أرمق السَّماء المُلبَّدة بالغيوم؛ أرى الشَّمس تعضُّ على شفتيها بخجلٍ، وأرى الأشعَّة تنفذ واهنةً مشتَّتةً من بين السُّحب الدَّاكنة. يُخَيَّل إليَّ أنَّ الشَّمس الحمراء، الَّتي آذنت بالغروب تتحاشى النَّظر إليَّ كما لو كانت مذنبةً في حقّي، تخجل من ذنبها؛ إذ ذكَّرني مشهد غروبها بأجواء ما قبل مدفع الإفطار في مدينتي الصَّغيرة الواقعة غرب دلتا النّيل. يا لبعد المسافات، وأشقَّها على روحٍ شفَّها الحنين إلى أحبةٍ يحيون على بعد آلاف الكيلو مترات!
(٢)
أسرع الخُطَى؛ لعلَّي أنجح في اللّحاق بالقطار، الذي سيقلُّني بالقرب من مسكني، حيثُ توجد شقتي المُستأجَرة داخل بنايةٍ صغيرةٍ، مكوَّنة من طابقين، أسكن بالطَّابق العلويّ، في حين يسكن رجلٌ مسنٌّ بصحبة زوجته في الطَّابق الأرضيّ، لم ينجبا أيًّا من الأولاد أو البنات، ولا يحبَّان الغرباء، عادةً ما يعبسان في وجهي، كلَّما تلاقت وجوهنا، عبوسٌ يعمّق غربتي. حاولت التودُّد إليهما، لكنَّ الرَّجل طلب مني صراحةً أن أحتفظ بمسافةٍ كافيةٍ بيننا، وألَّا أنسى نفسي؛ فأنا مُلوَّن ذو بشرةٍ سمراء، فضلًا عن كوني عربيًّا. نزلت كلماته علىَّ كالرّصاص المغليّ، حاولت مناقشته، لكنَّه ثار غاضبًا، وهدَّدني باستدعاء الشُّرطة؛ فانسحبت من أمامه، أبتلع غصَّتي. كم أكره العودة إلى هذا المكان، الَّذي حصلت عليه بشقّ الأنفس في مدينة تضجُّ بالزّحام! ولمَّا كان الحصول على مسكنٍ بديلٍ أمرًا مستحيلًا، أوكلت الأمر إلى نفسي، الَّتي درَّبتها الغربة جيَّدًا على أن تتحمل ما تكره، وأن تستغني عمَّا تحبُّ.
أشعر بالإرهاق الشَّديد بعد دوامي الشاقّ في مصنع السَّيارات، يقتلني الظمأ والجوع بعد صيام يومٍ طويلٍ. أستحثُّ قدميَّ على السَّير، أحدّق إلى وجوه المارَّة، أبصر ملامحهم الجامدة، لا أحد يعرفني منهم، ولا أعرف أحدًا منهم، أبتسم بمرارةٍ، تضيق نفسي، وتموج الخواطر في رأسي، أتذكَّر تجمُّعنا حول المائدة في إفطار رمضان، كنت حينئذٍ طفلًا، أوسط إخوتي الخمسة عمرًا، أتبادل معهم أرغفة الخبز بمحبَّةٍ، تحوطنا أمِّي بجناحيها، ونسند ظهورنا الهشَّة إلى جدار أبي الصَّلب، نتنفَّس الطُّمأنينة، ونأكل بشهيةٍ، تدور علينا أكواب الشَّاي، نشرب في عجلةٍ، نسرع إلى المسجد بصحبة أبي؛ لندرك أماكننا في الصُّفوف الأولى.
(٣)
الأيّام تباغتني، يموت أبي، أتجرع مرَّ الشَّراب كؤوسًا، أعمل في أحد المخابز ليلًا، وأدرس نهارًا، أطأ أسنة الشَّوك بقدمي الحافيتين، لكنَّني أمضي في طريقي، أتخرَّج في كلية الهندسة، أدور على المصانع، والشَّركات. تضيق علىَّ الدَّائرة، أتنقَّل بين أعمالٍ بسيطةٍ مؤقَّتةٍ، يُسلّط الفقرُ سيفَه على رقبتي، يسلم وجهي إلى جدارٍ مصمتٍ، من خلفه ألف جدارٍ. تتحصَّن الأمنيات في قلاعٍ شاهقةٍ، لا تصل إليها يداي. يمسي الهواء شحيحًا لا يصل إلى رئتيَّ، ولقمة العيش لا تصل إلى فمي إلَّا مغمَّسةً بالتُّراب، تمسي مدينتي قطَّةً شرسةً، تنهش بنيها، أبكي تحت قدميها؛ فلا ترقُّ لحالي. لم أكرهها يومًا، لكنَّني هربت منها كطفلٍ ساذجٍ خاصم أمَّه، وأعطاها ظهره، وانطلق يعدو؛ ظنًا منه أنَّها ستلاحقه، وستعيده إلى أحضانها مرَّةً أخرى. ابتعدت؛ حتَّى تلاشى أثري، ولكنَّ أمّي ظلَّت ساكنةً مكانها، ولم تتحرك سنتيمترًا واحدًا، ولم تتذكَّرني يومًا؛ فمدينتي -لو تعلمون- قطَّةٌ ضعيفة الذَّاكرة. ها أنا أستفيق بعد سنواتٍ طوالٍ على مرارة التيه، وألم الاغتراب، بين يدي حفنة أعذارٍ، أعزّي بها روحي الجريحة؛ فلا تطيب. ماذا تريد؟! سألت نفسي مرارًا، ولمّا أعياني الجواب، هتف هاتفٌ داخلي: أيُّها الهارب، كفاك رقصًا على الحبلين، أتظن أنَّك في معزلٍ، وقد قفزت من السَّفينة، وفضَّلت الفرار؟! فمن يعصمك اليوم من دفع الثَّمن؟! قلت: دفعت الثَّمن كاملًا من دمي؟! قال: واهمٌ كعادتك، سترى....
(٤)
أرنو إلى الشَّمس، أبصرها قد غربت بالفعل، لم تعد فكرة العودة إلى مسكني ملّحةً، أقرّر أن أفوّت موعد القطار، وأن أستقلَّ القطار الَّذي يليه، أعرج على أحد المحالّ، أبتاع زجاجة ماءٍ، وطعامًا جاهزًا، أتوجَّه إلى مقعد رخاميّ، يطلّ على نافورة تتوسَّط الميدان، أرتشف جرعات من الماء، أكسر صومي، أتناول لقيماتٍ من طعامي. تتساقط ندف الثَّلج فوق رأسي، أغفو مكاني، ينشقُّ صدري، يندفع من بين حناياه عصفورٌ، يجتاز المسافات بسرعة البرق، يعبر البحر، والنَّهر، والحقول، يصل غرب الدلتا، يتوغَّل قليلًا في الصَّحراء، يقف على تخوم مدينتي، يحوم حولها مرَّاتٍ عديدةٍ، يسكب دموعًا حبيسةً، يناجيها بحرقةٍ واشتياقٍ؛ فتأذن له بالدُّخول.
(٢)
أسرع الخُطَى؛ لعلَّي أنجح في اللّحاق بالقطار، الذي سيقلُّني بالقرب من مسكني، حيثُ توجد شقتي المُستأجَرة داخل بنايةٍ صغيرةٍ، مكوَّنة من طابقين، أسكن بالطَّابق العلويّ، في حين يسكن رجلٌ مسنٌّ بصحبة زوجته في الطَّابق الأرضيّ، لم ينجبا أيًّا من الأولاد أو البنات، ولا يحبَّان الغرباء، عادةً ما يعبسان في وجهي، كلَّما تلاقت وجوهنا، عبوسٌ يعمّق غربتي. حاولت التودُّد إليهما، لكنَّ الرَّجل طلب مني صراحةً أن أحتفظ بمسافةٍ كافيةٍ بيننا، وألَّا أنسى نفسي؛ فأنا مُلوَّن ذو بشرةٍ سمراء، فضلًا عن كوني عربيًّا. نزلت كلماته علىَّ كالرّصاص المغليّ، حاولت مناقشته، لكنَّه ثار غاضبًا، وهدَّدني باستدعاء الشُّرطة؛ فانسحبت من أمامه، أبتلع غصَّتي. كم أكره العودة إلى هذا المكان، الَّذي حصلت عليه بشقّ الأنفس في مدينة تضجُّ بالزّحام! ولمَّا كان الحصول على مسكنٍ بديلٍ أمرًا مستحيلًا، أوكلت الأمر إلى نفسي، الَّتي درَّبتها الغربة جيَّدًا على أن تتحمل ما تكره، وأن تستغني عمَّا تحبُّ.
أشعر بالإرهاق الشَّديد بعد دوامي الشاقّ في مصنع السَّيارات، يقتلني الظمأ والجوع بعد صيام يومٍ طويلٍ. أستحثُّ قدميَّ على السَّير، أحدّق إلى وجوه المارَّة، أبصر ملامحهم الجامدة، لا أحد يعرفني منهم، ولا أعرف أحدًا منهم، أبتسم بمرارةٍ، تضيق نفسي، وتموج الخواطر في رأسي، أتذكَّر تجمُّعنا حول المائدة في إفطار رمضان، كنت حينئذٍ طفلًا، أوسط إخوتي الخمسة عمرًا، أتبادل معهم أرغفة الخبز بمحبَّةٍ، تحوطنا أمِّي بجناحيها، ونسند ظهورنا الهشَّة إلى جدار أبي الصَّلب، نتنفَّس الطُّمأنينة، ونأكل بشهيةٍ، تدور علينا أكواب الشَّاي، نشرب في عجلةٍ، نسرع إلى المسجد بصحبة أبي؛ لندرك أماكننا في الصُّفوف الأولى.
(٣)
الأيّام تباغتني، يموت أبي، أتجرع مرَّ الشَّراب كؤوسًا، أعمل في أحد المخابز ليلًا، وأدرس نهارًا، أطأ أسنة الشَّوك بقدمي الحافيتين، لكنَّني أمضي في طريقي، أتخرَّج في كلية الهندسة، أدور على المصانع، والشَّركات. تضيق علىَّ الدَّائرة، أتنقَّل بين أعمالٍ بسيطةٍ مؤقَّتةٍ، يُسلّط الفقرُ سيفَه على رقبتي، يسلم وجهي إلى جدارٍ مصمتٍ، من خلفه ألف جدارٍ. تتحصَّن الأمنيات في قلاعٍ شاهقةٍ، لا تصل إليها يداي. يمسي الهواء شحيحًا لا يصل إلى رئتيَّ، ولقمة العيش لا تصل إلى فمي إلَّا مغمَّسةً بالتُّراب، تمسي مدينتي قطَّةً شرسةً، تنهش بنيها، أبكي تحت قدميها؛ فلا ترقُّ لحالي. لم أكرهها يومًا، لكنَّني هربت منها كطفلٍ ساذجٍ خاصم أمَّه، وأعطاها ظهره، وانطلق يعدو؛ ظنًا منه أنَّها ستلاحقه، وستعيده إلى أحضانها مرَّةً أخرى. ابتعدت؛ حتَّى تلاشى أثري، ولكنَّ أمّي ظلَّت ساكنةً مكانها، ولم تتحرك سنتيمترًا واحدًا، ولم تتذكَّرني يومًا؛ فمدينتي -لو تعلمون- قطَّةٌ ضعيفة الذَّاكرة. ها أنا أستفيق بعد سنواتٍ طوالٍ على مرارة التيه، وألم الاغتراب، بين يدي حفنة أعذارٍ، أعزّي بها روحي الجريحة؛ فلا تطيب. ماذا تريد؟! سألت نفسي مرارًا، ولمّا أعياني الجواب، هتف هاتفٌ داخلي: أيُّها الهارب، كفاك رقصًا على الحبلين، أتظن أنَّك في معزلٍ، وقد قفزت من السَّفينة، وفضَّلت الفرار؟! فمن يعصمك اليوم من دفع الثَّمن؟! قلت: دفعت الثَّمن كاملًا من دمي؟! قال: واهمٌ كعادتك، سترى....
(٤)
أرنو إلى الشَّمس، أبصرها قد غربت بالفعل، لم تعد فكرة العودة إلى مسكني ملّحةً، أقرّر أن أفوّت موعد القطار، وأن أستقلَّ القطار الَّذي يليه، أعرج على أحد المحالّ، أبتاع زجاجة ماءٍ، وطعامًا جاهزًا، أتوجَّه إلى مقعد رخاميّ، يطلّ على نافورة تتوسَّط الميدان، أرتشف جرعات من الماء، أكسر صومي، أتناول لقيماتٍ من طعامي. تتساقط ندف الثَّلج فوق رأسي، أغفو مكاني، ينشقُّ صدري، يندفع من بين حناياه عصفورٌ، يجتاز المسافات بسرعة البرق، يعبر البحر، والنَّهر، والحقول، يصل غرب الدلتا، يتوغَّل قليلًا في الصَّحراء، يقف على تخوم مدينتي، يحوم حولها مرَّاتٍ عديدةٍ، يسكب دموعًا حبيسةً، يناجيها بحرقةٍ واشتياقٍ؛ فتأذن له بالدُّخول.