ إبراهيم عامر يشعر أنه لن يستطيع استكمال مشروعه الفكري والصحفي وسط هذا الحصار خاصة وهو لديه عرض سابق من كبري الصحف اليوغسلافية ( بولتيكا) ليعمل مراسلاَ متجولاً لها فى منطقة الشرق الأوسط على أن يكون مقر إقامته الدائم فى بيروت واختار السفر ورفض البقاء فى القاهرة وبالفعل سافر إلى أوروبا فى جولة استمرت عدة شهور ثم عاد إلى بيروت عام 1974 لكنه ـ وهذا من أصالته ووطنيته ـ رغم اختلافه مع سياسات الرئيس السادات وقتها إلا أنه لم يكتب كلمة واحدة ضد بلده. وانهمك فى العمل الصحفي حيث شارك فى تأسيس عدة صحف لبنانية شهيرة منها صحيفة( السفير) التى عُين فيها مديراً للتحرير فى أول يناير 1975 ثم انتقل مديراً لتحرير مجلة" بيروت المساء" ثم عُين ـ قبل استشهاده بثلاثة أيام ـ نائباً لرئيس تحرير صحيفة بيروت.
الآن..جاء الابن بالشاى وأنا أقف أتأمل اللوحات والأشعار المعلقة على الحائط ثم وقعت عينى على كارنيه ـ من ضمن المتعلقات الشخصية التى مازال يحتفظ بها الابن ـ لصحيفة السفير اللبنانية فقال:" يُعد أبي من المؤسسين لصحيفة السفير وكان مديراً لتحريرها ويعتبره البعض من أفضل مديري تحرير الصحف ليس فى لبنان ومصر فقط بل فى العالم العربي كله" قلت له وماذا عنه كأب؟ رد:" كان صديقاً لى أنا وشقيقى جمال قبل أن يكون أبا بالمفهوم التقليدى وحرص كل الحرص ـ مع أمى بالطبع ـ على تعليمنا فى مدارس خاصة حتى نجيد اللغات الأجنبية وكثيراً ما كنت أزوره فى مكتبه بدار الهلال والتقى معه فى منزل صلاح جاهين خاصة بعدما تزوج حماته مدام جاكلين أم منى قطان"( قالها وهو يبتسم ) قلت له:" قسيمة زواجه من جاكلين خوري شاهد عليها صلاح جاهين. قال:" كان صلاح جاهين يحب أبي جداً وأبي يبادله نفس المحبة، والحقيقة هذا الجيل - أو أغلبه - كان يتسم بروح المحبة والاحترام والتقدير لبعضهم البعض".
●●●
فى القاهرة واصلت جاكلين خوري عملها فى الأهرام وإن كانت - حسبما تقول منى قطان -:" تعرضت لضغوط كثيرة وتناقضات لم تقو على مواجهاتها" فيما كان إبراهيم فى بيروت يشارك بالقلم فى الحرب اللبنانية الأهلية بعدما وضع نفسه فى خندق العروبة مساهماً بجهده، وقلمه فى خدمة القضية الفلسطينية على أرض بيروت مهما كان الثمن..
وكان الثمن عمره الذى انقضى بصاروخ أطلق على مقر صحيفتى بيروت التى كان مديراً لتحريرها وصحيفة المحرر وكان الصحفي الفلسطينى نايف شبلاق مديراَ لتحريرها أثناء عملهما ـ مع الزملاء فى المطبعة لمتابعة البروفات النهائية ـ ليسقط الزملاء ما بين شهيدٍ وجريحٍ.
وتم نقل إبراهيم عامر إلى المستشفى الأمريكى ببيروت فى محاولة لإنقاذه.
قلت للأبن كيف تلقيتم الخبر؟ رد:" كنت فى الجيش أؤدي الخدمة العسكرية عندما علمنا بالنبأ وسافرت والدتي على الفور وظلت بجواره حتى لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 19 فبراير من نفس الشهر وأعلن نبأ وفاته.
فى القاهرة تلقت السيدة جاكلين خورى الخبر الصادم مما زاد لديها الألم. تقول منى قطان:" توالت نوبات الاكتئاب وفقدت أمى صلتها بالعالم وجلست تكتب أشعاراً وراء قضبان المستشفيات"
وصل الجثمان يوم 23 فبراير إلى مطار القاهرة ملفوفاَ بالعلم الفلسطيني وشيعت الجنازة فى الساعة الرابعة من عصر نفس اليوم من مسجد الخلفاء الراشدين شرق القاهرة بمصر الجديدة وأقيم العزاء بمسجد عمر مكرم بميدان التحرير. وفى بغداد قررت الحكومة العراقية منح معاشِ شهريّ لأسرة إبراهيم عامر قدره مائة دينار شهرياً( انقطع عام 1991)!
ومن بغداد إلى بيروت خرجت الأقلام من كل الاتجاهات تنعيه للأمة العربية حيث بكاه الكاتب والصحفي اللبنانى الشهير طلال سلمان بكلمات دامية. وفى القاهرة كتب شيخ الصحفيين المصريين حافظ محمود:" كان إبراهيم عامر لا يعمل ولا يقول إلا ما هو مقتنع به" وكتب فكرى أباظة:" طوى القدر علما من أعلام الصحافة المصرية والعربية" وكتب سامى داود:" يا إبراهيم فقدناك.. ولكننا نذكرك وعندما نودعك فلن يكون وداعاً" وكتب محمد العزبى: "مات إبراهيم عامر حزيناً غريباً وفى قلبه جرح لم يندمل".
وكذلك الجرح الذى تركه إبراهيم عامر بموته فى قلب جاكلين خورى لم يندمل؛ إلا بعد مرور عدة سنوات تنقلت فيها ما بين بيتها وجدران المستشفيات النفسية تكتب أشعاراً فى محاولة للاحتماء بالعقل:
(بدور فى الرماد عن نارى القديمة بدور فى الدمعة عن نفسي الحزينة)
ولكن عندما لم يحتمل عقلها النار، ولا الدمع، ولا الحزن، أخذت المفتاح الوحيد الذى كان يحتفظ به الطبيب النوبتجى بالمستشفى وفي هذيان المرض ألقت بنفسها من فوق سطح المستشفى".. ماتت جاكلين!
عندما زرت المستشفى التي دخلتها فوق جبل المقطم ـ القريبة من شارع 9 ـ وقفت أتخيل تلك اللحظة التى لم يحتمل فيها عقلها صدمات الزمن وقسوته مما جعلها تقرر الانتحار! بعدما تأكدت أن الجرح لن يندمل!
بعد دقائق - وأنا أقف أتذكر رحلتها مع الحياة - جاء عامل البلدية وسألنى:" بتدور على حاجه يا بيه" رديت: لا..! ثم تركته وغادرت المقطم.
●●●
إذن استشهد إبراهيم عامر فى لبنان.. وماتت جاكلين فى القاهرة. فيما كافحت زوجته الأولى السويسرية كريستيان حتى وصلت إلى بر الأمان. وعندما وصلت..ماتت فى عام 2006 .
سألنى الابن:" انت رحت شفت المستشفى فى المقطم فعلاَ "؟ قلت:" نعم .. ذهبت بعدما قرأت رواية (الخرز الملون) لمحمد سلماوى التى يحكى فيها سيرتها ومسيرة القضية الفلسطينية منذ عام النكبة.. فهز رأسه ولم يعلق!
وفى النهاية... تركت الابن سامى إبراهيم عامر مع ذكرياته، وألوانه، وبجواره - على الحائط - صورة عائلية للأسرة وأمامه الأعمال الكاملة لصلاح جاهين فيما ودعته وترجلت فى شوارع ومنحنيات حتى وصلت إلى نيل العجوزة الذى مشيت بجواره وصوت صلاح جاهين - أو هكذا أتخيل - وكأنه يسابق موج النيل الشتوى الهادئ ويهتف خلفي بصوته الحزين:
"يا مطبعة
يا معبد الديمقراطية العظيم
على مذبحك
قتلوا إبراهيم
آه يا صديق
يللى ما عدناش تانى
نسمع له صوت
إحنا كده،
ما نموتش غير اللى احنا
بنحبه موت"
خيري حسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•• الشكر واجب للصديق الكاتب الصحفى الأستاذ علاء الغطريفى رئيس التحرير وأسرة تحرير صحيفة المصرى اليوم.
•• الشكر موصول للصديق الكاتب والناقد الكبير الأستاذ شعبان يوسف حيث أمد الرحلة بكل ما لديه من معلومات ومصادر.
•• الشكر واجب للصديق الكاتب الصحفى الأستاذ جمال عبد الرحيم سكرتير عام نقابة الصحفيين الذى سهل لى رحلة البحث بما لدى النقابة من مصادر.
---------
المصادر:
مجلة الحوادث اللبنانية / صحيفة السفير اللبنانية / صحيفة المحرر اللبنانية / مجلة روزاليوسف / مجلة المصور / الأهرام / الجمهورية .
الكتب:
• الأرض والفلاح ـ إبراهيم عامر ـ دار النديم
• قناة السويس ـ جالينا نيكيتينا ـ ترجمة إبراهيم عامر.
الدار المصرية للكتب ـ الطبع ـ مؤسسة نشر الكتب الشعبية السوفيتية ـ موسكو ـ 1957
- تأميم القناة ـ ابراهيم عامر دار النديم 1956
• ثورة مصر القومية ـ دار النديم ـ 1957
• الخرز الملون ـ رواية ـ محمد سلماوى ـ طبعة ديوان الأولى ـ 2023
• فتنة القول بالبنيوية ـ حسين محمد بافقيه
• أيام مع صلاح جاهين - التداخل ونزيف الزمن - منى قطان - مكتبة مدبولى - 1987
بعد لحظات فُتح الباب..وسألنى مَنْ بالداخل:" انت مين"؟ سكت ولم أرد وعندما لم يكرر سؤاله عدت إلى الشارع حتى أتماسك بعض الشيء لما هو قادم.
جلست على مقهى قريب من البيت أشرب فنجان شاي قبل العودة.
فى المقهى تتنقل العيون الزائغة، المتوترة بين المحطات الإخبارية لمتابعة ضرب الجنوب اللبنانى بالطيران الإسرائيلى ( وكأن التاريخ يكرر نفسه) بعد دقائق قام رجل طاعن فى السن وقال:" غيَّرْ يا سيدى المحطة وهات لنا قناة ماسبيرو زمان" ( قالها بملل وسأم واضح من نبرات صوته) فيما تعالت أصوات من الشباب رافضة طلبه.. واستجاب القهوجى لهم. ابتسمت وبدأت استرجع تغريبة إبراهيم سعد عامر من الإسكندرية حتى بيروت.
هذه التغريبة - أو الترحال- المباغت الذى سبقه تحذير عجيب ـ للصحافيين العاملين فى لبنان ـ قبل استشهاده ب40 يوماً فى افتتاحية مجلة الحوادث اللبنانية والتى جاء فيها:
" لم يعد الصحافيون الأجانب يقبلون بتغطية أخبار المعارك فى لبنان إلا بصعوبة..والصحافيون الأجانب يقولون ـ كما نشرت الهيرالد تربيون أخيراً ـ إن قلة الإصابات بين المتقاتلين فى لبنان تدل على أن الحرب فى الهواء، وأن اللهو الصبيانى فى القتال يدل على تلذذ سادي بالخراب.. والظلام هو أحسن وقت للقتال والسرقة والنهب. فالحرب فى لبنان هى حرب يصعب الاتفاق على اعطائها تسمية محددة.إنها حرب بلا ملامح"!
أما والأمر كذلك فلماذا إذن سافر إبراهيم عامر إلى حرب بلا ملامح؟.. لماذا سافر إلى حرب فيها الظلام هو الوقت المناسب للقتل والسرقة والنهب؟!
لماذا سافر إلى حرب فى الهواء أصلاً؟ الأسئلة كثيرة والإجابات متواترة لكن المؤكد ـ كما قالت الكاتبة الصحفية الكبيرة أمينة شفيق:" إن إبراهيم عامر كان رجلاً صاحب موقف، وعاش بموقف، ومات ثابتاً على الموقف"!
وهو نفس الرأى الذى أكد عليه الكاتب الصحفى شريف الشوباشى آخر تلاميذه فى دار الهلال قائلاً:" كنت أجلس معه يومياً فى مكتبه وأراه واقفاً صلباً فى مواقفه، جسوراً فى رأيه، صادقاً فى فكره، مؤمناً بمصر وبالقومية العربية، وعندما ترك أحمد بهاء الدين رئاسة مجلس إدارة الهلال وجاء يوسف السباعى بدأت مرحلة اضطهاد ممنهجة لكل التيار الذى ينتمى له إبراهيم عامر ـ وإبراهيم بالتحديد ـ فقرر مغادرة مصر وسافر إلى الخارج" وبهذا الرأى ـ أظن ـ الآن قد عرفنا لماذا سافر إبراهيم عامر إلى حرب فى الهواء! حرب بلا ملامح!
●●●
تركت المقهى بعد 10 دقائق وعدت للعمارة. صعدت حتى وقفت أمام الباب مرة ثانية وضغطت على الجرس. جاء الصوت مسرعاً: "مين على الباب" قلت: اسمى وإننى أبحث عن منزل وأسرة الكاتب الصحفى الراحل إبراهيم عامر. رد وهو يفتح لى الباب كاملاً( فى المرة الأولى فتحه نصف فتحة):
" أهلاً وسهلاً.. انت اللى خبطت من شوية" قلت:" نعم" هز رأسه وقال:" اتفضل.. أنا ابنه سامى ( عمره الآن 73 سنة)".. دخلت إلى صالة الشقة التى تبدو للوهلة الأولى وكأنها أتيلية.. رسومات جورج البهجورى فى الأركان وأشعار صلاح جاهين معلقة على الجدران. قال الابن:" أنا خريج كلية الفنون الجميلة قسم عمارة" قلت: " واضح لمساتك الفنية والمعمارية فى البيت. بعد دقائق من التعارف بيننا( طلب كارنية النقابة ليتعرف علىّ ويطمئن.. وقد كان) وبعد شرب الشاى قال: "أنا مبسوط إن لسَّه فيه حد فاكر إبراهيم عامر" ثم سكت وأشعل سيجارة قبل أن يقول:" ولد أبى فى الإسكندرية عام 1922 ومات والده وهو مازال طفلاً صغيراً فتزوجت أمه وتركته يعيش لوحده فى بيت كان قريباً من بيتها( حجرة فوق السطوح) فقرر الاعتماد على نفسه وبدأ العمل فى الميناء وهذا ساعده فى إجادة اللغة الانجليزية والفرنسية وأكمل تعليمه حتى أخذ شهادة البكالوريا ( الثانوية العامة) ثم انتقل للعمل فى مصانع النسيج بكفر الدوار وفى هذه المرحلة قرأ كثيراً فى الفكر الاشتراكى واليسارى بعدما اقترب من العمال والفلاحين" ..
وعن الفلاح أصدر كتابه(الأرض والفلاح) الذى قال فيه:" إن الفلاحين ظلوا فى مجموعهم، بعيدون كل البعد عن عتبة الحياة الإنسانية، وظلوا جماهير غير منظمة، غارقين فى مستنقعات الفقر والجهل والأمراض المستوطنة" ومن قبل الفلاح وقضيته العادلة ترجم كتاب عن قناة السويس للكاتب الروسى جلينا نيكتيتا ( قناة السويس ـ ملكية وطنية للشعب المصرى) وأصدر كتابه عن تأميم قناة السويس( تأميم القناة ـ دراسات فى الحركة الوطنية) قال فيه:" إن الشعب المصرى يعرف أن تأميم شركة القناة هو هزيمة أخرى تنزلها الثورة القومية المصرية بالاستعمار" ثم جاء كتابه( ثورة مصر القومية) فى عام 1957 ليكمل للقارئ الصورة الفكرية والمنهجية والوطنية التى عاش ـ ومات ـ من أجلها إبراهيم عامر حيث قال:" إن دراسة تطور ثورة مصر القومية بين سنة 1919 وسنة 1952 توضح لنا خطوطاً رئيسة عامة سادت ذلك التطور ونمّتُ من الثورة وتحولت من كونها مجرد أماني إلى كونها مطالب جماهيرية، كما توضح لنا أن ثورة مصر القومية قد نمّتُ وازدادت عمقاً بصفة مستمرة"
●●●
"بدأ العمل فى الصحافة فى سن مبكرة جداً - هكذا يكمل الابن سامى حديثه وهو يشعل سيجارته بعدما جاء بالشاى والقهوة ـ وعمل فى إصدارات صحفية مختلفة حتى التحق بالعمل عام 1948 بصحيفة المصري ( آل أبو الفتح ) وبدأ العمل فى قسم الشئون السياسية والخارجية براتب قدره 25 جنيه وسافر بعد عام من تعينه إلى الهند للعمل فى القسم العربي بالإذاعة الهندية وهناك التقى بوالدتي حيث كانت تعمل فى السفارة السويسرية واتفقا على الزواج وعادت معه للقاهرة بعدما تنازلت عن جنسيتها السويسرية حيث كانت القوانين السويسرية تُسقط الجنسية عن المرأة السويسرية إذا تزوجت برجل أجنبي.
قلت: وهل تغيرت القوانين بعد ذلك؟ قال:" تغيرت وسُمح لمن فقدت جنسيتها باستردادها مرة أخرى وبالفعل فعلت هذا والدتي والتحقت بالعمل بالسفارة السويسرية بالقاهرة بعدما عاشت مع أبي حياة مستقرة إلى حد ما ثم حصل على عضوية نقابة الصحافيين فى شهر ديسمبر عام 1953 برقم عضوية ( 237) ثم انتقل فى نفس العام إلى صحيفة الجمهورية ـ بطلب شخصى من أنور السادات الذى كان يشرف عليها حينذاك.
واستمر يعمل فى الجمهورية حتى أُعتقل ـ مع تيار اليسار ـ فى الفترة من 1959 وحتى خرج فى 1964".
قلت وماذا فعلت والدتك فى هذا الظرف العصيب؟ يضحك وهو يقول:" أبداً.. طردوها من العمل فى السفارة السويسرية حتى لا يتسبب وجودها فى أزمة مع السلطات المصرية وهنا ظهرت قوتها وصلابتها وهى وحيدة ليس لها أى مصدر رزق ولا أهل يزورونها وفُصلت من عملها ولديها طفلان جمال أخى الأكبر وأنا ، فقررت تحدى كل هذه الظروف واتجهت للعمل حيث كانت تجيد عدة لغات أجنبية بطلاقة واستطاعت أن تحافظ على بيتها وأسرتها طيلة سنوات اعتقال أبي.
قلت:" ألم تفكر فى العودة إلى سويسرا؟ رد بسعادة:" عندما اتصلت بها أسرتها تطلب منها مغادرة مصر رفضت، وقالت مصر بلد أولادي.. ولن يتركوها مهما حدث ويجب أن يتربوا ويتعلموا فيها" وبالفعل عاشت (السيدة كريستيان إميلى مونو) فى القاهرة ولم تغادرها.
●●●
فى عام 1964 بعدما خرج إبراهيم عامر من المعتقل بشهور انتقل أحمد بهاء الدين من مؤسسة روزاليوسف إلى مؤسسة دار الهلال فطلب منه الانتقال معه للعمل فى مجلة المصور ـ كمدير للتحرير ـ ثم أسند له بعد ذلك رئاسة تحرير مجلة إيماج ( مجلة المصور باللغة الفرنسية). وواصل إبراهيم عامر تألقه فى الصحافة المصرية حيث مال فى كتاباته ـ تجربة بعد الاعتقال ـ إلى الكتابة الأدبية والفكرية بعض الشيء حتى أنه يُعد من أوائل من كتبوا فى البنيوية حسبما رصد ذلك الدكتور حسين محمد بافقيه ـ الكاتب والاكاديمى السعودى ـ فى كتابه(فتنة القول بالبنيوية ـ النقد العربى الحداثي.. سيرة مغفول عنها) يقول الدكتور حسين بافقيه:" والحق إن إبراهيم عامر كتب فى البنيوية فوق ما تحتمله البدايات وحازت مقالاته فى مجلة الهلال اللمحة الخاطفة، والإطلالة العجلى".
وجاء عام 1970 ليعلن زواجه - فى يوم الخميس 5 فبراير - من الصحفية جاكلين خورى ـ وكانت وقتها زميلة له تعمل فى الصحافة الخارجية حيث رأست قسم الخارجى بالأهرام وهى من مواليد حيفا عام 1925 وتزوجت فى سن صغيرة من شاب فلسطينى لبناني الأصل اسمه جون يوسف قطان ورزقت منه بطفلة أسمتها منى ثم انفصلت عنه وجاءت بها مع والدها عام 1947 إلى القاهرة ثم حدثت النكبة فظلت الأسرة بالقاهرة.
تقول ابنتها منى قطان ـ الزوجة الثانية للشاعر الكبير صلاح جاهين فى كتابها( أيام مع.. صلاح جاهين):
"هكذا كنت أرى أمي ـ كلما اتيحت لى فرصة أن أقترب منها ـ كانت منهمكة في دراستها بالجامعة الأمريكية وفى قلبها طموح الرجال" وتكمل منى قطان:" كانت أمي مختلفة عن كل النساء وكانت علاقتها بجدتي فى توتر، وبلغت ذروتها عندما استطاعت أمي أن تستقل وتستأجر شقة صغيرة بجوار عملها لتضمنى إلى جدي المسكين إذ كان مقيماً فى فندق متواضع فى شارع سليمان باشا بعد طلاقه من جدتي وكانت مصر ـ بعد ثورة يوليو - تمر بمرحلة انتقالية وتموج بتيارات سياسية مختلفة تتصارع مع بعضها البعض. وكنت أسمع أسماء غريبة (تروتسكى ـ ماركس ـ لينين)" ومن هذه الأرضية الإنسانية والفكرية والسياسية تزوج إبراهيم عامر من جاكلين خوري.
قلت للابن:" ألم تحزن والدتك من زواجه " رد وهو يضحك:" كانت تقول بالمصرى ( يا ما دقت ع الراس طبول) قال ذلك ثم سألنى:" شكلك عايز تشرب شاى تانى":" قلت: ياريت!
●●●
وبعدما ترك أحمد بهاء الدين رئاسة مجلس إدارة دار الهلال وجاء الأديب يوسف السباعى مكانه تغيرت المعادلة ـ بتغير السياسات والاتجاهات ـ وبدأ إبراهيم عامر يشعر أنه لن يستطيع استكمال مشروعه الفكري والصحفي وسط هذا الحصار خاصة وهو لديه عرض سابق من كبري الصحف اليوغسلافية ( بولتيكا) ليعمل مراسلاَ متجولاً لها فى منطقة الشرق الأوسط على أن يكون مقر إقامته الدائم فى بيروت واختار السفر ورفض البقاء فى القاهرة وبالفعل سافر إلى أوروبا فى جولة استمرت عدة شهور ثم عاد إلى بيروت عام 1974 لكنه ـ وهذا من أصالته ووطنيته ـ رغم اختلافه مع سياسات الرئيس السادات وقتها إلا أنه لم يكتب كلمة واحدة ضد بلده. وانهمك فى العمل الصحفي حيث شارك فى تأسيس عدة صحف لبنانية شهيرة منها صحيفة( السفير) التى عُين فيها مديراً للتحرير فى أول يناير 1975 ثم انتقل مديراً لتحرير مجلة" بيروت المساء" ثم عُين ـ قبل استشهاده بثلاثة أيام ـ نائباً لرئيس تحرير صحيفة بيروت.
الآن..جاء الابن بالشاى وأنا أقف أتأمل اللوحات والأشعار المعلقة على الحائط ثم وقعت عينى على كارنيه ـ من ضمن المتعلقات الشخصية التى مازال يحتفظ بها الابن ـ لصحيفة السفير اللبنانية فقال:" يُعد أبي من المؤسسين لصحيفة السفير وكان مديراً لتحريرها ويعتبره البعض من أفضل مديري تحرير الصحف ليس فى لبنان ومصر فقط بل فى العالم العربي كله" قلت له وماذا عنه كأب؟ رد:" كان صديقاً لى أنا وشقيقى جمال قبل أن يكون أبا بالمفهوم التقليدى وحرص كل الحرص ـ مع أمى بالطبع ـ على تعليمنا فى مدارس خاصة حتى نجيد اللغات الأجنبية وكثيراً ما كنت أزوره فى مكتبه بدار الهلال والتقى معه فى منزل صلاح جاهين خاصة بعدما تزوج حماته مدام جاكلين أم منى قطان"( قالها وهو يبتسم ) قلت له:" قسيمة زواجه من جاكلين خوري شاهد عليها صلاح جاهين. قال:" كان صلاح جاهين يحب أبي جداً وأبي يبادله نفس المحبة، والحقيقة هذا الجيل - أو أغلبه - كان يتسم بروح المحبة والاحترام والتقدير لبعضهم البعض".
●●●
فى القاهرة واصلت جاكلين خوري عملها فى الأهرام وإن كانت - حسبما تقول منى قطان -:" تعرضت لضغوط كثيرة وتناقضات لم تقو على مواجهاتها" فيما كان إبراهيم فى بيروت يشارك بالقلم فى الحرب اللبنانية الأهلية بعدما وضع نفسه فى خندق العروبة مساهماً بجهده، وقلمه فى خدمة القضية الفلسطينية على أرض بيروت مهما كان الثمن..
وكان الثمن عمره الذى انقضى بصاروخ أطلق على مقر صحيفتى بيروت التى كان مديراً لتحريرها وصحيفة المحرر وكان الصحفي الفلسطينى نايف شبلاق مديراَ لتحريرها أثناء عملهما ـ مع الزملاء فى المطبعة لمتابعة البروفات النهائية ـ ليسقط الزملاء ما بين شهيدٍ وجريحٍ.
وتم نقل إبراهيم عامر إلى المستشفى الأمريكى ببيروت فى محاولة لإنقاذه.
قلت للأبن كيف تلقيتم الخبر؟ رد:" كنت فى الجيش أؤدي الخدمة العسكرية عندما علمنا بالنبأ وسافرت والدتي على الفور وظلت بجواره حتى لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 19 فبراير من نفس الشهر وأعلن نبأ وفاته.
فى القاهرة تلقت السيدة جاكلين خورى الخبر الصادم مما زاد لديها الألم. تقول منى قطان:" توالت نوبات الاكتئاب وفقدت أمى صلتها بالعالم وجلست تكتب أشعاراً وراء قضبان المستشفيات"
وصل الجثمان يوم 23 فبراير إلى مطار القاهرة ملفوفاَ بالعلم الفلسطيني وشيعت الجنازة فى الساعة الرابعة من عصر نفس اليوم من مسجد الخلفاء الراشدين شرق القاهرة بمصر الجديدة وأقيم العزاء بمسجد عمر مكرم بميدان التحرير. وفى بغداد قررت الحكومة العراقية منح معاشِ شهريّ لأسرة إبراهيم عامر قدره مائة دينار شهرياً( انقطع عام 1991)!
ومن بغداد إلى بيروت خرجت الأقلام من كل الاتجاهات تنعيه للأمة العربية حيث بكاه الكاتب والصحفي اللبنانى الشهير طلال سلمان بكلمات دامية. وفى القاهرة كتب شيخ الصحفيين المصريين حافظ محمود:" كان إبراهيم عامر لا يعمل ولا يقول إلا ما هو مقتنع به" وكتب فكرى أباظة:" طوى القدر علما من أعلام الصحافة المصرية والعربية" وكتب سامى داود:" يا إبراهيم فقدناك.. ولكننا نذكرك وعندما نودعك فلن يكون وداعاً" وكتب محمد العزبى: "مات إبراهيم عامر حزيناً غريباً وفى قلبه جرح لم يندمل".
وكذلك الجرح الذى تركه إبراهيم عامر بموته فى قلب جاكلين خورى لم يندمل؛ إلا بعد مرور عدة سنوات تنقلت فيها ما بين بيتها وجدران المستشفيات النفسية تكتب أشعاراً فى محاولة للاحتماء بالعقل:
(بدور فى الرماد عن نارى القديمة بدور فى الدمعة عن نفسي الحزينة)
ولكن عندما لم يحتمل عقلها النار، ولا الدمع، ولا الحزن، أخذت المفتاح الوحيد الذى كان يحتفظ به الطبيب النوبتجى بالمستشفى وفي هذيان المرض ألقت بنفسها من فوق سطح المستشفى".. ماتت جاكلين!
عندما زرت المستشفى التي دخلتها فوق جبل المقطم ـ القريبة من شارع 9 ـ وقفت أتخيل تلك اللحظة التى لم يحتمل فيها عقلها صدمات الزمن وقسوته مما جعلها تقرر الانتحار! بعدما تأكدت أن الجرح لن يندمل!
بعد دقائق - وأنا أقف أتذكر رحلتها مع الحياة - جاء عامل البلدية وسألنى:" بتدور على حاجه يا بيه" رديت: لا..! ثم تركته وغادرت المقطم.
●●●
إذن استشهد إبراهيم عامر فى لبنان.. وماتت جاكلين فى القاهرة. فيما كافحت زوجته الأولى السويسرية كريستيان حتى وصلت إلى بر الأمان. وعندما وصلت..ماتت فى عام 2006 .
سألنى الابن:" انت رحت شفت المستشفى فى المقطم فعلاَ "؟ قلت:" نعم .. ذهبت بعدما قرأت رواية (الخرز الملون) لمحمد سلماوى التى يحكى فيها سيرتها ومسيرة القضية الفلسطينية منذ عام النكبة.. فهز رأسه ولم يعلق!
وفى النهاية... تركت الابن سامى إبراهيم عامر مع ذكرياته، وألوانه، وبجواره - على الحائط - صورة عائلية للأسرة وأمامه الأعمال الكاملة لصلاح جاهين فيما ودعته وترجلت فى شوارع ومنحنيات حتى وصلت إلى نيل العجوزة الذى مشيت بجواره وصوت صلاح جاهين - أو هكذا أتخيل - وكأنه يسابق موج النيل الشتوى الهادئ ويهتف خلفي بصوته الحزين:
"يا مطبعة
يا معبد الديمقراطية العظيم
على مذبحك
قتلوا إبراهيم
آه يا صديق
يللى ما عدناش تانى
نسمع له صوت
إحنا كده،
ما نموتش غير اللى احنا
بنحبه موت"
خيري حسن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•• الشكر واجب للصديق الكاتب الصحفى الأستاذ علاء الغطريفى رئيس التحرير وأسرة تحرير صحيفة المصرى اليوم.
•• الشكر موصول للصديق الكاتب والناقد الكبير الأستاذ شعبان يوسف حيث أمد الرحلة بكل ما لديه من معلومات ومصادر.
•• الشكر واجب للصديق الكاتب الصحفى الأستاذ جمال عبد الرحيم سكرتير عام نقابة الصحفيين الذى سهل لى رحلة البحث بما لدى النقابة من مصادر.
---------
المصادر:
مجلة الحوادث اللبنانية / صحيفة السفير اللبنانية / صحيفة المحرر اللبنانية / مجلة روزاليوسف / مجلة المصور / الأهرام / الجمهورية .
الكتب:
• الأرض والفلاح ـ إبراهيم عامر ـ دار النديم
• قناة السويس ـ جالينا نيكيتينا ـ ترجمة إبراهيم عامر.
الدار المصرية للكتب ـ الطبع ـ مؤسسة نشر الكتب الشعبية السوفيتية ـ موسكو ـ 1957
- تأميم القناة ـ ابراهيم عامر دار النديم 1956
• ثورة مصر القومية ـ دار النديم ـ 1957
• الخرز الملون ـ رواية ـ محمد سلماوى ـ طبعة ديوان الأولى ـ 2023
• فتنة القول بالبنيوية ـ حسين محمد بافقيه
• أيام مع صلاح جاهين - التداخل ونزيف الزمن - منى قطان - مكتبة مدبولى - 1987